الأمير الشهيد الشيخ عبد اللطيف موسى

بقلم: جواد البشيتي

ثمَّة قاعدة ذهبية في الحُكْم على الأشخاص والجماعات والأحزاب والدول..، ينبغي لنا أن نتذكَّرها، وأن نأخذ بها، ونعتمدها، إذا ما أردنا أن نُحْسِن فهم وتفسير "ظاهرة الشيخ عبد اللطيف موسى"، أو أشباهها وأمثالها، وهي كُثْر، وقَيْد التكاثر، في العالم العربي (والإسلامي).

لقد رأيتُ وسمعتُ الشيخ عبد اللطيف موسى، زعيم، أو أمير، الجماعة السلفية الجهادية، المسمَّاة "جُنْد أنصار الله"، في قطاع غزة، وهو يقف على منبر مسجد في رفح (الفلسطينية) ليُعْلِن من عليه، وفي لهجة وطريقة "الفاتح العظيم"، ولادة ما أسماه "الإمارة الإسلامية" في "أكناف بيت المقدس"، بدءاً من رفح، التي تصوَّرها، إذ استبدت برأسه الصغيرة الأوهام السلفية الجهادية، على أنَّها شبيهة بمكة، لجهة أهميتها التاريخية الإسلامية.

لا شكَّ في أنَّ هذا الشيخ "الجليل"، و"الشهيد"، على ما ثَبُت وتأكَّد، أو قيل، قد حَلُم طويلاً وكثيراً بلحظةٍ يقف فيها هذه الوقفة، ويُعْلِن هذا الإعلان؛ ولا شكَّ، أيضاً، في أنَّ صورته التي كان يراها دائما في مرآة أوهامه أضخم منه، ومن واقعه الحقيقي، بآلاف المرَّات.

إنَّها ليست بالظاهرة النادرة الحدوث أو الوجود أن ترى شخصاً، يتصوَّر نفسه، على أنَّه بمكانة أو أهمية نابليون بونابرت، وأن يُظْهِر لكَ، في الوقت نفسه، على أنَّه مُقْتَنِعٌ تماماً بأنَّه كذلك؛ ولا بدَّ لكَ، بالتالي، من أن تعامله بما يوافِق رأيه هو في شخصه.

ولقد أنتج شيوع تلك الظاهرة بين الأفراد والجماعات والأحزاب والدول.. تلك القاعدة الذهبية التي بمقتضاها يتعيَّن عليكَ أن تَحْكُم على الشخص، مثلاً، استناداً إلى واقعه الحقيقي الفعلي (الموضوعي) وليس إلى صورته التي يراها هو فحسب في مرآة أوهامه.
ذلك الشيخ السلفي الجهادي "الجليل"، ثمَّ "الشهيد"، اجتمع مع أنصاره الذين خلقهم واقع قطاع غزة على مثال أوهام السلفية الجهادية، في معقلهم، الذي تتهدَّده "علمانية" حركة "حماس"، وحكومتها، وهو مسجد، ليُعْلِن من على منبره، الذي يرمز إلى انفصال الشيخ وجماعته تماماً عن الواقع، ولادة تلك "الإمارة الإسلامية"، التي ستتولَّى إقامة الحدود، وتطبيق "شرع الله"؛ وإذا صَدَق هذا الشيخ في شيء فلم يَصْدُق إلاَّ بقوله إنَّه وجماعته سيقيمون "الإمارة الإسلامية" على جثثهم.
"الشيخ ـ الأمير" تطرَّف في "تديين"، أو "أسلمة"، السياسة حتى أثبت بالقول والفعل أنَّ الانفصال النهائي عن السياسة، وعالمها الواقعي، هو العاقبة النهائية الحتمية لكل من أفرط في "تديين"، أو "أسلمة"، السياسة؛ ولقد خاطب أتباعه قائلاً: لا تقاتلوا إلى جانب مقاتلي "حماس"، وغيرها، ضد إسرائيل؛ لأنَّ قتال المسلم إلى جانب كافرٍ (أي "حماس" العلمانية!) ضدَّ كافر آخر (هو إسرائيل) حرام شرعاً!

