الأنصاري: الأفكار وحدها لا تصنع التاريخ

دمشق - من حسن سلمان
المثقفون العرب لا يتحملون وحدهم مسؤولية الوضع القائم

يدعو المفكر محمد جابر الأنصاري إلى الارتقاء بالثقافة إلى المستوى العلمي والمعرفي والمهني الذي نلمسه لدى الأمم المتقدمة، كي لا "يبقى المثقف لدينا صوتاً صارخاً في البرية: يتشكّى ويتوجع فقط"، مشيرا إلى أن شعار "الالتزام" الذي تحمس له بعض المثقفين العرب في مرحلة سابقة أضر بالثقافة والأدب والشعر، و"تم ترويجه في حينه لأسباب إيدولوجية وحزبية وأدخل المثقفين في صراعات ومجادلات كان يمكن توظيف الطاقات التي هُدرت فيها في الارتقاء بالثقافة المعرفية التي أحوج ما تكون إليها مجتمعاتنا".

ويشدد الجابري على تأصيل التفكير الموضوعي النقدي لدى الناشئة العربية، تربيةً وإعلاماً وتثقيفاً، بما يؤدي إلى نشر الوعي المعرفي الذي يسعى إلى عرض المعطيات الموضوعية لكل مسألة قبل اتخاذ موقف منها، مشيرا إلى أن ذلك يؤدي بدوره إلى التحرر من سطوة الفكر الرغائبي أو التفكير بالأمنيات، فـ "الاندفاع وراء هذا النوع من التفكير كان الأساس في مصائب العرب، وهذا لا يعني التخلي عن التطلعات المشروعة لكنه يعني ترشيدها بالعقل حماية لها".

ويرى الجابري أن العالم العربي يعيش فجوة كبيرة بين التطلعات والوقائع، مشيرا إلى مختلف التيارات الإيدولوجية واليوتوبية تحاول الهروب من الواقع المعاش نحو "أفق الأحلام والآمال وثمة استعجال كلامي وعاطفي من أجل تحقيقها".

ويضيف: "نحن أمة واحدة، ولكن لابد أن ننظر في صيغة فعّالة ومناسبة تتعايش في ظلها تلك العصبيات والفئويات التي هي نتاج تاريخي واجتماعي قابل للذوبان وليس قدراً جينياً بطبيعة الحال، في ظل تنمية مستدامة لا يمكن أن تتأتّى إلا باستدامة الاستقرار لأمد طويل، وليس بشعارات فارغة تنكر الواقع والوقائع".
ويؤكد أن مسؤولية الوضع القائم في العالم العربي جماعية، رافضا تحميل المثقفين العرب وحدهم مسؤولية سوء الوضع الحالي.

ويضيف: "ثمة أوراق وتوصيات وأفكار لا يحصيها الحصر متراكمة عبر السنين في أدراج أصحاب القرار العربي، ومرفوعة إليهم من مثقفين. فماذا فعلوا بهـا؟ وكيف تفاعلوا مع فكر أصحابها؟ بطبيعة الحال أغلب تلك الأفكار مثالية، ولكن هل تم ترشيدها وتعديلها لتقترب من إمكانية التطبيق؟ وهل أعطيت الاعتبار الذي تستحق؟".

ويقول الجابري إنه لابد من وجود قوى اجتماعية فاعلة تستوعب الأفكار التي يُقدمها المثقفون العرب وتتبناها "لأن الأفكار، وحدها، لا تجرّ عربة التاريخ"، مشيرا إلى وجود فقه إسلامي دعا إلى تحضير العرب ونقلهم من الحالة الرعوية إلى الحضرية، لكن تم إغفاله من قبل القوى الرعوية التي تمكنت من إعادة سيطرتها على مراكز التحضّر العربي والإسلامي.
ويضيف: "في عصرنا الحديث الموسوعيون التنويريون الفرنسيون أثرت أفكارهم في مصير فرنسا ودخلت تاريخها، لأن قوى الطبقة الوسطى الفرنسية، التي كانت مكتوية بالإقطاع والإرهاب الفكري الكنسي ، تبنت أفكارهم التنويرية وحولتها إلى حركة تقدمية.

ويتابع: "أما "الأفكار" العظيمة والجميلة على الورق وفي الأدراج فإنها تذهب أدراج الرياح ... إذا لم تحتشد خلفها قوى اجتماعية في مستواها المتقدم. وأشدد على صفة " المتقدم " ففاقد الشيء لا يعطيه، والقوى المتخلفة، حتى لو كانت قوى شعبية وراديكالية، لا يمكن إلا أن تفرّخ ثورات متخلفة مثلها ... تعود بالتاريخ إلى الوراء".

ويشير الجابري إلى أن عددا كبيرا من المفكرين العرب، والإسلاميين بشكل خاص، يخشون دراسة علم الاجتماع "رغم أهميته في تشخيص الصراع الاجتماعي وطبيعة القوى الاجتماعية"، مشيرا إلى أنهم يتوهمون أنه ينقل إلينا أفكارا ماركسية أو علمانية.

ويضيف: "لابد من الإشارة إلى مسؤولية الأحزاب الشيوعية العربية في خلق هذه الفجوة بين الوعي العربـي والعلم الاجتماعي. بإصرارهم الخاطئ على أن الواقع العربي الراهن يخضع للتحليل الطبقي الماركسي. وما هو كذلك. وكان أول عالم اجتماع عربي يتصدى علمياً لهذا الزعم هو عالم الاجتماع العراقي المرحوم علي الوردي في منتصف الستينات ... وهو مازال "منفياً" عن واجهة "أعلام" الثقافة العربية ... هل سمع أحد بعلي الوردي؟".

