الألفية الثالثة وزمن التطرُّف

ثقافة الانتقام في الصدارة

المراقب للمشهد العالمي منذ بداية الألفية الثالثة وما قبلها، أن البشرية بدأت بالجنوح نحو التطرّف وهذا واضح جداً من خلال التنظيمات والحركات السياسية التي غزت العالم وليس آخرها تنظيم داعش الذي ادّعى بأنه استحضر راية الاسلام التي كانت عالية وخفاقة قبل اربعة عشر قرناً وبوجوده فإنها ستبدو اكثر يقينية وحقيقية ..

العالم اليوم يقف على قدم واحدة والكرة الارضية ملتهبة من القطب الشمالي الى القطب الجنوبي؛ وما كان متطرفاً ومجنوناً وغرائبياً ومطروداً من مواقع الحس والحدس والخيال اصبح اليوم مستساغاً وواقعياً، بل اكثر ملائمة للمنطق والتفكير. لقد توارى الاعتدال ومنطق العقل والموضوعية والشفافية والتسامح وراء جدران سميكة ولم تعد هذه المفاهيم مقنعة حتى بالنسبة للمواطن البسيط ويتعامل معها، احيانا كثيرة، بالريبة والسخرية ..الانتخابات التي هي نافذة من نوافذ الديمقراطية وشعار الزمن الجديد.

الابتعاد عن العلم

لم يعد المواطن يعطي صوته للمثقف صاحب البرامج السياسية والاجتماعية العلمية التي تأخذ بيد المجتمع نحو التحضّر ويلحق بركب المدنية والتكنولوجيا، بل أعطى صوته هنا في العراق مثلا، ولمرات عديدة الى اللصوص والطائفيين ومخربي البلد وسارقي مستقبل أبنائه، لأنه يطرب على كلامهم الطائفي الممزق للنسيج الاجتماعي والمثير للفتن ولدعوات القتل وجريان انهار الدم ولوعودهم الزائفة وتزويرهم للانتخابات ولسندات الملكية وضجيجهم الأجوف وايمانهم الكاذب ونثرهم لبعض من الاموال التي سرقوها من جيبه وخزينة بلده وهذا ما حصل منذ 2003 حتى يومنا هذا، وحتى الانتخابات الامريكية الاخيرة وصعود ترامب فإنها تؤشر الى سيادة التطرّف في قلعة العلم والديمقراطية امريكا، السياسيون الفاسدون هم هم لم يتغيّروا ويراهنوا ان يبقوا ماسكين بزمام البلدان حتى يأخذ الله أمانته لأنهم يعرفون ان ما يحرك المواطن ويوجه خياراته هي مشاعره وعواطفه ووجدانه الروحي والديني وليس العقل بمنطقه الجدلي وحقول شكوكه ويركن دائماً، كنمط تفكير،الى النسبية وليس الى المطلق.

هذا الأمر ليس في العراق وحده، بل في كل بلدان العالم الاسلامي، وحتى البعض من العالم المتحضّر، التي تمر الآن بمخاض عسير وهبوب رياح سود تعصف باركانها تحمل معها كل الشر والثبور وعفونة وأوهام وخرافات الماضي، ويبقى السؤال قائما ما الذي يديم منطق التطرق في عالمنا هذا؟ التطرف هو المغالاة في الايمان بعقيدة ما سواء كانت دينية مثالية او مادية حتى يصل الأمر لدى هذا المؤمن ان يقدم حياته قربانا من اجل ان تسود عقيدته عقول وافئدة الناس وتكتسح كل العقائد الأخرى والتي هي بنظره باطله وتدفع نحو الرجس والانحراف وارتكاب الخطايا والشرور.

يشتد التطرف حين تنفرد العقيدة، وخاصة اذا كانت دينية، الساحة الفكرية وبلا منازع، والكل يعرف ان النصوص الدينية وتأويلاتها الفقهية تدخل في عالم القداسة ولا يجوز التقرب منها لانها ليست ميداناً للجدل والحوار وهذا ما نلمسه في العقود الأخيرة وصعود بريق الفكر الديني في المجتمعات الاسلامية واستحواذه على حياة ومصائر الناس، وحتى في الغرب فانها كانت تؤشر مرحلة انتعاش للمسيحية واليهودية رغم الثورة العلمية التكنولوجية لان النظام الراسمالي جوهره مثالي ديني يرتكز في أساسه على الديانتين المسيحية واليهودية وهو منظومة اقتصادية متكاملة لكنه يفتقر الى الفلسفة العلمية ولا ينتج افكارا وضعية سوى ما هو متعلق بقانون فائض القيمة وحركته الاقتصادية واسواقه العالمية.