هذا الشيخ لم يُخْلَق من العدم، فثمَّة "وجهة نظر" وُجِدَت قبله، وجاءت به إلى الوجود، فأنتَ لو سألتَ كثيراً من شبابنا عن السبب الذي جعل "الأمَّة" مهزومة دائماً في مواجهة إسرائيل، وفي الدرك الأسفل من الوهن والضعف، لأجابكَ على البديهة قائلاً إنَّ السبب هو أننا لم نبدأ بإصلاح أنفسنا؛ أمَّا هذا "الإصلاح" فمعناه عندهم هو الأخذ بـ "الطالبانية"، أو بما يشبهها، نهج حياة وأخلاق وسلوك.

وهذا "الإصلاح الطالباني" يبدأ بـ "التكفير"، أي بـ "تكفير" الغالبية العظمى من العامة من المسلمين لكونهم يلبسون ويأكلون ويشربون ويحتفلون ويفرحون ويحزنون ويتعلمون ويتزوجون.. في طريقة تخالف "شرع الله"، كما يفهمه ويتصوَّره ويفسِّره أولئك الشيوخ السلفيين الجهاديين، الذين ينظرون إلى أنفسهم على أنَّهم قوم اصطفاهم الله ليقيموا الحدود، ويطبِّقوا "شرعه"، ولو بنيران الحرب الأهلية بين "المؤمنين" و"الكفَّار"، الذين هم، في معتقدهم، الغالبية العظمى من العامة من المسلمين.
وهؤلاء، الذين فهموا "أسلمة السياسة" بما حَكَم عليهم بالعيش إلى الأبد في خارج عالمها الواقعي والفعلي، لا يقيمون وزناً أو اعتباراً للحجم الجغرافي أو الديمغرافي أو الاقتصادي.. لـ "الإمارة الإسلامية"، فهذه "الإمارة" تتأكَّد وجوداً ولو كانت في حجم قرية، إذا ما كان "أميرها" مقيماً للحدود، مطبِّقاً لـ "شرع الله"، في حدودها.
إنَّهم مستعدون للعيش في الحرب الأهلية، وبها، عشرات السنين، توصُّلاً إلى إقامة "مجتمع إسلامي طالباني"، ولو في حيِّز رفح، فليس من قضية أخرى، ولو كانت الصراع ضد إسرائيل، تستأهل الاهتمام والتفكير، فـ "الإصلاح الأخلاقي الطالباني" هو الغاية التي لا تعلوها غاية، وهو الغاية التي تخلع على الحرب الأهلية شرعية لا تعلوها شرعية!
نحن الآن مُبْتَلون بجماعات سلفية، تشترِك جميعاً، على ما يُفرِّق بينها، في خاصية جوهرية هي أنَّ أيَّاً منها لا يمكنه أن يؤكِّد وجوده إلاَّ بـ "سلبية مدمِّرة"، قوامها تكفير غيره من الجماعات، والغالبية العظمى من العامة من المسلمين، وفَهْم قتلهم وإيذائهم والاعتداء عليهم، وعلى ممتلكاتهم، على أنَّها أعمال لا تختلف في شيء عن جوهر عقيدة الجهاد في سبيل الله.
ولقد جاءت تجارب "السلفية الجهادية" بما يؤكِّد أنَّ أعداءنا الحقيقيين نجحوا في توجيه "القوَّة التدميرية" لتلك الجماعات نحو الداخل، فهيَّأوا لها من المناخ ما شدَّد لديها الميل إلى أن تتحوَّل من "انفجار نحو الخارج" إلى "انفجار نحو الداخل".
وكان يكفي أن تصاب تلك الجماعات بـ "عجز موضوعي" عن اكتساب النفوذ من خلال الجهاد ضد إسرائيل حتى تشتد لديهم الحاجة إلى "الطالبانية"، طريقاً ونهجاً لـ "إصلاح ذاتي"، يتَّخِذ من "الإمارة" أداة لإقامة الحدود، ولتطبيق "شرع الله"، ولو كانت العاقبة النهائية هي تدمير البقية الباقية من الوجود القومي للعرب، وجَعْل "إسرائيل العظمى" حقيقة واقعة. جواد البشيتي