الإبداع والحرية.. علاقة متداخلة

بقلم: السيد نجم

"الإبداع والحرية" كتاب جديد يتضمن مجموعة من الدراسات الجادة، بقلم الناقد د. رمضان البساويسي الذي يسعى من خلال تلك الدراسات الى تعميق وتطوير "النقد الثقافي"، ذلك المصطلح الذي نحته الناقد في كتابه السابق "الخطاب الثقافي للإبداع".
وصدر الكتاب عن سلسلة "كتابات نقدية" التي تصدرها "هيئة قصور الثقافة"، وهو الكتاب السابع للكاتب بعد أن صدر له"علم الجمال لدى جورج لوكاتش" و"جماليات الفنون" و"المرئي واللامرئي" و"الخطاب الثقافي للإبداع" و "الصمت والألم".

يقع الكتاب في 400 صفحة من الحجم المتوسط تتضمن محاور متعددة منها:"دلالات الصمت في الفكر الديني والفلسفي" و"الخطاب الثقافي للإبداع عند نجيب محفوظ" و"الفلسفة والجنس" و"جماليات الشعر بين الحداثة وما بعد الحداثة"و"علم الجمال في الدراسات العربية"، و"أثر التكنولوجيا على الفن"، و"الإبداع والحرية"...الخ.
يرصد الكاتب لمصطلح " النقد الثقافي" بقوله بأنه مصطلح يقوم بتأويل النصوص الأدبية من منطلقات أوسع من النقد الأدبي بالمفهوم الضيق. فالنقد الثقافي يستفيد من العلوم الإنسانية والاجتماعية في فهم ظاهرة الأدب، فهو يستفيد من الفلسفة وعلم الجمال وعلم النفس وعلم الاجتماع، والمنظور الثقافي.
بذلك يخرج النقد من دائرة محددة الى دائرة او دوائر أكثر ثراء للبحث في أغوار النص. وفى المقابل يتخلص من ثقل وقيد ما يطلق عليه بالمنهج أو المنظور الذي هو في الحقيقة قيدا على النص حسب تعبير الكاتب.
يرى الكاتب أنه بتلك المداخلة الفاعلة مع النقد، يتحول النقد الى عملية تجريبية تماثل التجربة الإبداعية، وهو ما يستلزم معه معايشة النص وتأمله في روية، وبذلك يكون النص بداية لإيقاظ عناصر المغامرة عند الناقد.
ولعله من الصعوبة العملية التناول التحليلي لمحاور الكتاب مجتمعة، ولذا اخترنا المحور الذي سمى باسمه الكتاب"الإبداع والحرية".
فالحرية ليست ظاهرة أو واقعة أو حالة، بل هي فعل، وهي بهذا تشترك مع الإبداع في كونه فعلا ينتقل من الإمكانية الى الوجود.
وإذا كان الإبداع فعلا للتحرر يعبر عن نفسه من خلال الصراع التركيبي المبدع وذاته وأدواته، فهو جوهر الحرية.
والحرية شرط أولى للإبداع، كما أن الإبداع شرط لكي تصبح أفعالنا ذات طابع حر.
كما يتناول الفكر المعاصر قضية "الحرية" من خلال التاريخ، فالتاريخ يجسد أفعال الإنسانية في سعيها نحو التحقق، وان بدت الحرية السياسة أكثر أشكال الحرية شيوعا، وهو ما يبرر الصراع من اجل الحرية في الغرب في مواجهة الكنيسة والسلطة خلال القرون الأربعة السابقة.
ارتبط معنى الحرية بالسعي الى امتلاك القوة، والقوة الجديدة هي "العلم" للسيطرة على الطبيعة. وبهذا المعنى تكون الحرية اجتماعية وليست فردية، وهو ما يبرر ارتباط الحرية بالضرورة، أي التحرك في حدود الممكن، أي في حدود القدرة الذاتية على العمل وفقا لمقتضيات العقل.
الحرية إذن معرفة وسيطرة، وعلى الإنسان القيام بعملية إبداعية مستمرة هي عملية التحرر، ولن يبلغ الإنسان مرحلة الوعي والحرية إلا إذا عمل على إضفاء الطابع الإنساني على الطبيعة وذلك بالسيطرة عليها.
الحرية متداخلة مع الإبداع وتناول الإبداع منفردا لا ينفصل عن الحرية وان بدا اصطلاحيا أقرب الى علم الجمال الذي يناقش الخبرة الجمالية. أي تحليل موقف الإنسان من العمل الفني.
وهناك يقينا جملة من القوالب أو المنظومات تعطى لعالم الفن بنيته مستخدمة الأسطورة واللغة والعلم والفن كأدوات لبناء معرفي عام . والخروج عليها يعنى تمردا نظرا لتراكمها الزمني والبعد التضامني الاجتماعي الهام لثبات الواقع.

