الإتحاد المتوسطي في ميزان الشكوك والمنافع

إعداد: احمد عبد الله
تحذيرات ومخاوف

جدد الزعيم الليبي معمر القذافي خلال زيارة الى تونس الإثنين الشكوك والتحفظات التي دافع بها عن موقفه الرافض لمشروع "الإتحاد من أجل المتوسط". ولكن، حيثما تبدو تلك الشكوك جديرة بالإعتبار، فان القضية التي تشغل إهتمام الدول العربية المشاركة في الإتحاد هي ما إذا كان يمكن التصرف في إطار هذا التجمع الإقليمي وفقا لمصالح هذه الدول وليس بالضرورة لإملاءآت الآخرين.
فبينما يقول الزعيم الليبي ان المشروع يمثل عودة الى الإستعمار، وانه يفتح أبواب التطبيع مع إسرائيل، فان المسؤولين في الدول العربية المشاركة في الإتحاد يقولون ان هذا حتى ولو كان هو ما تسعى اليه الدول الأوروبية، وفي طليعتها فرنسا، فالحقيقة الأخرى هي ان هذا السعي ليس ملزما لأحد. والدول المشاركة ليست مضطرة لقبول إملاءآت في شأن أي قضية او ملف.
وكأي تجمع إقليمي آخر، فانه يمكن أن يشكل إطارا للمصالح المشتركة، وكذلك لإختلاف وجهات النظر. وبمقدار ما يتعلق الأمر بالعلاقات مع إسرائيل، فان دولا عديدة في أفريقيا تقيم علاقات بإسرائيل من دون ان تشكل هذه العلاقات إلزاما لأي دولة عضو في الإتحاد الأفريقي الذي يدافع العقيد القذافي عنه بوصفه الخيار الأنسب.
ويقول بعض مسؤولي الدول العربية المشاركة في الإتحاد المتوسطي والأفريقي ان هذين التجمعين الإقليميين يمكن ان ينطويا على منافع مختلفة، وذلك بحسب المنهج السياسي الذي يتم إعتماده في العلاقة مع كل منهما.
وكان العقيد القذافي أعرب عن خشيته في تونس من أن يتسبب الإتحاد المتوسطي في انقسام الاتحاد الإفريقي.
وقال القذافي مخاطبا مفكرين وفنانين "لدينا علاقات طيبة مع جميع دول الاتحاد الأوروبي، لكن لا نقبل أن ندخل في الاتحاد من أجل المتوسط... أفريقيا ملاذنا، أفريقيا بيتنا، ولن نخرج من بيتنا ونخرق قرارات الاتحاد الأفريقي"، وتابع قائلا "لا أريد أن ننعزل عن أفريقيا ونعلق آمالا غير مؤكدة على أوروبا".
وأكد القذافي أن هذا المشروع "محاولة استعمارية جديدة لإعادة إحياء خريطة الإمبراطورية الرومانية واستعادة الدول الاستعمارية لمستعمراتها القديمة باستخدام نفس الأساليب التي استخدمها نابليون بونابرت في استعماره لمصر، والإيطاليون في استعمارهم لليبيا".
واعتبر أن انضمام الدول العربية إلى هذا الاتحاد "موقف أملاه الضعف العربي"، واقترح على المندمجين في المشروع أن "يشترطوا على الجانب الأوروبي أن يتم التعويض عن مرحلة الاستعمار الأوروبي لتثبت أوروبا حسن نواياها وحتى لا يتكرر الاستعمار".
وتوقع القذافي في وقت سابق "الفشل الذريع لمشروع حقل الألغام"، وحذر من احتمال أن يزيد مشروع الاتحاد المتوسطي الهجرة غير الشرعية، ويعطي مبررا للمتطرفين الإسلاميين لتصعيد "الجهاد" ضد ما يعتبرونه استعمارا صليبيا جديدا لبلاد الإسلام واتهام من يشارك فيه بالخيانة.
واعتبر القذافي أن هذا المشروع "يشوه من يشارك فيه من الأطراف العربية ويعرض الدول الأفريقية لمساءلة قانونية من الاتحاد الأفريقي الذي تنص بنوده على عدم التقسيم أو الدمج في أي فضاء آخر".
