الإخوان المسلمون ... التَّشكيك في صدق النَّوايا

بقلم: محمد فاضل نعمة
المعلن شيء والمخبوء شيء آخر

مما لاشك فيه أن هناك تغييراً في الخطاب السياسي للإسلاميين عموماً والإخوانيين خصوصاً من مرحلة المعارضة إلى مرحلة السلطة، وصل حد التناقض في بعض الحالات، في محاولة للتملص من ثوابتها السابقة والانسجام مع واقع السلطة الجديد وتطمين المراقبين في الداخل والخارج على حسن نواياهم، إلا أن ذلك لم يمنع العديد من القوى في الداخل والخارج من إبداء تخوفها من انعكاس أفكار وطروحات الإخوان المسلمين الذين ينتمي اليهم الرئيس على صياغة شكل الدولة المستقبلي وطبيعة الحقوق والحريات التي يتمتع بها الأفراد، ولا يخفى على أحد الدور الذي تلعبه قوى الإسلام السياسي في مصر وهيمنتها الفعلية تدريجيا على اغلب مفاصل الدولة التشريعية والتنفيذية، وبالأخص الإخوان المسلمين، في مقابل غموض وضبابية برامجها، وتناقضها أحيانا ما بين مرحلة المعارضة ومرحلة السلطة.

وعلى الرغم من تأكيدات قيادات الإخوان حول التزامهم بمدنية الدولة، وضمان الحريات وتفعيل مبدا المواطنة واحترام الاتفاقات الدولية التي أبرمتها مصر سابقاً، إلا أن العديد من القوى الليبرالية والمدنية مازالت تشكك في صدقية النوايا الإخوانية في الحكم باعتبارها صاحبة مشروع ذا طابع ديني واضح الأهداف والتوجهات، وان تغيير الخطاب الإخواني بعد استلام السلطة لا يعد سوى تغيير تكتيكي، لا يلغي تماما طروحاتها السابقة إبان المعارضة، والتي عبرت عنه في برنامجها الشهير الذي اطلقته عام 2007،في اطار حملتها لإعلان تأسيس حزب الإخوان المسلمين السياسي الذي تغير اسمه بعد ثورة 25 يناير إلى حزب الحرية والعدالة.

تكمن أهمية برنامج حزب الإخوان المسلمين، انه من الوثائق النادرة التي عبرت فيها جماعة الإخوان بشكل صريح وعلني عن رؤاها المستقبلية لبناء الدولة، كما انه يعد البرنامج الأضخم للجماعة حيث احتوى على ستة أبواب ضمت خمسة عشر فصلا تناول فيها معظم جوانب الحياه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والخدمية، ورأس لجنة صياغة البرنامج في حينها الدكتور محمد مرسي عضو مكتب الإرشاد والرئيس الحالي، وقد أثارت بعض بنود البرنامج جدلا واسعا في أوساط المثقفين والقوى المدنية وخصوصا ما يتعلق منها بشكل الدولة، وتلك المتعلقة بمبدأ المواطنة والمساواة.

يرى العديد من الباحثين ممن درسوا مشروع حزب الإخوان المسلمين أن الجماعة تسعى لإقامة دولة دينية بمرجعية من رجال الدين على غرار النموذج الإيراني؛ في صورة هيئة من كبار علماء الدين في الأمة، فقد جاء النص كالاتي (تطبيق مرجعية الشريعة الإسلامية بالطريقة التي تتوافق عليها الأمة من خلال الأغلبية البرلمانية في السلطة التشريعية بنزاهة وشفافية حقيقية دون تدليس ولا تزوير ولا إكراه بالتدخل الأمني المباشر أو المستتر، والتي تتم تحت رقابة المؤسسات الدينية داخلية وخارجية وبعيدا عن هيمنة السلطة التنفيذية.

على السلطة التشريعية طلب رأي هيئة من كبار علماء الدين في الأمة، على أن تكون منتخبة أيضا انتخابا حرا ومباشرا من علماء الدين ومستقلة استقلالا تاما وحقيقيا عن السلطة التنفيذية في كل شؤونها الفنية والمالية والإدارية، ويعاونها لجان ومستشارون من ذوي الخبرة واهل العلم الأكفاء في سائر التخصصات العلمية الدنيوية الموثوق بجديتهم وأمانتهم، ويسري ذلك على رئيس الجمهورية عند إصداره قرارات بقوة القانون في غيبة السلطة التشريعية، وراي هذه الهيئة يمثل الراي الراجح المتفق مع المصلحة العامة في الظروف المحيطة بالموضوع.

ويكون للسلطة التشريعية في غير الأحكام الشرعية القطعية المستندة إلى نصوص قطعية الثبوت والدلالة القرار النهائي التصويت بالأغلبية المطلقة على راي الهيئة، ولها أن تراجع الهيئة الدينية بإبداء وجهة نظرها فيما تراه اقرب إلى تحقيق المصلحة العامة قبل قرارها النهائي. يتم بقانون تحديد مواصفات علماء الدين الذين يحق لهم انتخاب هيئة كبار العلماء والشروط التي ينبغي أن تتوافر في أعضاء الهيئة).

