الأموال المسروقة من الشعب العراقي في المصارف السويسرية بحسابات سرية للغاية

شاهدتُ مساء يوم الأحد، 8 شباط/فبراير، 2015 البرنامج التلفزيوني الأميركي "60 دقيقة" (60 Minutes) من محطة "سي بي أس" (CBS). كان أحد المواضيع عن تسريب معلومات خطيرة من ثاني أكبر مصرف سويسري تجاري في العالم، وهو "أج أس بي سي" (HSBC)، فرع جنيف في سويسرا. وهذه أكبر عملية تسريب في تاريخ المصارف السويسرية على الإطلاق. حصل الموظف المسؤول عن أمن تقنية المعلومات المصرفية، إرفي فالجياني (Hervé Falciani)، عمره 37 عاماً، على معلومات حساسة لأكثر من مئة ألف حساب مصرفي لأشخاص من مختلف بلدان العالم. وسجّلها في ثمانية أقراص مشفّرة من نوع "دي في دي" (DVD)، وذلك في عام 2007، وهرب إلى فرنسا حيث سلّمها إلى السلطات الفرنسية. عمل الموظف مع السلطات الفرنسية المختصة على مدى عام كامل لفكّ الشفرات وتحليل المعلومات بدقة.

وحال انتهاء البرنامج التلفزيوني دفعني حب الاستطلاع أن أتحرّى عن الموضوع بعمق في الموقع الرسمي للبرنامج (1). وهنا عثرتُ على تفاصيل مثيرة لم تُذكَر في التلفزيون. وعلى إثرها اتصلتُ مرّتين بالجهة التي بيدها المعلومات، راجياً منها تزويدي بأسماء وعناوين الأشخاص والشركات العراقية ومقدار المبالغ وتاريخ الإيداع وبيان فيما إذا كانت الأموال مشروعة أو مشبوهة. وما زلتُ بانتظار الجواب.

التحقيق أجراه الصحافي الأميركي بِل ويتيكر (Bill Whitaker) من البرنامج بالتعاون مع الاتحاد العالمي للصحفيين المحقّقين (International Consortium of Investigative Journalists)، وهي الجهة التي تمتلك المعلومات الآن. أظهر التحقيق، الذي أُطلِق عليه إسم "التسريب السويسري" (The Swiss Leaks)، أن المصرف كان يعلم جيداً بأنه يتداول أموالاً غير مشروعة لأشخاص خارجين عن القانون مثل السرّاق (المتهرّبين من الضرائب) ومهرّبي المخدّرات وتجار الأسلحة ودافعي الرشاوي، ويتّبع أساليب ملتوية تبدو مشروعة ظاهرياً، ويتستّر على جرائم زبائنه بحجة الخصوصية والسرية. وبفضل تعاون فرنسا استطاعت دول كثيرة استعادة المليارات من الدولارات المهرّبة وملاحقة المجرمين لتقديمهم للعدالة.

خُذ مثالاً بسيطاً على ذلك، فقد أُدِين المواطن البريطاني "إيمانويل شالوب" (Emmanuel Shallop) بسبب بيعه ما يُسمّى "الماس الدموي" (Blood Diamonds) من مناطق الحروب الأهلية في غرب أفريقيا. كان المصرف على علم في 2005 بأن المتّهم "شالوب" قيد التحقيق، ومع ذلك ساعده على إخفاء أمواله. ففي إحدى المذكّرات التي كتبها موظف مصرفي جاء ما نصه: "فتحنا له حساب شركة في دُبي. الزبون حذر للغاية حالياً لأنه تحت ضغط السلطات الضريبية البلجيكية التي تحقق في نشاطاته المتعلقة بالتحايل على ضرائب الماس."

مجموع المبالغ قيد التحقيق أكثر من 100 مليار دولار أميركي تعود لـ 106,000 شخص من 203 بلدان. وتمتد المعلومات الخاصة بالأشخاص والحسابات من عام 1988 حتى عام 2007، أما المبالغ فهي لِعامَي 2006 و2007.