كما اعتبر أن المشروع "غير واضح، (ويمثل) لي ذراع، (من اجل القول) إما أن نقبل إسرائيل شريكا أو لا نجلس معكم"، مشيرا إلى أن أوروبا "هي المحتاجة إلينا، نحن لدينا النفط والهجرة غير الشرعية والإرهاب كما تقول، إذن يجب أن تجلس معنا بدون شروط".
وتساءل القذافي "كيف نتحد ولا تربطنا ثقافة ولا دين ولا لغة ولا سياسة... نحن مختلفون في هذه الأشياء أشد الاختلاف".
ودعا إلى شطب كلمة "اتحاد "من المشروع، متسائلا "هل يعقل أننا نحن العرب الذين لم نتحد مع بعضنا سنتحد مع أسكتلندا وإسكندنافيا والبلطيق والإسرائيليين؟".
وقال "إن ثقافاتنا مختلفة تماما، ففي إسكندنافيا يمشي الناس عراة. فهل تستطيع أن تمشي في تونس أو الجزائر أو مصر أو ليبيا وأنت عار".
لكن القذافي أكد أن المشروع لن يؤثر على العلاقات الثنائية بين بلاده والدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا وإسبانيا وألمانيا، مؤكدا أن "علاقة الصداقة" بينه وبين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي "متميزة وجيدة ومستمرة".
ويقول مراقبون ان القذافي يقدم بهذا التقدير موقفا ناضجا ومسؤولا. ذلك ان علاقات الصداقة والتعاون الثنائية يجب ألا تتأثر بأشكال التعاون الإقليمي التي تختارها الدول فيما بينها.
وكان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزى طرح فكرة اقامة "الاتحاد من اجل المتوسط" خلال حملته في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في مايو/أيار العام الماضي ووافقت رسميا القمة الاوروبية في مارس/آذار هذا العام على الخطة المبدئية لاقامة الاتحاد، وبفضل مساعي فرنسا التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الاوروبي، وتدوم ستة أشهر، تمت اقامة الاتحاد من اجل المتوسط بالفعل وشارك زعماء أكثر من 40 دولة في أعمال قمته التي عقدت في أواسط يوليو/تموز الماضي.
ويهدف الاتحاد الى اقامة بعض المشاريع الاقليمية لتعزيز الروابط بين دوله، وخاصة بين الاتحاد الاوروبي والبلدان العربية المطلة على البحر الابيض المتوسط.
ويرى مراقبون ان اقتصادات الدول العربية المطلة على البحر الابيض المتوسط يمكن ان تتكامل مع اقتصادات دول الاتحاد الاوروبي بما يعود بالنفع على الطرفين، حيث تحتاج الشركات الاوروبية الى العمالة الرخيصة نسبيا في دول شمال افريقيا، بينما يمكن ان تصبح هذه الدول سوقا كامنة لصادرات الاتحاد الاوروبي نظرا لنموها الاقتصادي السريع.
وفي حين يمكن للإتحاد ان يشجع الدول الأوروبية على جلب إستثمارات مهمة الى دول شمال أفريقيا، تساعد في التغلب على مشكلات البطالة، وتفتح الأسواق الأوروبية لمنتجاتها وخدماتها، فمن الطبيعي ان تتطلع الدول الأوروبية ان تجني فوائد تجارية مهمة.
وتشكل الإستثمارات المتعلقة بالتكنولوجيا مفتاحا مهما يتيح للدول العربية ان تقترب أكثر فأكثر من بيئة التحولات المتسارعة في هذا المضمار.
وعلى الرغم من التقارب الجغرافي، فالحقيقة هي ان علاقات التعاون الإقتصادية بين ضفتي المتوسط ما تزال محدودة. وحسب إحصائيات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، فإن استثمارات الاتحاد الأوروبي في منطقة البحر المتوسط تمثل نسبة 2 في المائة من اجمالي استثماراته الخارجية فقط. بينما تمثل النسبة الأميركية واليابانية 20 في المائة و25 في المائة من إجمالي استثماراتهما الخارجية على التوالي. وتصل نسبة الناتج المحلي الإجمالي للفرد بين ضفتي جنوب وشمال البحر المتوسط 1الى 10.