ويرفض الجابري وجود حركة تديّن جديدة في العالم العربي "فالتديّن حاضر دائماً في الضمير العربي والإنساني بعامة عبر العصور"، مشيرا إلى أن هناك حالة هزيمة وتراجع يأمل الناس أن يساعد الدين في إزالتها يوماً ما "لكني أعتقد أن المسألة تعتمد على توازن القوة، والدين عامل معنوي مشجع له تأثيره بلا جدال، لكنه يحتاج إلى مراعاة سنن الله في خلقه".

ويضيف: "بلا شك ، فإن إخفاق المشروعات التحديثية السائدة أمام التحدي الإسرائيلي، أدى إلى صعود الحركات الدينية الأصولية. وهذا مُؤشر على أن النبض مازال حياً في جسد الأمة، لكن ذلك قد يؤدي إلى إخفاق أكبر، إذا لم يرتبط الإحياء الديني بالتحديث وما أراه كذلك، فهو مجافاة له وهروب منه".

ويرى الجابري أن تعرُّض بعض المفكرين لهجوم المتشددين أمر طبيعي، مشيرا إلى أن المتشددين يرون فيهم حلفاء فكريين لخصومهم.
ويضيف: "لقد وجدّت في مضامين الخطاب الفكري المتجدد الذي صدر من مكة المكرمة عن المؤتمر الإسلامي العالمي الذي رعاه الملك عبدالله بن عبدالعزيز ما يؤشر إلى بداية تحول مسئول في فكرنا الإسلامي. واليوم لا ينقص العرب غلوّ في الدين، ولكن ينقصهم تحرّر في العقل وتدبّر في الفعل. ومن يقتحم الساحة هو الذي سيفرض فكره في نهاية المطاف".

وحول تجربته الطويلة في العمل كمستشار ثقافي لملك البحرين، وإشكالية علاقة المثقف بالسلطة يقول: "هناك فارق نوعي شاسع بين أن تعمل – كمثقف - تحت سطوة دكتاتور غاشم أو في ظل إيدولوجية مُغلقة تمنع ما يخالفها من حقائق، أو مع ملك دسـتوري مُصلح، مُنفتح على شعبه، وعلى الحياة والعالم. ومن تجربتي الطويلة فقد وجدت الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البحرين، إنساناً بمعنى الكلمة يسعى للحوار وللتكاتف من أجل البناء ويرأف بأفراد شعبه كافة بلا تمييز".

ويشير الجابري إلى أن النهضة العربية الجديدة، التي يُبشر بها مع عدد من المفكرين العرب، تعني مواصلة النهضة الأولى "بعد الاستفادة من أخطائها والاتعاظ بتجارب انقطاعها وتراجعها وإجهاضها وأرى أن نهضتنا العربية الأولى نهضة "مُفترى عليها" كما قلت قبل سنين في محاضرة بعمان بالأردن، وما أزال على قناعتي هذه".

ويقول إن هذه النهضة يجب أن تتجه إلى غالبية العرب "في أريافهم، قبل مدنهم"، وألا تبقى "جزراً نهضوية" منعزلة في بعض العواصـم ولدى بعض النخب.
ويضيف: "عليها أن تتفادى الخطأ المصيري الذي وقع فيه بعض دعاتها ومفكريها بإغفال "جوهر" الإسلام. وأشدد على "الجوهر" لا الشكل وأؤمن أن القرآن الكريم وجه المسلمين إلى طبيعة هذا الجوهر كي لا يقعوا في الشكليات المتجمدة المعيقة لحركة التطور".

ويطالب الجابري الإعلام العربي أن يتخلى عن دوره المسرحي والخطابي ويقدم صورة حقيقة عن الواقع.

ويضيف: "لا أدري إن كان الإعلام العربي أو الأجنبي، الرسمي أو الخاص يستطيع التحرر نهائياً من نزعة "البروباغندا" ... هل نتذكرها؟ ... إنها الدعاية السّمجة التي تردّدت في أبشع صورها سنوات الحرب العالمية الثانية وطوال الحرب الباردة وما تزال مستمرة بشكل أو بآخر.

ويقول إن الإعلام "الذّكي" في العالم الديمقراطي المتقدم يحاول احترام "عقول" الناس، ليصبح مقبولاً "وهذه "شطارة" منه ... شطارة لا تُفوّت أية فرصة لترويج البضاعة السياسية أو الإيدولوجية التي لديه وهو في عصرنا أخطر من الإعلام الغبي المكشوف".

ويتساءل: هل نتصور أن الأموال الطائلة تنفق على أجهزة الإعلام لسواد عيون الجمهور وتوعيته؟

ويضيف: "عندما تستمع إلى الـ بي بي سي تُورد المعلومات والأخبار والآراء المتعارضة ستقول : ما شاء الله ... أنظر إلى "الرّقي" الإعلامي الناضج ... هذه أفضل "بروباغندا" يا عزيزي للنظام البريطاني الذي تتحكم فيه، كما لا يُخفى، قوى أخرى ليست في علانية وشــفافية الـ بي بي سي!".

ويدعو الإنسان العربي إلى الحذر وبذل الجهد للاقتراب من صورة الحقيقة وامتلاك فكر نقدي مستقل.

ويضيف: "في الحالة المزرية التي أُعيدَ إليها العقل العربي، يمكن أن يلعب ويلهب الإعلام السائد – رسمياً أو خاصاً – حماسة الجماهير لصالح الواقفين وراءه.
إنه ، كما نرى، السلاح قبل الاحتكام إلى السلاح".