الإرهاب، هل يتفشى في الخليج؟

لندن
البارود

عدة "حوادث"، بين حرائق وهجمات على مواقع حيوية، توحي أن ثمة في الكويت ما يغلي تحت السطح.
السلطات، ومن حولها، تحرص على إضفاء طابع "الحادث" على هجمات لا يتضح أنها أعمال إرهاب، إلا عندما يُصدر الاميركيون تحذيرات الى "مواطنيهم" المقيمين (او المعسكرين) في الإمارة.
وبمقدار ما تبدو الكويت استثناء مقارنة بدول الخليج الأخرى، إلا انها تبدو قاعدة مثالية أيضا.
الاستثناء، يحيل الى أن هناك ديمقراطية برلمانية تجعل الكويتيين يتمتعون بميزات تمثيلية لا يتمتع بها الخليجيون الآخرون.
إلا ان حدود هذا التمثيل، وفاعليته، بعد حل سلسلة برلمانات، تثبت الشيء الآخر، وهو ان آليات عمل التمثيل في دول الخليج الأخرى تبدو أكثر استقرارا، وهي تتوافق أكثر من الطبيعة الاجتماعية لهذه البلدان.
فاذا امكن استثناء هذا الاستثناء، فان الكويت ستكون هي "القاعدة" التي يمكن، بسهولة أن تنطلق منها المخاوف من أن تتحول البيئة الخليجية، الهانئة الراكدة الى حد كبير، الى بيئة توترات و... "حوادث".
من حيث المبدأ يبدو وجود أقلية شيعية، هنا وهناك، عاملا من عوامل الحد من انتشار الإرهاب. فالكثير من الشيعة الخليجيين موالون لإيران، وإيران تتحالف مع الولايات المتحدة في العراق، وهذا ما يجعلهم يمثلون خطرا أقل على الولايات المتحدة، وهم ينظرون بعدائية أقل الى الوجود الاميركي في المنطقة.
ولكن المشكلة هي أن هؤلاء الشيعة هم، بالأحرى، أحد أسباب التشدد الإسلامي السني في الخليج. فارتباط ولاءاتهم بايران والولايات المتحدة يجعلهم خصما مزدوجا، ويساهم في توسيع الشرخ الإجتماعي بين الطرفين.
والنفوذ "الشيعي" في الكويت علامة من علامة التحريض على الإرهاب، بالضبط لانه قائم على ولاءين كلاهما يثير التوتر بالنسبة للمجتمع السني المحافظ، بل وحتى المعتدل أيضا.
وكانت الكويت قدمت على مدى السنوات الماضية دليلا حول كيف يعمل "تنظيم القاعدة": انه بلا تنظيم. فالعمليات التي تنفذ باسم القاعدة ليست مرتبط بالضرورة بالتنظيم الذي يرأسه أسامة بن لادن. وهذه العمليات لا تنفذ لان هناك جهاز تخطيط مركزيا يصدر التوجيهات ويوفر المعدات للقيام بها. ولكنها تنظم من قبل أي شخص يبدو قادرا أو راغبا بتنفيذها. وسواء أعلن هذا الطرف او ذاك عن تبنيه لهذا "الحادث" أو ذاك، فان الشيء الوحيد الذي يمكن قوله هو ان تنظيم القاعدة يقف وراءه، وذلك حتى ولو كان منفذو العملية لم يجروا أي إتصال بأي أحد.
توسع وجود القوات الأميركية، والزيادة الظاهرة في نشاطاتها في الكويت والبحرين وقطر تترك شعورا متزايدا لدى المتشددين السنة أنهم يخسرون بلدانهم، من ناحية لاتساع دائرة النفوذ الإيراني-الشيعي فيها، ومن ناحية أخرى بسبب وجود أميركيين قدموا كل البراهين الواقعية على انهم مستعدون لتسليم أكبر حكومات المنطقة الى أول تحالف طائفي شيعي قد يعثرون عليه. وهذا ما فعلوه في العراق.
