الإخوان المسلمون... استغلال القوة الناعمة

الربيع العربي الحدث الاستنائي الأهم الذي قلب خارِطة المنطقة وتحالفاتها السياسية

"القوة الناعمة" مصطلح يستخدم في نطاق نظرية العلاقات الدولية، ليشير إلى توظيف ما يمكن توظيفه واستخدامه من الطاقة والأدوات السياسية، بهدف السيطرة على سلوك واهتمامات القوى السياسية الأخرى المستهدفة من خلال وسائل ثقافية وأيديولوجية.

عند الحديث عن مفهوم "القوة الناعمة" (والذي يعنى -بشكل بسيط- استخدام التأثير الفكري والثقافي والإعلامي لتحسين وتلميع صورة بلد/ مؤسسة/ جماعة ما، وتعزيز نفوذه/ها) فإنه بالضرورة استدعاء اسم السياسي الأمريكي الشهير جوزيف ناي، الذي بلور وصاغ هذا المفهوم أوائل تسعينيات القرن الماضي في صورة نظرية سياسية تم استخدامها وتوظيفها لاحقاً بشكل جيد. انطلق ناي، الذي شغل منصب مساعد سابق لوزير الدفاع الأمريكي، في نظريته من فكرة أن: "النَّاس قد عرفوا القوة الصلبة (المباشرة عسكرياً) والجبروت العسكري والاقتصادي للولايات المتحدة. وأدركوا، بالمقابل، أن استخدام القوة المباشرة والتهديدات الصريحة، من شأنه أن لا يحقق النتائج المرجوة. في حين أن استخدام الوجه الثاني للقوة، أي القوة الناعمة، سيجذب الآخرين ويرفع مستوى الإعجاب بالسياسة الأمريكية. فالقوة الناعمة تجعل من الآخر يريد ما نريد من دون إرغام، كما أنَّها العنصر الثابت في السياسة!".

توافق قطر وأمريكا

تقاربت دولة قطر مع الولايات المتحدة الأمريكية وعقدت تحالفاً نوعياً تضمن به أمنها في مقابل الالتزام بالحفاظ على بعض المصالح الأمريكية بالمنطقة. وتمخض هذا التحالف عن وجود قاعدة أمريكية كبيرة بقطر، يتم تمويلها لوجيستياً من الدولة القطرية، كما عقدت تحالفات وتقاربات متناقضة بينها وبين إسرائيل وحزب الله وحماس.

وفي الفترة نفسها، التي تسلم فيها حمد بن خليفة السلطة في قطر، كانت السعودية قد أوقفت مشروعاً للتعاون مع مؤسسة "بي بي سي" البريطانية لإطلاق فضائية عربية، وعلى الفور سعت قطر لاحتواء كوادر المشروع المجهض لتحوله إلى قناة "الجزيرة" التي تمتلكها، وبدأت القناة بثها من قطر، وخلال العامين 96 و97 رحَّلت قطر ما يزيد على (18) ألف مصري كانوا يعملون في سلك الشرطة القطرية، وبدأت التصعيد ضد مصر بعد كشف دور المخابرات المصرية في انقلاب شاركت فيه مصر والسعودية للإطاحة بالأمير حمد. وتفاقمت الأوضاع بعد تناول الصحف القطرية الوفد المصري المشارك في مؤتمر القمة الاقتصادي الإسلامي.

