الإرهاب الإسلامي.. الثَّورة الإيرانية والإخوان

سقوط الجمهورية الإسلامية يعني نهاية الإسلام السياسي بفرعيه السني والشيعي

عام 1979 أطيح بحكم الشاه في إيران، وعاد الخميني من منفاه في فرنسا لينشئ "الجمهورية الإسلامية" تحقيقاً لنظريته التي بشر بها ودعا لها طويلاً: "الحكومة الإسلامية"، فاستبشرت بها أكبر حركة إسلامية راديكالية عالمية سنية في العصر الحديث: "الإخوان المسلمين". يقول أحمد يوسف: «إيران الدولة نقطة انطلاق نحو الدولة الإسلامية العالمية، التي تنتظم في إطارها جموع الأمة الإسلامية» مطلقاً على إيران وصف «دولة الأمة الإسلامية التي لطالما حلم بها الإمام حسن البنا، وكل من تولوا قيادة حركة الإخوان المسلمين من بعده، إن إيران في صيغتها الحالية نقطة التكثيف الأوضح، إنها تختزن الرسالة الإلهية مشروعاً ونظاماً لها، وإنه فعل من الإخلاص للإسلام.». مستطرداً: "الثورة الإيرانية مثلت أول حالة تجسيد اجتهادية حقيقية للدولة الإسلامية في العالم الإسلامي منذ انهيار الخلافة العثمانية، التي طالما حلم بها (الإخوان المسلمين)؛ التنظيم الأقوى حركية وشعبية في العالمين العربي والإسلامي».

إن تأييد "الإخوان المسلمين" لما يسمى "الثورة الإسلامية" في إيران هو تأييد صارخ وفوري، إذ يذكر يوسف ندا في لقاء له مع قناة الجزيرة أن «الإخوان المسلمين شكّلوا وفدا التقى الخميني في باريس قبل عودته إلى إيران لتشجيعه ودعمه، وأن التنظيم كان على علاقة بأعضاء من مجموعات الخميني قبل الثورة الإيرانية، وكانت تتم بينهم لقاءات في أمريكا وأوروبا».

كان تنظيم جماعة الإخوان المسلمين قد أرسل بالفعل وفداً ممثلاً للتنظيم الإخواني الدولي لمباركة نجاح "الثورة الإسلامية" في إيران، فكانت أول طائرة حطت في مطار طهران بعيد نجاح الثورة الإسلامية فيها، وبعد وصول الخميني من منفاه، هي الطائرة التي أقلت الوفد الموسع لتنظيم الإخوان، بل ويتباهى التنظيم كثيراً في كتبهم، ومذكراتهم بأنهم ساندوا "الثورة" من بداياتها، وكانوا يرسلون الوفود السرية للتنسيق مع الخميني في منفاه، ومع الإدارة الأمريكية للتسويق للخميني وللثورة عندها، خصوصاً وأن أمريكا في ذلك الحين كانت تظهر في العلن وقوفها مع الشاه ودعمها له.

يقول القيادي الإخواني عصام العريان لصحيفة «الشرق الأوسط»: «إن جماعة الإخوان المسلمين أيدت الثورة الإسلامية في إيران منذ اندلاعها عام 1979؛ لأنها قامت ضد نظام حكم الشاه رضا بهلوي الذي كان منحازا للعدو الصهيونى».

أيقونة الإرهاب الإسلامي السني

تجمع التقارير الاستخباراتية المعلنة، والدراسات والأبحاث المتداولة، والتقارير الإعلامية الموضوعية، تجمع على أن تنظيم "القاعدة" نشأ بدايةً في أفغانستان نهاية الثمانينيات الميلادية، كتنظيم إرهابي دولي خطير، يحمل أيديولوجيا إسلامية متطرفة، تتخذ من أدبيات وكتب وأفكار الثلاثي "قطب، والبنا، والمودودي" أساساً لها، وأن هذا التنظيم لم يكن ليَنشأ لولا توافر البيئة المناسبة الحاضنة.

تأسس هذا التنظيم حين وضعت حرب الأفغان -لتحرير أراضيهم من الاحتلال السوفيتي- أوزارها، على يد الثلاثي: "الدكتور عبدالله عزام، المليونير أسامة بن لادن، والدكتور أيمن الظواهري". وهؤلاء الثلاثة في الواقع كانوا حينها أعضاء فاعلين في التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، فالأول يعد علماً من أعلام التنظيم، والثاني كان تلميذاً في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة، التي دَرَّس فيها الأول وبث سمومه، حيث تشرب ابن لادن فكر هذه الجماعة، إلى أن أصبح عنصراً رسميا في التنظيم (فرع السعودية)، ثم انتقل إلى أفغانستان بمعية عرابه "عزام". أما الثالث فهو من أعضاء التنظيم منذ كان يافعاً، حيث سبق وألقي القبض عليه في مصر وهو في الخامسة عشرة من عمره، بجرم الانضمام لتنظيم الإخوان المسلمين، ثم بعد أن أطلق سراحه، عاد لتنظيمه، وأنشأ ذراعا عسكرية له، بعد أن ضعفت وتفككت الذراع العسكرية الأولى والمسماة "التنظيم الخاص للجماعة"، فأنشأ الظواهري ومن معه ما سمي بـ"جماعة الجهاد الإسلامي"، التي اتخذت من كتب المنظر الإخواني سيد قطب منهجا شرعيا لها، تلقنه لعناصرها حتى يتشربوه، وعلى رأسها، كتابا: "معالم في الطريق" و"في ظلال القرآن".

