الأنموذج الإسلامي التركي والاستراتيجية الأميركية

استفادت الإدارة الأميركية من تجربة الزعيم التركي الإسلامي أربكان، التي أيقظتهم علي ‏واقع جديد في عقر دار حليفهم الاستراتيجي، فأخذوا يراقبون الوضع في تركيا باهتمام شديد، ‏ولفت انتباههم النجم الصاعد في سماء السياسة التركية زعيم حزب العدالة والتنمية رجب ‏طيب أردوغان. فمن خلال لقاءاته المتكررة مع الزعيم الإسلامي لعب السفير الأميركي في ‏تركيا دوراً مهماً في تقليص قلق حكومته من تصاعد نفوذ الإسلاميين في تركيا، وكان مجمل ‏الانطباع الذي تكون لديه عن أردوغان أنه إسلامي عصري يمكن التعامل معه.
وجاء التحذير الذي وجهته الإدارة الأميركية إلى قادة المؤسسة العسكرية التركية من مغبة ‏استصدار قرار قضائي بمنع حزب العدالة والتنمية من المشاركة في الانتخابات، ليظهر ‏للأتراك أنّ الولايات المتحدة الأميركية، حليف تركيا الأول، لا تمانع، وربما ترغب لأسباب ‏تتعلق بالأجندة الأميركية الخاصة بالمنطقة وبقضية الحرب على الإرهاب، في وصول ‏الإسلاميين المعتدلين إلى السلطة.
إذ أنّ الولايات المتحدة تطمح إلى مخزون بترول بحر قزوين الهائل والذي يقع ‏أغلبه في أراضي دول آسيا الوسطى الإسلامية، والتي كانت الحرب في أفغانستان ليست بعيدة ‏تماما عن تكتيكات هذه الاستراتيجية. ومن المؤكد أنّ تركيا، ذات الطابع الإسلامي، ستشكل ‏قوة جذب في هذا المجال وتساعد على تنفيذ المخطط الاستراتيجي الأميركي، بعيداً عن ‏الأطماع الروسية التي ما زالت تحاول ممارسة التأثير على هذه المناطق. كما أنّ الحزب ‏الإسلامي التركي يشكل حلاً مثالياً لتهديدات الإسلام الأصولي من ناحية، والاتجاهات العلمانية ‏المتشددة في الأطر القومية أو الوطنية من جهة أخرى.
كما أنّ العلاقة التركية - الإسرائيلية صورة أخرى بالغة الأهمية بالنسبة للاستراتيجية ‏الأميركية، التي ترى الشرق الأوسط بصورته الموسعة التي تشمل تركيا وإيران إلى جانب ما ‏يسمى بالدول الشرق أوسطية، فتركيا هنا ستكون الدولة ذات الطابع الإسلامي التي قبلت ‏التعامل مع إسرائيل بدون عراقيل داخلية مزعجة، وسوف لا يكون هذا التعامل في حاجة إلى ‏إثارة جديدة، فهو أمر مسبوق ومن الصعب أن تثار ضده معارضات بعد أن استقر في ‏السياسة التركية لأمد طويل. وهذا الإسلام السياسي المعتدل من الممكن أن يكون أنموذجاً ‏للتطبيق في الكثير من الدول الإسلامية، وبصفة خاصة الواقعة في ما يسمى بالشرق الأوسط.
وقد يكون مفاجئاً أن نعرف أنّ صموئيل هنتنغتون، الداعية الأكبر لحرب الحضارات، ‏خصوصاً الحضارتين الغربية والإسلامية، هو في الوقت نفسه الداعية الأكبر لعودة تركيا إلى ‏تزعّم العالم الإسلامي. ففي كتابه "صدام الحضارات" يطرح نظرية "الدول الممزقة" التي ‏تستند إلى مقولة وجود دول ضائعة الهوية (مثل روسيا والمكسيك وتركيا) لا تعرف إلى أية ‏حضارة تنتمي، ولذا فهي ممزقة. ولكي تعيد هذه الدول تحديد هويتها الحضارية بنجاح، يجب ‏أن تتوافر، حسب هنتنغتون، ثلاثة معطيات: أولها، أن تكون النخبة السياسية والاقتصادية ‏داعمة ومتحمسة لمثل هذه الخطوة. وثانيها، أن يكون الشعب مستعداً على الأقل للخضوع إلى ‏إعادة تعريف الهوية. وثالثها، أنّ العناصر المهيمنة في الحضارة المستضيفة، وهي في معظم ‏الحالات الغرب، يجب أن تكون مستعدة لاحتضان هذا التحول.
بالنسبة إلى تركيا الشرطان الأولان متوافران، فالنخبة التركية متحمسة منذ ثلاثة أرباع ‏القرن لجعل بلادها دولة أوروبية غربية بالكامل. والشعب التركي يؤيد الانضمام إلى الأسرة ‏الأوروبية، إن لم يكن لأسباب إيديولوجية - حضارية فلمبررات اقتصادية.
بيد أنّ الشرط الثالث والأهم، وهو استعداد الحضارة الغربية لاحتضان تغيير الهوية ‏التركية، غير متوافر البتة. وهو متأكد من أنّ تركيا ستبقى دولة ممزقة إلى أجل غير محدد.
ولا مخرج، برأيه، سوى إدارة تركيا ظهرها للحضارة الغربية، لتعاود ثانية لعب دورها كقائدة ‏للعالم الإسلامي.‏
والسؤال هو: هل‎ ‎يؤدي قلق الإدارة الأميركية من تموجات المجتمعات العربية والإسلامية، ‏وعدم‎ ‎انسجام‎ ‎الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة مع أوضاع هذه المجتمعات ومصالح ‏وميول الغالبية الشعبية‎ ‎فيها،‎ ‎إلى بحث الإسلام السياسي والإدارة الأميركية عن معادلة شبيهة ‏بما حصل في الأنموذج التركي، بما يمكن أن يفتح أفقاً جديداً للمنطقة؟ د. عبد الله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس‏