الأيام المُرّة في العراق ميّزت بين الوطني والمزيّف

بقلم: سلمان علي البياتي

للوطنية مقاييس واضحة لا أحد بحاجة إلى تعدادها أو شرحها، لا سيما أولئك الذين يسوسون البلد ويتربعون على مفاصل الدولة متحكمين بدفة المسير.
فتعديل الدستور وقضية كركوك والأمن والخدمات وحقوق الإنسان وملف المعتقلين والتدخلات الخارجية في الشأن العراقي، كل ذلك أظهر لنا مقدار وطنية هذا الشخص وتلك الجهة وزيف هذا وتلك.
وبالتأكيد سيكون الشعب العراقي على بينة ودراية كاملة بالمعنيين في المرحلة القادمة، وأحسب أن قسما منهم سيتجاوز كل تلك الانتقادات وويحاشى الوقوف متعريا أمام الشعب بالهروب إلى خارج العراق حيث توجد كميات من الأموال والعقارات الراقية التي قام بشرائها تحسبا للحظة الهروب المحتومة.
وقبل أن تهربوا أيها المستعدون للهرب يمكننا أن نسامحكم، ولكن بعد أن تتوبوا وتصلحوا - وليس تتوبوا فقط - وتقدموا الأدلة والبراهين على توبتكم بأن تقدموا للشعب ما سلبتمونه منه وتبذلون جهودا مضاعفة تعوض الأيام التي نمتم بها في الصالات المكيفة، تاركين الشعب المسكين يتصبب عرقا في حر الصيف اللاهب. لا بد أن تقضوا بشكل حقيقي كامل وغير منقوص على الطائفية التي افتعلتموها بتقسيم المناصب والوزارات بين سنة وشيعة وأكراد وفق رؤية بول بريمر التي دمرت العباد والبلاد.
لا بد أن يُعامل العراقيون بمقياس واحد وهو مقياس الانتماء للوطن، لا على أساس الهوية الطائفية أو العرقية أو الجغرافية.
وبدون ذكر أسماء لأشخاص وجهات، كون الأمور كلها مكشوفة وواضحة، فإن الشعب العراقي يعرف من الذي أصر على تمرير الدستور، ومن الذي أصر على التأني في كتابته والموافقة عليه، تحسبا الى أن العراق الجديد دولة فتية ولا تمتلك من الخبرة بحيث تكتب دستورا دائما في بضعة أشهر وفق تناحر طائفي في أوجه ومطامع وأجندات تصول وتجول في البلاد وتأثيرات ومصالح خارجية.
كما إننا نعرف من الذي خطّ بيده المادة 24 الخاصة بكركوك ومن الذي كشر عن أنيابه عندما أوشكت مصالحه في المحافظة على أن تُضرب. أما فقدان الأمن وسفك الدماء الحرام لمئات الآلاف من العراقيين الأبرياء فلا يخفى أبدا من يقف وراءها. وليست الخدمات المتردية، ومنظر العجوز التي تحمل غالونا فارغا وتجلس تحت أشعة الشمس لساعات طويلة للحصول على بضعة لترات من النفط، بخاف علينا ولا هو خاف من يقف وراءه من لصوص سرقوا وأهدروا الثروات الوطنية تحت مختلف الذرائع.
وفيما يخص حقوق الإنسان، لا نظن أن أحدا بقي لم يعرف من الذي اهتم اهتماما حقيقيا بهذا الملف وجعله في قمة الأولويات، لا سيما جانب المعتقلين الذين شهد شاهد من أهلها أن ثلاثة أرباعهم أبرياء بينما الربع الرابع متهمون بلا أدلة.
وما التدخلات الخارجية في الشأن العراقي من قبل بعض جيرانه، الا دليل واضح على مدى عمالة بعض أركان الدولة العراقية الذين عملوا كذيول تُحرَّك وفق تخطيط الرأس، وما ذلك الا لرد الجميل لتلك الدول أو تعصبا طائفيا لا ينبغي وجوده عند الذين تصدوا لقيادة البلاد.
وتعريجا على قاموس المصطلحات المحفوظ في طيات تصريحات المسؤولين العراقيين على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، نجد الكثير مما لا يمكن القبول به من مثل تسمية الاحتلال بـ"التحرير".
إن التصويت للطائفة أو المذهب أو العرق وما إلى ذلك، لا يمكن قبوله في الانتخابات القادمة لسبب أوحد هو أننا لا يجب، بأي حال من الأحوال، أن نعيد الكرّة من جديد لتتجدد المآسي والتردي الذي شهده العراق في الميادين جميعها طيلة السنتين الماضيتين من عراق ما بعد الاحتلال.
لذا يجب أن نميز - وهي كذلك إشارة إلى زملائي الكتاب - بين الغث والسمين، بين المخلص والمنافق المتلون لأن صوتنا ثمين وانخداعنا مرة أخرى إنما يبرهن على بلادة ذهنية لا غير، فمقاييس الوطنية واضحة، واضحة. سلمان علي البياتي salmanali60@gmail.com