تحول مفهوم الجهاد

يرى العديد من الباحثين الأمريكيين الذين درسوا تأسيس "القاعدة" في أفغانستان أن مفهوم "الجهاد" ذاته قد تغير لدى "المجاهدين" هناك عما كان عليه في بدايات "الجهاد الأفغاني"، حيث نشأ في الأساس كعمل مشروع للدفاع عن النفس وتحرير الأرض، إلا أنه، ومع توافد من يحملون أفكار أبي الأعلى المودودي، وحسن البنا، وسيد قطب، تبدل هذا المفهوم.

والبداية كانت مع وصول الرمز الإخواني النشط، أردني الجنسية فلسطيني الأصل: عبدالله عزام، الأب الروحي للقاعدة، والمؤسس الأول للبناتها، والذي تنقل في دراسته ما بين سوريا والأردن، ليحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة الأزهر في مصر، ثم ليعمل كعضو هيئة تدريس في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة.

ففي 1981 تقدم عزّام إلى إدارة الجامعة بطلب الإعارة للتدريس في الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، ليكون قريباً من "البيئة النضالية القتالية في أفغانستان"، وليعمل فور وصوله على نشر فكر الدعوة التي ينتسب إليها: جماعة "الإخوان المسلمين"، إلا أن مدة إعارته انقضت، فطلب التمديد، وهو ما رفضته الجامعة حينها، فتقدم باستقالته وتعاقد مع رابطة العالم الإسلامي، ليبقى هناك، حيث أدار مكتب "رابطة العالم الإسلامي" ومكتب "الإخوان المسلمين" وكان مسؤولاً عن إرسال "الدعاة والمعلمين"، ثم ما لبث أن توجه إلى بيشاور ليدرس في كلية (ولاحقا جامعة) الدعوة والجهاد، كما أنشأ "مكتب خدمات المجاهدين"، مستقطباً عديداً من شبان العرب إلى هناك، عبر اهتمامه بالدعاية والإعلام، إذ كان يهدف لأن يكون المستقبل لـ"المجاهدين العرب"، بحكم عدم إتقانهم للغات المحلية، وبداعي ترتيب أمورهم، لكن الواقع أنه كان يقوم بشحنهم بجرعات فكرية لغسل الأدمغة يسميها "الدروس العلمية"، التي من خلالها لقنهم ورسخ في أذهانهم -بحسب شهادات موثقة- أفكار سيد قطب وأبي الأعلى المودودي -والأخير يقال إنه عضو مؤسس في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، وصاحب فكرة إنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة- وكان من ضمن ما نادى به عزام أن "المجتمعات الإسلامية في جاهلية"، وأنه في طور إعلان وإعادة تأسيس "دولة الخلافة"، وبناء عليه فقد أفتى بأن "الجهاد أضحى فرض عين". وليتحور مفهوم "الجهاد" عن مساره، ولتصبح عملية مقاومة الاحتلال الأجنبي المتمثل بـ"السوفيت"، ليست هي الأساس والغاية، بل هي مجرد مرحلة، وأن الأولوية والأصل هي في وجوب "الجهاد" لفرض الحكم الإسلامي المتطرف على العالم أجمع، و"تمدده" ليصبح "جهاداً عالمياً"، وعدم حصره في تحرير الأرض الأفغانية فقط.. محيياً بذلك أفكار وحجج وأقوال سيد قطب بأن المجتمعات في العالم المعاصر دون استثناء "مجتمعات جاهلية" أي إنها "كافرة مشركة"، وأن المجتمعات العربية والإسلامية، فضلاً عن غيرها، هي المعنية بالوصف في قول قطب: "المجتمع الجاهلي"، أي إنها المستهدف الرئيس. هكذا نصاً كما في كتبه، وأن البداية تكون بإسقاط النظم في الدول العربية والإسلامية؛ لتحقيق ما يسمى بدولة "الخلافة" وفق مفهومه، وهو تماماً الفكر ذاته الذي تحمله اليوم تنظيمات "داعش" و"القاعدة" و"بوكو حرام" و"لشكر طيبة" و"جماعة أبو سياف" وغيرها من بقية التنظيمات الإرهابية "السنية".

الخلاف بين القادة واغتيال عزام

بموجب فتوى أن "الجهاد أضحى فرض عين"، وصل إلى "عزام" الآلاف من المقاتلين العرب، بمن فيهم أولئك الذين ينتمون لجماعة إرهابية كـ"الجهاد الإسلامي" و"التكفير والهجرة"، وعناصر من تنظيمات "الإخوان المسلمين" وجماعة "التبليغ"، وكان من ضمنهم الشاب الإخواني -السعودي في ذلك الحين- أسامة بن لادن، والإخواني المصري زعيم حركة "الجهاد الإسلامي" أيمن الظواهري، حيث التقى هذان الأخيران هناك، وأنشآ ما يسمى بـ"بيت الأنصار" بتنسيق كامل وتعاون تام مع "مكتب خدمات" عزام، وبعدها بسنوات قليلة بدأت تتشكل فكرة إنشاء تنظيم القاعدة في ذهنية الثلاثة "المعلمان العرَّابان/ عزام والظوهري، والتلميذ النجيب الغني ابن لادن".