الإبداع .. بين الرهان والمقاومة

بقلم: محمد عطية محمود
ما ينبثق من داخل الإنسان المتشظي

تبدو الكتابة الأدبية، في الوقت الراهن، رهانا على الحاضر والمستقبل معا، ربما بإمكانات الماضي التي مازالت تشغل قاعدة عريضة من الكتاب والمتلقين، وربما بتلك الإحداثيات التي تفرضها الحالة الراهنة ، مع الحاجة الماسة لنكأ الجراح على نحو لم يكن متبعا في الماضي البعيد نسبيا؛ فسياسات الفضح التي ربما تمارسها سلطة الكتابة والأدب في تلك الفترة، قد تختلف جذريا مع تلك الآليات التي كانت متبعة فيما سبق، فالماضي القريب على المستوى الواقعي، بلا شك، فرض ودعَّم، ومهَّد كثيرا لتلك التداعيات التي تعالج صورها، الكتابات الأدبية الحالية، والموغلة في عتمة الواقع، والتي باتت راصدة أكثر منها محللة، مفندة، لمنمنمات الواقع التي باتت تشير إلى تلك العلامات المتشعبة التي صارت تسم الراهن، وتتوه فيه، كما يتوه فيها العقل الباحث عن خلاص، بما أن الكتابة نوع من أنواع الخلاص.
ومما لا يدع مجالا للشك أن التحولات التي طالت جوهر كل الأشياء ومقدراتها، قد صارت حقلا خصبا لأشكال الإبداع المكتوب التي تمايزت وأفرزت العديد من الاتجاهات في الكتابة لم تكن لتظهر من خلال النسق القيمي والمجتمعي / العالمي، والذي كانت تمثله تيارات الكتابة الكلاسيكية في خلال سنوات القرن المنصرم، ذلك أن الأحداث ربما كانت تسير بدينامكية ثابتة، ربما وصلت إلى حد الاستاتيكية، في ثبات خطوات تنقلاتها وتطلعاتها إلى الأمام سواء بالسلب أو بالإيجاب. مع الحضور اللافت للنظر لمعدلات القراءة التي كانت تنحو منحى عاليا، وترتقي منحنياتها صعودا، نحو غاية من غايات الثقافة، كانت كفيلة بالترويج لإطار الوضع الثابت نسبيا، بعيدا عن تقنيات اليوم وغدا والتي تعمق الفجوة بين الأدب وقارئه / مستهلكه، لتصير العلاقة بين الكاتب والأدب علاقة إنتاج فقط، أكثر وأعلى من العلاقة الاستهلاكية لمعدلات التلقي التي كانت تربط بين الأدب ومتلقيه!
لذلك كانت الأشكال الأدبية الجديدة طرحا، مواكبا لما يروج له بعالم
/ فكرة الفوضى الخلاقة التي نعيشها أو يوهمنا البعض بأننا يجب أن نعيش فيها، لتنشأ ربما حركات جديدة من المد العالمي الذي يطيح بكل ما هو ثابت وخالد، وقيمي، منطلق من أرضية محلية ثابتة تشع بكل ما هو أصيل ولصيق بمعنى الانتماء.
إذن اختلاف القيم والمعايير أفرز هذه الكتابة / الأدب الطامح، في ظاهره إلى المسايرة، لكنه لا ينبثق دوما من الخارج، بقدر ما ينبثق من داخل الإنسان المتشظي، والضارب في أغوار الحيرة والتشتت. فصار الأدب يستقي محاوره، وإمداداته من الداخل المتأثر بعوامل الخارج المحبطة، والمدنية من قيمة الإنسان في ظل معلوماتية جامدة لا تعترف إلا بلغة الأرقام، وعولمة ظالمة تحاول إخضاع الكل لتلك الحزمة الهائلة الوهمية، الهشة!
لذا اختلفت وظيفة الأدب اليوم عن الأمس، والأمس القريب، والأمس البعيد، كما اختلفت نسب تحققه وحضوره، وصارت مطلبا ملحا، أكثر منه مرفقا من مرافق الحياة العقلية والثقافية والاجتماعية التي تحتاج دوما إلى سبر الغور، رغم انغلاق الأدب على متلقيه، وعلى ما كان يسمى بظاهرة الثقافة الشعبية أو الثقافة للجميع، والتي كانت نتاجا لتيارات الرومانسية والواقعية الاجتماعية التي تمتح من مجتمعات لا يشوبها ـ رغم ما مر بالعالم والشعوب من مآسٍ ـ ما يشوب العالم بأسره في أيامنا هذه.
وجاء الرهان، على ذات الإنسان المقموعة، المكبلة بأغلال الحاضر، وكوابيس المستقبل، والتي باتت تطارد كل الأفكار، وتزيح ـ ربما ـ إلى حد بعيد الكثير من الأفكار الخلاقة، والرؤى المبدعة، بضبابية تعيق الإبداع وتشل مقدراته، وتتجه به إلى هذا النوع من الرصد البشع لآليات الحياة الجديدة.
فهل صار الأدب فاكهة محرمة، لا تقع إلا في أيدي من غوى؟
يقينا يقع الأدب اليوم بين أطراف متنازعة، بين ماهيته، وفاعليته، وبين كونه مطلبا من عدمه، وبين قاعدة عريضة ربما لا تلتفت كثيرا إلى ما تطرحه الأقلام الجديدة من رؤى يعتريها، ربما الغموض، مع التشظي والتفتت، وربما الارتجال الذي تفرضه الأحداث المتلاحقة، والمتناحرة، في كل لحظة من لحظات العالم الذي صارت تتحكم فيها نزعات سلطان العولمة، وتطيح صراعات تقنياته الحديثة بألباب السواد الأعظم من معدومي الحيلة بالعالم أسره، والتي أصبحت مستهلكة بجدارة لتلك التقنيات بديلا عن الأدب والثقافة المكتوبة بصفة عامة.
فكيف لا يتأثر الأدب بكل تلك العوامل التي ربما كان من بينها ما يساعد وينمى بعض الوسائل التي تمكن الأدب من تحقيق انتشاره كـ (الشبكة العنكبوتية)، والتي ربما أخذت من الأدب والثقافة ـ في يقيني ـ أكثر مما أعطت، رغم نسبية التحقق، والحضور التي نالها الأدب من خلالها. لكن أيضا يبقى سؤال الجدوى حائرا، معلقا على مشنقة الوقت القاتل، الزاحف، والمتصارع مع السرعة الهائلة التي يدور بها كل شيء! محمد عطية محمود ـ كاتب مصري Mohamadattia_2003@yahoo.com