ويقول خبراء اقتصاديون ان هذا التفاوت الاقتصادي يشكل بحد ذاته إغراء جديرا بالإهتمام للطرفين معا، وقد يجعل آفاق التعاون أكثر إشراقا.
ويعتقد ان من بين مشاريع التعاون الأولية التفصيلية للاتحاد والتي تعد الاكثر تأثيرا على اقتصاد الدول الاعضاء، هي "الطريق السريع عبر البحر المتوسط" و"الطاقة المتجددة" و"دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة" وغيرها. ولهذه المشاريع قنوات التمويل الخاصة بها وبعض هيئات التنمية التي يشكلها بنك الاستثمار الأوروبي والبنك الدولي والمصرف الأفريقي للتنمية.
وبالتزامن مع التنمية الاقتصادية، شهدت طلبات نقل الركاب والشحن عبر البحر المتوسط نموا سريعا. لذا، فإن "الطريق السريع عبر البحر المتوسط" الذي يشمل الطريق العام والموانئ والنقل البحري والخدمات، سيشكل عنصرا إضافيا مهما لتعزيز فرص التنمية المستدامة.
وحيثما تزداد حاجة دول البحر الابيض المتوسط بشكل حاد الى الطاقة، فهناك هناك حاجة الى الاسراع في اكتشاف مصادر الطاقة المتجددة لمواجهة تحديات المستقبل. وتعد الطاقة الشمسية هدفا رئيسيا لإهتمامات الشركات ومراكز الأبحاث والتطوير.
ويسعى "مشروع الطاقة الشمسية في البحر الابيض المتوسط" الى زيادة قدرة الدول المطلة على البحر المتوسط على توليد الكهرباء من طاقة الشمس، وضمان تحقيق فوائد المشروع من خلال الاستثمار الخاص وتصدير كهرباء الطاقة الشمسية الى دول الاتحاد الاوروبي، بالاضافة الى تعزيز توطين انتاج الطاقة ودفع اجراءات توفير الطاقة لتلبية الطلب المدني على الكهرباء في جنوب البحر المتوسط.
ولدفع تنمية الشركات المتوسطة والصغيرة في منطقة البحر الابيض المتوسط، تم تشكيل "هيئة تطوير شركات البحر الابيض المتوسط" التي تقوم بتقييم الطلب وتحديد الاجراءات اللازمة والاساليب المناسبة، لتقدم الى الهيئات المعنية بدول اتحاد البحر المتوسط دعما تكنولوجيا وتمويليا، وبالاضافة الى ذلك، تساعد الهيئة دول الاتحاد على تطوير قطاعات القيمة المضافة العالية.
ومع ذلك، فان علاقات التعاون لن تخلو من عقد وصعوبات ومشاكل وإختلافات في وجهات النظر. وكان الرئيس ساركوزي إعترف بان الاتحاد لا يمكن ان يحقق الاستقرار والتنمية في المنطقة في وقت قصير.
وبحسب التجارب السابقة، مثل مؤتمر برشلونة لعام 1995، فان الفشل محتمل أيضا. ولكن العامل الحاسم في النجاح والفشل يتعلق بأمرين رئيسيين: الأول هو الإغراء المشترك لتعزيز علاقات التعاون الإقتصادي المعطلة حتى الآن من الناحية العملية. والثاني، هو تمسك الدول المعنية بحماية مصالحها.
وفي حين تبدو شكوك وتحفظات الزعيم الليبي بمثابة تحذيرات تستحق الأخذ بعين الإعتبار، فانها يجب ألا تحول دون خوض التجربة.
ومن حيث المبدأ، فان ليبيا ليست في حاجة الى المشاركة بالاتحاد فعلا. فعائدات النفط تغنيها عن السعي وراء الإستثمارات التنموية الأوروبية، وهي تستطيع ان تخوض برامجها التنموية من دون الحاجة الى أحد، كما ان دورها القيادي في الإتحاد الأفريقي يجعلها مفتاحا لعلاقات مفيدة للدول العربية التي قد تشترك بعضوية التجمعين.
(مركز معلومات ميدل إيست اونلاين)