الأيديولوجيا عندما تسبح في خيال الكتاب الأميركيين

كتب ـ محمد العناز
دراسات ثقافية

بعد ترجمته الأولى الصادرة سنة 1995 لكتاب ستيفن أولمان "الصورة في الرواية" عن مدرسة فهد العليا للترجمة بطنجة، أصدر الأكاديمي والمترجم المغربي محمد مشبال مؤخرا ترجمة لكتاب "صورة الآخر في الخيال الأدبي" للأديبة الباحثة الأمريكية الزنجية توني موريسون. وهكذا ينتقل محمد مشبال في ترجماته من مجال الأسلوبية إلى مجال ما يسمى اليوم بالدراسات الثقافية.
الكتاب صدر في حلة أنيقة من القطع المتوسط عن منشورات مشروع "البحث النقدي ونظرية الترجمة" الذي يشرف عليه الدكتور حميد لحمداني بكلية آداب ظهر المهراز بفاس، وضمن الإصدار التاسع.
يتناول كتاب "صورة الآخر في الخيال الأدبي" تأثير الأيديولوجية العرقية في خيال أشهر الكتّاب الأميركيين البيض: إدغار ألان بُّو، إرنست همنجواي، هنري جيمس، مارك توس، ويلا كاثر، هيرمان ميلفيل وغيرهم من كتاب الرواية والقصة المعترف بهم في التراث الأدبي الأميركي.
وتشكل الكتاب من مقدمة الدكتور محمد أنقار، ومقدمة المترجم، ومقدمة الكاتبة، وثلاث فصول: قضايا سوداء، والظل وسمات الرومانس، والممرضات المزعجات وطيبوبة سمك القرش. وتعاملت الباحثة مع النصوص الأدبية بوصفها تجربة ترتبط بسياق تاريخي وبمؤلف ذي رؤية وأيديولوجية. فمن البدهي إذن أن تهتم ناقدة زنجية بتأمل صورتها أو صورة الأفارقة الأميركيين في الأدب الذي صاغه الكتَّاب البيض، بدل أن تنصرف إلى دراسة أدبية خالصة تعيد فيها إنتاج أسئلة النقد والنظرية الأدبية، أو أن تقتصر على دراسة شكلية ذات نزعة علمية موضوعية.
لقد أظهرت مقاربة توني موريسون أن القارئ غير الأوروبي وغير الأميركي، للرواية الأوروبية والرواية الأميركية، بما يمتلكه من سياق مغاير مطبوع بالاضطهاد والتمييز والإقصاء، يستطيع أن يرى في التراث الروائي ما تجاهله القارئ الأوروبي أو الأميركي. ولعل هذا ما اضطلعت به الكاتبة في مقاربتها للرواية الأميركية.
لقد فتح هذا السياق أمام عيني موريسون كنوزا في الرواية الأميركية لم يكتشفها النقاد من قبل. إن مزية مقاربتها هي أنها لم تقتصر على وضع الأعمال الأدبية في سياق التجربة التاريخية لعلاقة البيض بالسود في المجتمع الأميركي، ولم تتوغل في مقاربة جمالية تقنية تنسيها وظيفتها باعتبارها زنجية وأنثى.
هذا التوازن بين مطالب المقاربة الأدبية ومطالب الذات الجنسية والتاريخية هو ما يميز طبيعة النقد الذي مارسته موريسون على أعمال قصصية وروائية معتمَدة في تاريخ الأدب الأميركي.
وعلى الرغم من إيمان الباحثة بأن الأيديولوجية العرقية تؤثر سلبا في البناء الروائي، وهو ما كشفت عنه بدقة في تحليلها لرواية ويلا كاثر "سافيرا والآمة"، إلا أن اهتمامها الأساس في هذا الكتاب لم ينحصر في هذا الإشكال الجمالي، كما أنه لم ينحصر في الكشف عن دونية السّود في الرواية الأميركية وحضورهم النادر والثانوي، بل اتسع ليشمل الاهتمام برؤية ما تحدثه الأيديولوجية العرقية في ذهن الأسياد وخيالهم وسلوكهم، وذلك بواسطة تأملها في صيغ هذا الحضور ودلالاته التخييلية والإيديولوجية.
هذا التأمل الذي أرادت به موريسون أن ترد على لامبالاة النقاد وتغافلهم عن حضور السود في الأعمال الروائية التقليدية المعترف بها. إنه الحضور الذي شكل أساسا لتحديد خصائص الأدب الأميركي والشخصية الأميركية.
لقد تجاوزت موريسون في قراءتها استراتيجية فحص الحضور الثانوي للسود والسواد في الرواية الأميركية، أو وصف صوره السلبية بمفهومها الجمالي أو الإيديولوجي معا، إلى الكشف عن وظيفته في بناء العمل الروائي وأيديولوجيته، أو الكشف عن الاستراتيجيات اللغوية والأدبية التي يعدها الكتاب عندما يتخيلون الآخر الأفريقاني. فقد شكَّل هذا الحضور في عديد من النصوص الروائية والقصصية التي وقفت عليها الباحثة وظيفة تخييلية حاسمة، بل ووظيفة أيديولوجية تمثلت في أن تحديد الرجل الأميركي الأبيض لهويته كان يتوقف على هذا الحضور الأسود. فهذا الرجل لا يصبح ذاتا حرة ومحبوبة وقوية وتاريخية وبريئة، إلا بافتراض وجود هذا الحضور الأسود.
يمكننا فهم مقاربة توني موريسون للرواية الأميركية بالإشارة إلى مرتكزاتها النقدية الآتية:
(أ) النقد عند توني موريسون ذو وظيفة ثقافية أو أيديولوجية بقدر ما هو ذو وظيفة جمالية. إن تأويلها لم يكن مسخرا لغاية نقدية أو جمالية، بقدر ما كان مسخرا لإبراز الفكرة التي تدافع عنها الباحثة في كتابها وهي أهمية حضور السود في الخيال الأدبي.
(ب) النص الروائي عند توني موريسون ليس شكلا منغلقا أو بناء جماليا يمكن توصيفه في عالمه الداخلي والكشف عن معانيه الإنسانية المحتملة، وعن أساليبه وتقنياته الغنية، ولكنه خطاب عن الإنسان في فضاء جغرافي معين ومرحلة تاريخية؛ فقراءتها للرواية الأميركية بقدر ما قامت على فحص الإمكانات التعبيرية للنصوص، قامت أيضا على استثمار التجربة التاريخية للمجتمع الأميركي القائم على التمييز العرقي. لأجل ذلك انصب تحليلها للنصوص الروائية بوصفها خطابات متورطة في هذه التجربة، غير أنها لم تحصر هذا التحليل في الكشف عن صور القهر والدونية التي أسبغها خيال الكتاب على السود أو الأفارقة الأميركيين، بل اعتنت بتأويل هذه الصور واستجلاء وظائفها التخييلية والأيديولوجية. محمد العناز
كاتب وباحث وإعلامي من المغرب