كان الصحافي الفرنسي "سيرج ميشيل" (Serge Michel)، من صحيفة "لوموند" (Le Monde) الواسعة الانتشار، أول من شاهد الوثائق السرية من مصرف "أج أس بي سي" (HSBC). ونظراً لضخامة المعلومات فقد استعانت الصحيفة بالاتحاد العالمي للصحفيين المحقّقين الذي كلّف بِدَوره أكثر من 140 صحافياً من 45 بلداً، وأمضوا أكثر من سبعة أشهر لدراسة المعلومات. وكان برنامج "60 دقيقة" هو المؤسسة الإعلامية الأميركية الوحيدة التي سُمِح لها بالمشاركة بالعملية.

أما إدارة مصرف "أج أس بي سي" فقد أجابت في رسالة إلى البرنامج بأنه تمّ استغلال المصرف في الماضي للتهرّب من الضرائب، وأنه حدثت تغييرات كثيرة في الإدارة منذ عام 2008، وأنها لن تتعامل مع أشخاص مشبوهين. لكن حكومة الولايات المتحدة أدانت المصرف في عام 2012 لتورّطه في تحويل أموال مهرّبة لعصابات المخدرات الأميركية، وفرضت على المصرف تسوية مالية بمقدار 1.9 مليار دولار أميركي. مع ذلك تُعتبَر هذه الغرامة مجرد مبلغ تافه بالنسبة للمصرف العملاق.

في كانون الأول 2014، أدانت الحكومة السويسرية مواطنها، إرفي فالجياني، بتهمة السرقة والتجسّس الاقتصادي. وقالت عنه صديقته السابقة أنّه نصّاب. أما هو فيقول عن نفسه أنه مجرد شخص "مُنذِر" (Whistleblower)، ولم ينتفع مالياً من تقديم المعلومات إلى فرنسا. وفي كل الأحوال يقول المسؤولون الحكوميون عنه أنه لولا التسريب المفصّل الذي قام به لما تعرّفنا على حجم الجرائم الاقتصادية والأمنية والأشخاص المجرمين.

ويستدرك التقرير بقوله أن ليس كل شخص يتعامل مع هذا المصرف هو فاسد أو مجرم.

لعلّ من المفارقات التي كشف عنها التحقيق أن سويسرا ذاتها تتصدر قائمة الدول المتضرّرة من التعاملات المالية الغير مشروعة، حيث توجد في المصرف مبالغ "قذرة" قيمتها 31.2 مليار دولار أميركي، تليها المملكة المتحدة 21.7 مليار دولار، فنزويلا 14.8 مليار دولار، ثم الولايات المتحدة الأميركية 13.4 مليار دولار.

وبقدر ما يتعلق الأمر بالعراق فإن المعلومات المنشورة حالياً قليلة. إذ يشير التقرير إلى أن الأموال العراقية المهرّبة المودعة في مصرف "أج أس بي سي" (HSBC) بلغت عام 2007 حوالي 515 مليون دولار أميركي في 477 حساباً مصرفياً تعود لـ 243 شخصاً (زبوناً/عميلاً). كان تسلسل العراق 62 في القائمة المكونة من 203 بلدان. كما يبيّن التقرير أن لأحد الأشخاص (بدون إسم) المرتبطين بالعراق مبلغ 190 مليون دولار في حسابه السويسري.

للمقارنة نذكر هنا، استناداً إلى معلومات البنك الدولي، أن معدل الناتج الوطني الإجمالي (Gross Domestic Product) للفرد العراقي الواحد عام 2007 يبلغ ثلاثة آلاف دولار أميركي. وأن 10% تمتلك 23.63% من الدخل لعام 2007.