لقد تعرض هذا الجزء من البرنامج على وجه الخصوص لأكبر كم من الانتقادات من قبل القوى الليبرالية باعتباره يؤسس لنظام ديني؛ يستبعد تماما مفهوم الدولة المدنية، وقد ساهم في هذه الانتقادات عدد كبير من المقربين من التيار الإسلامي مثل فهمي هويدي الذي رأى "أن هذا الجزء من البرنامج وراءه فكرة ساذجة"، في حين دافع أعضاء الإخوان عن هذا النص بالقول أن راي اللجنة استشاري وليس ملزم، معتبرين "أن النص عانى من عدم دقة في الصياغة"، في معرض ردهم على عاصفة الانتقادات وقد جاء هذا التبرير متناقضا بعض الشيء مع وضوح النص الذي أوردناه.

لذلك فالطريقة التي صيغ بها دور الهيئة الدينية في الدولة والنظام السياسي المصري لابد ان يثير كل القوى المطالبة بمدنية الدولة ، ولم يكن كافيا ما أورده الإخوان من تطمينات أن الهيئة استشارية؛ وإن هناك ضعف في الصياغة، يرى المعارضون لهذا المشروع أنه يلغي فعليا دور المحكمة الدستورية العليا لتحل محلها هيئة العلماء باعتبارها المرجعية الأعلى، وهذا ما يلغي مدنية الدولة من الأساس على حد وصفهم.

كما استثنى مشروع برنامج حزب الإخوان المسلمين رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء من مبدأين عامين وهما مبدا المواطنة ومبدا المساواة في الفرص؛ حيث حظر تولي الأقباط والنساء لمنصبي رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء، وقد اتسم المشروع بالحسم القاطع في هذا الموضوع بالذات، مما أوجد نوعا من التناقض ما بين القاعدة العامة التي استند إليها المشروع في المواطنة والمساواة وما بين الاستثناء الذين جمعهما في مكان واحد

ويبرر العديد من الباحثين أن الاستثناء القبطي في المشروع جاء نتيجة لوجود وظائف دينية للدولة؛ يفهمها العقل الإخواني على النحو الذي كانت عليه قبل أن يعرف البشر مبادئ مثل المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص، فالإخوان يرون أن للدولة وظائف دينية ومن بينها وظيفة جهادية في الحرب والقتال لا يمكن أن يعهد بها لغير المسلم. بالطبع هذا الموقف يغفل التغيير الجوهري الذي حدث في طبيعة الدولة في العصر الحديث، مع نشأة وانتشار الديموقراطية باعتبارها دولة مؤسسات وليست دولة حاكم فرد ووظائف الديموقراطية موزعة على مؤسساتها وليست مركزة في مؤسسة وحيدة مثل مؤسسة الحاكم أو الخليفة كما كان سابقا.

وبالتالي فان العقل الإخواني، الذي يعلن تأييده للديمقراطية، فإنه يطبق أحكاماً لمرحلة ما قبل الديمقراطية، وهذا الرأي يخالف كثير من الآراء الفقهية الإسلامية، مثل رأي المستشار طارق البشري في مسالة الولاية حيث يرى (أن الولاية في ذلك الزمان كانت فردية. أما الآن فقد أصبحت مؤسسية، منظمة بالدستور والقانون وفق مستويات مختلفة في عملية اتخاذ القرار)، كما ناقض محمد سليم العوا رأي الإخوان في المشروع، مؤكداً أن هناك عملية انتقال من مفهوم الذمة إلى مفهوم المواطنة، وأن "الذمة عقد وليست وضع وأن العقد يرتبط بأطرافه وشروطه فاذا تغيرا تغير العقد ... حيث تغيرت الأوضاع وتغير شكل الدولة وعقد أهل البلاد عقداً جديداً هو الدستور الذي يبنى على فكرة الحقوق والواجبات وعلى فكرة المواطنة".

لم يكتف المشروع الإخواني لم يكتف بالتمييز الديني بل امتد إلى التمييز الجنسي، فقد استثنى المرأة من تولي رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء، كما هو الحال مع القبطي مع منحها حق تولي باقي المناصب مع اشتراط عدم تعارضها مع القيم الأساسية للمجتمع، مما يعني تحجيم دور المرأة اجتماعياً وسياسياً وثقافياً بما يتلاءم مع رؤى وتصورات رجال الدين، وبذلك تؤكد رؤى جماعة الإخوان المسلمين أنها بعيدة كل البعد عن تطبيق مبادئ الدولة المدنية الحديثة، مما يعزز المخاوف لدى القوى الليبرالية والمدنية المصرية من انقلاب الإسلام السياسي على العملية الديمقراطية بعد أن تتهيأ له الظروف المناسبة.

محمد فاضل نعمة