مشروع قناة "الجزيرة" الذي تأسس على أنقاض مشروع قناة "بي بي سي" العربية، وبالموارد المادية الضخمة جداً التي تم توفيرها للقناة، استطاعت به الدوحة تطويع سياستها الإعلامية لخدمة خطها السياسي، والمشاركة في تعبئة الجماهير العربية إعلامياً في اتجاهات أجندتها السياسية. كما رحبت قطر بالجامعات الغربية الكبرى والمراكز البحثية العريقة كي تؤسس لها فروعا بالدوحة، واستقطبت المراكز البحثية الغربية والعربية التي بها نوعية متميزة من الباحثين الأجانب وباحثين من العالم العربي. كما رعت مؤسساتها الخيرية والأهلية مشاريع ثقافية واجتماعية كبيرة بالعالم العربي والإسلامي. وقدَّمت قطر نفسها بصفتها دولة راعية للمؤتمرات السياسية والبحثية والعلمية، واستخدمت نفوذها الذي اعتمد -بشكل كبير منه- على فوائضها المالية، وعلاقاتها المتشابكة بالولايات المتحدة وإيران وحماس، في التدخل في الوساطات الإقليمية لحل النزاعات السياسية.

أهم العوامل التي اعتمدت عليها قطر في زيادة ثقل سياستها الخارجية هو التوظيف السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، والتبادل المصلحي والسياسي الذي حدث بين قطر والجماعة الكبيرة التي توجد كجماعة سياسية واجتماعية ودعوية كبيرة في دول محورية بالمنطقة، مثل مصر واليمن والجزائر، أو حتى شريكة بشكل جزئي في السلطة (المغرب والأردن)، أو تمثل حركة (مقاومة) وسلطة في بلدها مثل (حماس). في النهاية اعتمدت قطر بشكل كبير على جماعة الإخوان المسلمين كعامل استراتيجي لزيادة ثقلها النوعي بالمنطقة، وتوظيفه من خلال تحالفاته معهم، واستخدام علاقاتها المتشابكة مع الإخوان في مصر وحركة حماس وغيرهما كورقة ضغط وتفاوض مع الولايات المتحدة أو دول المنطقة.

هبة الربيع العربي

ثم جاء "الربيع العربي" ليصبح الحدث الاستنائي الأهم الذي قلب خارِطة المنطقة وتحالفاتها السياسية. ومنذ اللحظة الأولى اتخذت قطر موقفاً داعماً –بقوة- للاحتجاجات التي انطلقت في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، وبلورت بدعمها الأبرز للانتفاضات الشعبية في دول "الربيع العربي" بجعل أداتها الأقوى (قناة الجزيرة) صوتاً للاحتجاجات والانتفاضات التي انطلقت في العواصم: القاهرة ودمشق وصنعاء وطرابلس، لتطيح بأربعة رؤساء دفعة واحدة.

انخرطت الجزيرة -بشكل كامل- في تغطية حية للأحداث في تونس، ثم مصر، بالاعتماد على شبكات الإعلام الاجتماعي بعيداً عن أعين المسؤولين الأمنيين المحليين. وركزت في تغطيتها على الحشود من العرب الذين يعلنون مطالبهم إلى العالم. ولقد استعان الثوريون الذين كان محظوراً عليهم الظهور في وسائل الإعلام المحلية، والهاربون في أغلب الأحوال، بقناة الجزيرة للوصول إلى شعوبهم وتعبئتها لصالح الثورات. وألغت القناة برامجها العادية، وتحولت إلى ورشة عمل -على مدار الساعة- للأخبار والمقابلات المباشرة على الهواء، متحولة من ثورة عربية إلى أخرى.

لذا، ففي حين كان "الربيع العربي" بمثابة "انتفاضة" شعبية حقيقية ضد أنظمة مثلت -عند الجماهير التي خرجت عليها- عقوداً من الفساد والأنظمة الاستبدادية القمعية، فإن انتشاره السريع، الذي فاجأ الجميع -تقريبا- كان راجعاً في جزء منه إلى نفوذ وانتشار الجزيرة التي أصبحت صوتاً لمن لا صوت لهم في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. أما عن قطر ذاتها، فقد قدم آل ثاني أشكالاً عديدة من الدعم لكل الثورات العربية، باستثناء (التحركات الشعبية) في البحرين، حيث رسم السعوديون، والأمريكيون -بشكل أكثر وضوحاً- خطاً أحمر بالغ الحدة.