يسود اعتقاد خاطئ بين الناس أن بعض الإمارات الأوروبية، مثل موناكو وليشتنشتاين، والجزر الصغيرة النائية، مثل برمودا وماكاو، هي وحدها المتخصصة بجذب وتخزين الأموال غير المشروعة والتعاملات المصرفية المشبوهة من خلال تشريعات غامضة وتسهيلات مغرية وإعفاءات ضريبية. لكن الواقع يشير إلى حقيقة مذهلة وهي أن الأنظمة المصرفية في الدول الرأسمالية الحرّة، مثل الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في الناتو والسوق الأوروبية المشتركة، ضالعة في الفساد، وتشجّع وتتداول الأموال الغير مشروعة كجزء من تعاملاتها اليومية. لكن يتم خلط الأموال "القذرة" مع الأموال "النظيفة" بطريقة "ذكية"، وبذلك يفلت المجرمون من طائلة القانون. لمزيد من التفاصيل راجع المصادر 2 إلى 5.

تجدر الإشارة إلى أن التقرير الجاد عن هذا المصرف، "أج أس بي سي"، يقدّم لأول مرة أدلة جنائية واضحة ضد أشخاصٍ وشركات ومسؤولين في حكومات كثيرة. لذا يكون بمستطاع أفراد الشعب العراقي، ومِن واجبهم، أن يبادروا إلى المطالبة بالمعلومات وكشفها والتحقيق في الأموال والأشخاص السارقين للثروة الوطنية واستعادتها منهم وتقديمهم للعدالة. فأقلّ ما يستطيع كل مواطن عراقي، لا سيما الناخب، هو أن يكتب مباشرة إلى نائب دائرته الانتخابية طلباً أصولياً بضرورة إجراء تحقيق فوري بالأموال المسروقة المخزونة في هذا المصرف السويسري وإعلان النتائج. ومن واجب كل صحافي عراقي وطني نزيه حرّ أن يبحث في الموضوع بالطرق التحقيقية المعروفة في الإعلام وينشره. ومن واجب المسؤولين العراقيين، لا سيّما رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي، ورئيس الجمهورية الدكتور محمد فؤاد معصوم، ورئيس مجلس النوّاب الدكتور سليم الجبوري، أن يتصلوا رسمياً بالحكومة الفرنسية والاتحاد العالمي للصحفيين المحقّقين، ويطالبوا بالمعلومات الكاملة عن العراقيين المتورطين بسرقة الأموال العراقية العامة قبل وبعد الاحتلال الأميركي ـ البريطاني عام 2003. كما تستطيع الحكومة العراقية أيضاً استخدام شركة أجنبية متخصصة بالتحريات الجنائية السرية وخصوصاً بالجرائم الاقتصادية. وإذا كانت الحكومة العراقية برئاسة العبادي جادة بمكافحة الفساد فما عليها إلا أن تبدأ في هذه اللحظة وتُلاحق الأموال (Follow the money) لتصل إلى الجُناة، وتقول لكل واحدٍ منهم، "من أين لك هذا؟". إن أيّ عضو في الحكومة أو في المجالس النيابية العراقية يُشكّك، أو يُهمل، أو يرفض التعاون بإجراء التحقيق فهو لا بدّ أن يكون متورّطاً بأعمال السرقة وشراء الذمم والرشاوي والنهب المنظّم لثروات الشعب العراقي من قريبٍ أو بعيدٍ.

المصادر:

(1)
The Swiss Leaks
By Correspondent Bill Whitaker: investigates the biggest leak in Swiss banking history and examines HSBC’s business dealings with a collection of international outlaws
February 08، 2015
Accessed: Sunday، February 08، 2015

(2)
Big Banks Are Knee-Deep in the Dirty Money-Laundering Business
By Michael Hudson [1] / ICIJ [2]
May 2، 2013
Accessed: Sunday، February 15، 2015

(3)
Money Laundering and The Drug Trade: The Role of the Banks
By Dylan Murphy
Global Research، October 20، 2013
Accessed: Sunday، February 15، 2015

(4)
How a big US bank laundered billions from Mexico's murderous drug gangs
By Ed Vulliamy
Sunday، April 03، 2011
The Observer
Accessed: Sunday، February 15، 2015

(5)
“Dirty Money” Foundation of US Growth and Empire
Size and Scope of Money Laundering by US Banks
By James Petras
Centre for Research on Globalisation
La Jornada، Mexico، May 19، 2001
Posted at globalresearch.ca August 29، 2001
Accessed: Sunday، February 15، 2015