وبينما يكرس الاميركيون وجودا عسكريا قويا، فان الجمعيات والأحزاب الشيعية-الايرانية في المنطقة ترسخ حضورها، وتثبت للجميع انها عصية على الكسر، وانها اكثر تماسكا من أن تقبل الانخراط في أي مشروع وطني قد يُضعف روابطها الطائفية الوثيقة. وهذا ما يعني ان على سنة الخليج أن يقفوا بالانتظار فقط ليروا النتيجة ذاتها: تحالف شيعي-اميركي يهيمن على الأجواء العامة ويكون أساسا لاضطرابات عارمة تمزق بلدانهم. وبطبيعة الحال، لن تخلو تلك الاضطرابات من دعوات واشنطن "لاحترام حقوق الأقليات". وشيئا فشيئا سيجد سنة المنطقة أنفسهم، يتقاسمون "الحصص" مع "اخواننا الشيعة" على غرار ما يحصل في العراق. سوى ان الامر في العراق بالعكس. فـ"اخوننا السنة" يستجدون ولا يحصلون إلا على الفتات من "اخواننا الشيعة".
ولكن فحتى ولو كان "تقسيم الحصص" سيمنح السنة الخليجيين شيئا من الغلبة، فان الأمر لن يمر من دون اختلالات وربما صدامات دموية، في الكويت والبحرين على الأقل. فـ"اخوننا الشيعة"، وهم ينتظرون المهدي المنتظر، لن يرضوا بالقليل، ويريدون الأمر كله. وما لم يُعطهم المهدي الراهن ما يريدون، فانهم سينظرون مهديا آخر لا يبقي ولا يُذر.
وفي البحرين، وبينما يوسع الاسطول منشآته فيستحوذ على ممتلكات اضافية وميناء "مهجور" للمساعدة في خدمة المزيد من "السفن الزائرة"، فان الجمعيات الشيعية لا تني تطالب بحصة اكبر في التمثيل البرلماني.
وعلى الرغم من أن البحرين تبدو آمنة من الإرهاب، بسبب الوجود الشيعي لأسباب ديمغرافية، فانها، على غرار الكويت، تبدو مؤهلة للإرهاب، بسبب هذا الوجود، لأسباب دينية-سياسية.
الاميركيون يحذرون مواطنيهم على أي حال، وهم يعرفون لماذا يتوجه الخطر الاكبر اليهم. فهم لا يبدون عدوا اجنبيا فحسب، ولكن حليفا لـ"عدو" داخلي أيضا. وبعد سلسلة "حوادث" مجهولة الهوية، تم كشف النقاب عن القاء القبض على ما قيل انه "جميع اعضاء شبكة مرتبطة بالقاعدة". وكانت هذه الشبكة التي تضم ستة أفراد تعتزم، حسب بعض الاعترافات، تفجير معسكر عريفجان للجيش الأميركي ومقر قيادة جهاز أمن الدولة ومنشآت مهمة اخرى، مثل مصفاة نفط الشيعبة، في شهر رمضان.
الى أي مدى ترتبط تلك الشبكة بالقاعدة؟ الجواب، من الناحية اللوجستية، هو: صفر.
ولكن الى أي مدى ترتبط تلك الشبكة بالقاعدة؟ الجواب من الناحية السياسية-الدينية، هو 100%.
وهذا هو الخطر. فلو كانت القصة هي قصة ارتباطات تنظيمية، لكان تنظيم القاعدة قد مات وتقطعت بروابطه السبل. ولكن الوجه الآخر للحقيقة هو ان سنة الخليج، متشددين ومعتدلين، محافظين وليبراليين، يشعرون انهم يعيشون بين نار شيعية وبارود اجنبي. فإذا إلتقيا، كما حصل في العراق، فان البارود سينفجر عليهم، ويبدد ريحهم ويعصف بوجودهم ووجود حكوماتهم. أما هذه الحكومات فتبدو، لخدرٍ ما، آمنة مطمئنة لتحالفها مع المدافع الدولي الأول عن "حقوق الأقليات"، وسعيدة بوجود المستفيد الضمني الأول من "التهديد الإيراني"، وراضية بالتعاون "الاستراتيجي" مع "المتبرع" الأول بواحد من اكبر دول المنطقة لأول تحالف طائفي شيعي-إيراني عثر على متسكعيه في "اجوارد رود" في لندن.
و.."الإرهابيون" الذين ينشأون في الخليج (بارتباط ومن دون ارتباط بالقاعدة) يعرفون هذا، ويعرفون نتائجه ويحاولون ان يتحاشوا انفجار برميل البارود على وجود بلدانهم.
هذا هو الوجه الخفي من كل القصة.