'الأوتوقراطية التجارية' في رمضان

بقلم: جواد البشيتي

رمضان، في معناه الاقتصادي عندنا، هو "شهر الغلاء"، أي أصبح شهراً للغلاء، الذي، أي الغلاء، يُظْهِر ويؤكِّد أنَّ كفَّة القسوة ترْجح على كفَّة الرحمة؛ أمَّا السبب الموضوعي فهو "الأُوتوقراطية التجارية"، أو، على وجه التعيين والتحديد، احتكار قلَّة قليلة من التجار الكبار لتجارة الغذاء.
لا شكَّ في أنَّ الطلب على السلع والمواد الغذائية يزداد في رمضان لأسباب عدة في مقدَّمها "الولائم الرمضانية"؛ ولكن هذا الازدياد لا يكفي وحده تفسيراً وتعليلاً لهذا "الغلاء الرمضاني" في أسعار تلك السلع والمواد. إنَّ جزءاً ضئيلاً من "الغلاء الغذائي الرمضاني" يمكن نَسْبه إلى ذاك الازدياد العام في الطلب على السلع والمواد الغذائية.
أمَّا الجزء الأعظم منه فلا يمكن فهمه وتفسيره إلاَّ على أنه الثمرة المُرَّة لاستتباب ما يشبه نظام الحكم الأُوتوقراطي (الاستبدادي التعسفي) في تجارة السلع والمواد الغذائية الأساسية، ولبقاء قوى المقاوَمة في المجتمع والدولة على ما هي عليه من قصور وتقصير، فَمِن القصور والتقصير يُوْلَد دائماً الطغيان والجور والاستبداد.
وحتى لا تظل أبصارنا وبصائرنا على ما هي عليه من خضوع لسلطان الوهم في النظر إلى الأمور، وفي فهمها وتعليلها وتفسيرها، لا بدَّ من قول وتوضيح وتأكيد أنَّ هذا الاحتكار التجاري الغذائي اللعين ليس بظاهرة أخلاقية أو سيكولوجية في المقام الأوَّل حتى نقول بمكافحتها بوسائل وأساليب من الماهية والطبيعة ذاتها، فالعظات الأخلاقية وحدها لا تكفي.
وثمَّة من يَنْظُر إلى الظاهرة ذاتها بعيون يغشاها وهم آخر، فيقول مُفسِّراً ومعلِّلاً إنَّ هذا الاحتكار اللعين هو الثمرة المُرَّة لغياب، أو اضمحلال، أو تضاؤل، "السوق الحرة"، أو "حرِّية السوق".
ويغيب عن هذا، أو عن هؤلاء، أنَّ "الاحتكار" هو العاقبة النهائية والحتمية لـ "السوق الحرَّة"، أو لـ "المنافسة الحرَّة" بين كثير من الأسماك الصغيرة، فهذه المنافسة لا تقوم لها قائمة، ولا تتأكَّد وجوداً وقانوناً وفعلاً وتأثيراً، إلاَّ إذا انتهت، في استمرار، إلى التهام السمك الكبير للسمك الصغير، أي إلى خروج مزيدٍ من "الاحتكار" من رحم "المنافسة الحرَّة".
إنَّ "الاحتكار" ليس ثمرة غياب "المنافسة الحرة"، وإنَّما ثمرة نموها وتطورها، فأنتَ لا يمكنك الأخذ بنظام السوق الحرة من غير أن تحصل على نتيجته النهائية والحتمية وهي "الاحتكار".
ولقد أفضى نظام السوق الحرة عندنا، في تجارة السلع والمواد الغذائية، إلى احتكار قلة قليلة من الأفراد، أو العائلات، لهذه التجارة في أصولها، أي وهي على هيئة ما يسمى "تجارة الجُمْلَة"، فهم الذين يُحْكِمون قبضتهم على "تجارة الجُمْلة"، استيراداً وتصديراً.
والعلاقة بين تلك العائلات التجارية الاحتكارية الكبرى (قليلة العدد) ترْجح فيها كفَّة التفاهم والتعاون على كفَّة التنافس والصراع، فيغدو الغلاء قاعدة، والرخص استثناء.
إنَّهم "الحديد" الذي لا يفله إلى الحديد، الذي هو كناية عن "مُحْتَكِر جديد مضاد"، يقتحم سوق السلع والمواد الغذائية الأساسية، مُثبِّتاً فيها قدميه.
وهذا "المُحْتَكِر الافتراضي" إذا ما أبصر النور، أو أصبح حقيقة واقعة، لا يمكن أن يكون إلاَّ "الدولة"، التي، من الوجهة النظرية، يمكنها ويحق وينبغي لها أن تَسْتَثْمِر جزءاً من "المال العام"، المتأتي من الضرائب التي تجبيها من المواطنين، في إنشاء وتطوير أسواق موازية مضادة، تبيع فيها للمستهلكين السلع والمواد الغذائية الأساسية بأسعار رخيصة، يتحقَّق فيها الربح؛ ولكن بـ "معدَّله الإنساني"، وتُكْرِه، بفضلها، المحتكِرين في القطاع الخاص على خفض الأسعار، و"أنسنة" ربحهم، حجماً ومعدَّلاً، فما أحوجنا إلى هذا النمط من "الحرب على الإرهاب" في تجارة "السلع الشعبية الأساسية".
نقول ذلك، ونقول به؛ ولكن الواقع لا يأتينا إلاَّ بما يقيم الدليل على أنَّ هذا الذي نقوله، أو نقول به، فيه من "الكهانة" ما يجعله بمنأى عن "السياسة"، وغريباً عن جنسها، فالدولة نراها في استمرار ممتنعة مُحْجِمة ممسِكة عن الأخذ بهذا الحل على أهميته الكبرى بالنسبة إلى الغالبية العظمى من المواطنين.
بأبصارنا نرى هذا "الامتناع"؛ أمَّا ببصائرنا فيجب أن نرى "المَنْع"، فهؤلاء التجار الكبار هم الذين، بما يملكون من نفوذ، يمنعون "الدولة" من أن تكون على هذا "المثال" الذي نرجو ونتمنى، وكأنَّ هذا "المخلِّص" يحتاج أكثر منَّا إلى مَنْ يخلِّصه! جواد البشيتي