الإخواني المعتق بربطة حمراء

استضاف تلفزيون فرانس 24 قبل أيام عبدالحكيم بلحاج ليتحدث عن الديمقراطية ودولة القانون والمساواة في ليبيا. كان يتحدث من إسطنبول وهي واحدة من المحطات المهمة في حياته إضافة الى بيشاور والخرطوم والدوحة. "نحن نتنقل بين المدن من أجل خدمة ليبيا" قال خريج المدرسة الأفغانية.

لقد صار علينا أن نجلس صامتين أمام شاشة التلفزيون لنتلقى الدروس الوطنية من زعماء الإرهاب والتطرف الديني. أليس هناك من بديل؟ صار علينا أن نصدق أن زعيم حزب الوطن ببدلته المعاصرة وربطة عنقه الحمراء هو ليس عبدالله الصادق الافغاني العربي.

رجل القاعدة الذي تعاملت معه أجهزة الاستخبارات الغربية على أساس كونه إرهابيا هو في واقعه الدعائي الحالي مناضل من أجل الديمقراطية. الإخواني المعتق الذي لا يرتاح إلا في الحاضنة الاردوغانية هو داعية حرية كما يحلو له أن يُقدم نفسه.

هناك الكثير من القهر والاستلاب والتهريج في ذلك التزوير.

مقبول من قناة الجزيرة أن تقدمه كذلك لأنه ينسجم مع خطها الإعلامي ونهجها العقائدي. ولكن أن تقوم قناة فرانس 24 بذلك فهو أكبر من القدرة على الاحتمال. لا تهين تلك القناة الشعب الليبي حسب بل وأيضا تهين حيادها وتهدر مصداقيتها.

لقد ضعنا في متاهة الرأي والرأي الآخر وهو الشعار المضلل الذي اشاعته قناة الجزيرة من غير أن يكون له أساس على أرض الواقع.

فالدفاع عن جماعة الاخوان المسلمين كونها تمثل الرأي الآخر لا ينطوي على أي عنصر من عناصر الصدق. لم تعترف جماعة الاخوان عبر تاريخها بحق الآخرين في الاختلاف الفكري والسياسي. فهي كأي جماعة دينية متشددة تؤمن أن الحق المطلق معها وأن كل ما تدعو إليه هو الصواب المطلق. وهي لذلك ترى أن من حقها أن تلجأ إلى العنف لإسكات خصومها.

الإرهاب الذي تمارسه الجماعات الدينية هو من وجهة نظر تلك الجماعات حق فرضته الشريعة. فالعالم حسب النظرية الاخوانية التي تبناها بن لادن مقسم بين دار الإسلام ودار الحرب.

بلحاج هو ابن تلك المدرسة. مثله في ذلك مثل مَن سبقوه من أمثال حسن الترابي ويوسف القرضاوي والظواهري وصولا إلى الخميني.

من هذا المنطلق فإن أي حديث عن حرية التعبير في مجال الدفاع عن شخصيات كان لها دور كبير في نشر التطرف الديني وممارسة الإرهاب هو نوع من الخداع الذي يهدف إلى توفير غطاء لتاريخ من الجريمة.

أن تقبل الولايات المتحدة بشكل خاص والدول الغربية بشكل عام بالاخواني القديم عبدالحكيم بلحاج طرفا في المسألة الليبية فذلك ليس مدعاة إلى أن يوافق الجميع على أن الأمر لا يشكل خرقا للقانون الدولي والأعراف والقيم الإنسانية.

بلحاج وسواه من المتطرفين الذين اندسوا في الحياة السياسية بعد أن هُزموا في ساحات القتال هم بقايا حقبة رثة وبغيضة مرت بها المنطقة وهي في طريقها إلى زوال بعد أن دفعت الشعوب ثمنها الباهظ.

وسواء ظهر الرجل بلباسه الافغاني أو بربطة عنقه الحمراء فإن الامر لا يعدو عن كونه استبدالا لقناع بقناع آخر وهو ما لا يغير في شيء من الحقيقة التي تظل ثابتة بقوة ما تنطوي عليه من مآس لا تزال تداعياتها تضرب حياة مجتمعات عانت من هيمنة الجماعات الدينية المتطرفة.

لقد سبق لبلحاج وأمثاله أن قالوا كلمتهم عن طريق السلاح الموجه إلى صدور الأبرياء وتلوثت أياديهم بدماء بشر قُدر لهم أن يكونوا في طريقهم. لذلك ليس من المنطقي والمقبول أن يُسمح لهم أن يقولوا كلمتهم بالطريقة التي يسمح بها القانون ليقفوا على قدم المساواة ضحاياهم.

قبل أن يُعرضوا في وسائل الإعلام باعتبارهم مخلصين كان الأولى أن يُعرضوا للمساءلة بموجب القانون حماية لحقوق الشعوب المغدورة.