لذا حدد البعض درجة شدة القمع أو البعد عن الحرية الإبداعية بدرجة القرب أو البعد عما هو سائد في المجتمع. وعلى الفنان أو الكاتب المبدع أن ينتبه الى هذا البعد الهام لانتاج العمل المتفاعل والمنتج مع القارئ العادي قبل المتخصص وهو الغالبية من المستقبلين للفنون المختلفة ..سواء منها المقروء أو المسموع أو غيره، فالنزعات الرمزية لابعاد المبدع عن جوهر حرية الإبداع مهما كانت هي أطر بطيئة التحول نظرا لرسوخها.

ومع ذلك فالسؤال الواجب مراعاة الإجابة عليه عند العامة والخاصة، هل يمكن مواجهة تغييب الهوية ؟
المعرفة هي سلاح المواجهة الأول إلا أن الكاتب يشير الى أن المعرفة المقصودة ليست تلك التي تبحث في "الماهية" أو جوهر الأشياء وانما المقصود هو التساؤل حول القوى التي تمتلك المعرفة قال نيتشة أن إرادة المعرفة هي إرادة القوة، وأن المعرفة قوة وتسلط.
الخلاصة أن المعرفة هي البحث عن القوة التي أولت وفسرت، هي التي تكشف لنا كيف أصبحت "اللغة" مثلا قوة مسيطرة على المبدع. والتأويل شكل لارادة القوة. وحتى لا يترك المبدع القوى العامة في الواقع هي التي تقوم بالتأويل ..يقوم عنها من خلال عمله الفني/الأدبي، ويضيف قوة دافعة جديدة للمتلقي، حتى يمتلك المبدع دوره الريادي في التنبيه الى ما هو سلبي والإشادة بما هو إيجابي وتعزيزه بلا مباشرة أو خطابية.
وهو ما يبرر أن علم الجمال المعاصر لم يعد يبحث في قضايا الفن بشكل مجرد ومنعزل عن المواد التي تجسد هذه الفنون، بل أخذ يدرس العلاقة بين آليات بناء العمل الأدبي وآليات المجتمع الاقتصادية في التبادل, وأنماط الرواية ونظرية البطل ودورها في استخدام اللغة.
وبذلك تخلى العلم عن التناول المجرد للقضايا في الفن والإبداع.

اتجه علم الجمال المعاصر الى دراسة الخبرة الجمالية عند المتلقي والمبدع، والتقائهما معا. فتجربة القارئ/الناقد تعد إضافة الى العمل الفني تمثل تماما إضافة الكاتب/المبدع صاحب العمل حيث يقوم كليهما بتحليل العمل واعادة تركيبه حينا بعد حين حتى نهاية التجربة.
وعموما اختلف علماء الجمال حول تحديد طبيعة الخبرة الجمالية وعلاقتها بالحياة اليومية. وانتهى الأمر على اعتبار الناقد الفني متذوقا.
تداخلت الأدوار إذن.. والحرية، وان كانت هدفا، فهي الوسيلة التي يتمكن بها الجميع من أداء دوره.المبدع، المتلقي، الناقد.