الأيدي الناعمة لدولة مرسي

بقلم: بليغ حمدي إسماعيل

ظهر الدكتور محمد مرسي أول رئيس منتخب شرعي وهو يتحدث في خطابه للأمة المصرية في ظل احتفالات البلاد والعباد بذكرى انتصار حرب أكتوبر باستاد القاهرة بحضور الجمهور لأول مرة لكن من غير لاعبين أو كرة مشيراً إلى أن الأمن قد بدأ يتعافى تدريجياً، وأن استقرار حالة المريض الأمني بدت مبشرة بعض الشيء بفضل العقاقير والمحاليل وكافة الأجهزة الإكلينيكية التي تحافظ على حياته. وعودة الأمن والأمان كان محوراً رئيساً ضمن محاور الرئيس في خطة الأيام المائة لولايته والتي بات من المستحيل حالياً وضع توقيت زمني لبدئها الفعلي، فهناك من يرى أن بداية الخطة هي يوم توليه سدة حكم البلاد، وهناك من يرى أن شرارة البدء كانت لحظة إقصاء حكم العسكر من إدارة شئون البلاد أيضاً.

وفريق ثالث ارتأى أن بداية الخطة يوم تعيين وتكليف السادة المحافظين الإخوانيين سلطة إدارة محافظات مصر، وربما سأتهكم قليلاً لو قلت بإن الخطة ستبدأ يوم عودة نشاط الكرة في مصر وهكذا سنرجئ بداية تنفيذ الخطة يوماً بعد يوم.

كثيراً ما يتساءل المواطن المصري البسيط الذي لم يعد يشبه الفلاح الفصيح في شكواه: هل كان مبارك ونظامه الأمني وحدهم هم الذين يمتلكون الشفرة الكودية لحفظ الأمن رغم وجود بعض التجاوزات الأمنية في عهده أيضاً؟ هذا السؤال يطرح نفسه ليل نهار حينما تحاصر حوادث السرقة والقتل وأخبار الانفلات الأمني هذا المواطن من خلال شريط الأخبار التليفزيوني وهو يتابع برامج ترفيهية تلهيه وتدغدغ عواطفه لأنه باختصار امتلأ سياسياً بالقدر الكافي ولأنه أصبح على يقين بأن السياسة هي فن الممكن الذي لن يتحقق وعلم المستحيل الذي يشبه مستقبله الذي ينشده.

وربما يعتقد المسئولون أن وجود رجال الشرطة المصرية في الشوارع متمثلة في لجان المرور هو المؤشر الحقيقي لعودة الأمان لقلوب المواطنين، وهذا المؤشر بالقطع كاذب وغير دال على الحالة الأمنية للشارع المصري لأن لجان المرور المنتشرة بطول وعرض البلاد لا تعنيها سوى التحقق من وجود رخصة القيادة ورخصة ملكية السيارة وممارسة بعض صنوف التعنت الشرطي للسائق بكتابة مخالفة لأنه قام بتعليق عروسة بلاستيكية بمرآة السيارة أو معاقبة من وضع شبشب صغير كتعويذة رغم أنني حتى الآن لم أفطن لحقيقة معاقبة السائق لمثل هذه الأشياء اللهم إن لم تكن تلك الأشياء تمثل عقدة لدى رجال المرور أنفسهم.

المهم أن الأمن الذي تحدث عنه السيد الرئيس وهو يعتلي منصته الشعبية بالاستاد لم يتعافَ بصورة جادة ويكفيك لأن تترجل أمام أية مدرسة ثانوية بمدينة القاهرة أو حتى ببعض المحافظات أثناء خروج الطلاب والطالبات لترى صورة مصغرة للحالة الأمنية في مصر، ولأن الطلاب قد خرجوا من مدارسهم فالمسئولية تعدت وزارة التربية والتعليم الغائبة عن قصد في تربية وتعليم وتطوير وتنمية أبنائنا لأن الوزارة مهمومة ومشغولة حالياً بمعارك جانبية مثل إعادة هيكلتها لتصبح ضمن منظومة أخونة الدولة، أو لأنها تفكر في أكاذيب جديدة تفيد بعدم وجود إضرابات أو اعتصامات من قبل المعلمين.

لكن تقع المهمة كاملة على وزارة الداخلية وعليها أن تكلف نفسها بعض الوقت والجهد لترى كم وكيف المهاترات التي تحدث بالشارع تحت مرأى ومسمع المارة دون تدخل أو توجيه أو إصلاح، بل إن فكرة القبض على مثيري الشغب والتجاوز الأمني فكرة قديمة تافهة لم تعد تحدث في الدول المتقدمة أو التي تدعي أنها متقدمة أمنياً لأنها تمنع الكارثة قبل وقوعها، أما نحن فننتظر وجود قتيل أو شهيد أو مصاب حتى تهرع أجهزة الأمن نحو مكان الحادث ويهرع المسئولون صوب الجنازة الشعبية للضحايا ويظهر علينا الرئيس بأن الأمن بدأ يتعافى والحمد لله.

لكن ظاهرة الخروج المستدام على النظام والاستقرار واستخدام الأسلحة التي تباع حالياً على المقاهي بصورة عشوائية في تصفية الخلافات بين القرى والقبائل والعائلات لهو ناقوس خطر لمستقبل محفوف بالمخاطر. ومحاولة إعادة الأمور إلى صورتها الطبيعية عن طريق الاستعانة مجدداً بالقوات المسلحة تشكل خطراً على طاقة البلاد أمنياً لاسيما وأننا نستهلك طاقاتنا العسكرية بصورة مرهقة لابد وأن تلقي بظلالها على المدى البعيد.

وجهاز الشرطة في مصر والذي تغيرت مهمته الحالية عن عهده السابق في ظل نظام مبارك الهانئ بحبسه الطبي دون قلق أو توتر أو انفلات أمني، لابد وأن يعي جيداً بأن أجل مهامه الوظيفية هذه الأوقات هو حفظ الأمن وضمان الاستقرار، بل إن عليه مهمة حفظ النظام بصورة تحفظ للمواطن كرامته.

ولا أستطيع إلقاء اللوم كله على رجال الشرطة في تباطئهم العجيب لحفظ الأمن وإشاعة الأمان، لأن اللوم كله ينعقد بالمواطن نفسه الذي أصبح شفرة لها أكواد سرية، فهل حالة الكبت التي كان يعاني منها في ظل النظام السابق هي التي دفعته لممارسة شتى صنوف الخروج على القانون؟ وهل كان المواطن المصري بالفعل قنبلة موقوتة نحو الفوضى والعبث كانت بحاجة ماسة للانفجار؟

وبالأمس غير القريب رأينا بعض جماهير الكرة وهي تتجاوز حدود القواعد والقوانين وأخلاق الرياضة التي تربينا عليها، وتخرقها عمداً لمجرد خرق القانون فقط أو ، وبعض طلاب المدارس بدأوا في الثورة على مديريهم ومعلميهم وهؤلاء ثائرون على وزارتهم أيضاً.

لكن ما نطمح فيه على عجلٍ هو الحث على عودة الثقافة الأمنية لرجل الشرطة، الذي لابد وأن يعود بقوة وحماسة لممارسة عمله، وأن يبدأ بحفظ الأمن والنظام قبل وقع حوادث دموية، كالطبيب الذي يضمن صحة مرضاه بإعطائهم مضادات ومقويات تقيه من أمراض البرد والشتاء قبل الإصابة، لأن هذا الانفلات الأمني سيؤدي بنا حتما إلى حروب أهلية بين عائلات وقبائل وطوائف.

بليغ حمدي إسماعيل