ومع الأشهر الأولى لنجاح هذه الثورات -جزئياً- وتصدر الإسلاميين المشهد كونهم القوة الأكبر سياسياً واجتماعياً، وفي غياب أي قوى أخرى ليبرالية ويسارية، صار طريق السلطة معبداً أمام جماعة الإخوان المسلمين.

قدمت قطر معونات مالية سخية قدرت بمليارات الدولارات، لحكومات انبثقت عن ثورات "الربيع العربي" في تونس ومصر، والتي تقودها أحزاب تنتمي لتيار الإخوان المسلمين. فمبكراً، وطدت قطر أواصر العلاقة مع مرسي وقدمت لمصر 7.5 مليارات دولار في صورة منح وقروض خلال العام الذي قضاه في السلطة. بالإضافة إلى دعم قطر لحركات إسلامية تقاتل النظام القائم في سوريا، فضلاً عن دعمها الدائم لحركة "حماس" حتى من قبل "الربيع العربي".

وصول الجماعة -الحليف وثيق الصلة بالدولة القطرية- للحكم في مصر واليمن وتونس وليبيا، مهد لتغيير شكل التحالفات –تماماً- بالمنطقة، وتكوين تحالف كبير يتكئ على حكومات جذورها إسلامية بالأساس، تتقدمه تركيا ومصر وتتوسطه قطر، ومن خلفهم تونس واليمن وليبيا وقطاع غزة الذي كان يسيطر عليه حركة المقاومة الإسلامية "حماس".

غير أن حلم السلطة للجماعة سرعان ما تحول لكابوس مع الاحتجاجات المناوئة لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، ومن ثم الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي عن طريق الجيش في 3 يوليو (حزيران) 2013 نتيجة عدم قدرة الجماعة على إدارة الصراع السياسي مع النظام القديم والمعارضة والجيش، فضلاً عن تدخلات خليجية "غير مباشرة" أسهمت –سريعاً- في إسقاط الجماعة.

في اليمن، خسرت الجماعة موقعها أمام تقدم الحوثيين، واستيلاء جماعة "الحوثي" على صنعاء. وفي ليبيا تعثر الإسلاميون –تماماً- هناك، ودخلوا في حرب استنزافية مع رجل آخر قادم من المؤسسة العسكرية الليبية، وهو خليفة حفتر، الذي ظهر بوضوح دعم النظام المصري الجديد له، بالإضافة لدعم السعودية والإمارات، على الأقل سياسياً.

سقوط الفرع الأم

سقوط جماعة الإخوان في مصر تلاه بالتبعية حصار شديد لحركة "حماس" في غزة، خصوصاً مع الحرب التي يشنها الجيش المصري ضد "أنصار بيت المقدس" والجماعات الجهادية في سيناء، وهو ما أدى أخيراً لتنازل "حماس" عن إدارة القطاع للسلطة الفلسطينية في "رام الله".

انحازت قطر لجماعة الإخوان ضد النظام الجديد في مصر، ومعها تركيا، ووضعت قناة الجزيرة مباشر مصر، وعاصمتها أمام كوادر الجماعة وحلفائها المناوئين للنظام المصري الجديد المدعوم عسكرياً وخليجياً، وهو ما جعلها في موقف مناوئ –تماما- للسعودية والإمارات ومصر.

أخيراً، مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وإدراك الخليج أن هناك معركة يجب خوضها على حدودها مع جماعة جهادية تتمدد بسرعة لتصل إلى حدوده، ومع ضعف وضع الجماعة الإخوانية، والضغط الأمريكي على دول المنطقة لتسكين الوضع لصالح الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، كانت مبادرة التقارب بين قطر من ناحية، والإمارات والسعودية من ناحية أخرى، ثم مبادرة التصالح بين قطر ومصر، التي تكللت بغلق قناة الجزيرة مباشر مصر، وفتح صفحة جديدة بالمنطقة معالمها تتجه في مسار مناوئ لمصالح جماعة الإخوان المسلمين.