كان القرن العشرين يمثل بؤرة صراع حادة بين الفكر الديني المثالي والفكر الاشتراكي المادي وان احتدام الجدل والصراع السلمي بينهما يخفف من غلواء كلا الفكرتين ولذلك كان التطرف اقل لان كل فكرة تضع مصدات وقائية امام الفكرة المضادة مما تعمل على امتصاص زخم هياجها وتفعيل مكابحها لان المنطق العام السائد هو المنطق العقلاني والذي يدعو الى التبصر والتروي ويضع كل فكرة يقينية مطلقة في دائرة الاتهام والتخلف..لقد كان لانهيار الاتحاد السوفييتي وعجز الفكر المادي الماركسي عن تفسير الواقع المتغير الجديد منذ ثمانينيات القرن الماضي سبباً في بزوغ التطرف الحاد في سماء العقيدة الدينية.

فالساحة اليوم خالية من الافكار كما ان العالم قد حكمه قانون القطب الاقتصادي الواحد المتمثل بسياسة الراسمال العالمي. لقد عمدت امريكا الى تشجيع التطرّف في العالم من خلال تشكيل المنظمات الارهابية والعمل على دعمها وادامتها مادياً ولوجستياً كما فعلت مع تنظيم القاعدة وداعش وكل المنظمات الإرهابية المزروعة في كل بقاع الارض، كما انها ساهمت في خلق تنظيمات الاسلام السياسي من احزاب وتيارات عقائدية وتدريب كوادرها وتوظيف الماكنة الاعلامية لها، فتسيدت هذه الحركات ساحة هذه البلدان وعملت على تحديث مناهجها الفكرية بما ينسجم مع ربيعها وتوجهاتها الجديدة وقامت بالبحث والتنقيب عن التراث الفكري الاسلامي في العصور الخالية.

نتاج الخرافة

فكانت نتاجات الفكر الديني في العصر العباسي الوسيط والذي يعتبر من أكثر الأزمنة كثافة وتجديد ومرجعية، حيث تم إقصاء كل الحقائق والمعارف والعلوم من كنوزه والتركيز من قبل مفكريهم على ما يحفل به هذا العصر من اوهام وخرافات وخزعبلات وفتن مذهبية لتكون المنطق العصري الجديد لهذه البلدان، كما أن هذه القوى قامت ببعث القصص والملاحم الخرافية التي تشيع العنف وتدفع الى الارهاب من اجل الاقتصاص من الاخر المختلف معها مذهبيا ودينيا تشجعه في ذلك مؤسسات دينية تستمد وجودها من اثارة النعرات والأحقاد والدعوة الصريحة لإلغاء الآخر وقتله ودفعه الى الهجرة لان المجتمعات لم تعد تحتمل التنوع ولا تعدد الثقافات بل يجب ان يسودها الطيف المذهبي او الديني الواحد وما على الاخرين اقليات دينية ومذهبية وعرقية ان تبحث عن امكنة اخرى لعيشها والا فما ينتظرها هو القتل والسبي والذبح على الهوية وكل فنون الارهاب وهذا ما نراه جليا مع بزوغ نجم داعش واحتلالها لاجزاء من العراق وسوريا واليمن وليبيا وغيرها.

التطرف يحتاج إلى وسط جاهل كي ينمو فيه، كما يحتاج التسامح الى الوسط العلمي والحداثة كي يكون المنطق السائد، لقد عمدت مراكز الراسمال العالمي العدو اللدود للعالم الاسلامي، برغم ان الصراع بين العالمين ظاهره ديمقراطي وباطنه ديني، الى تحطيم كل البُنى الاقتصادية والاجتماعية القائمة في هذا العالم والغاء المؤسسات الصناعية وتعطيل مناهج البحث والتجريب واشاعة الأمية والعصبية القبلية وجعلها بلدانا تزحف على بطونها لا هم ّ لديها سوى اشباع غرائزها فتراجع الوعي وتقلصت مديات العقل ولم يعد المواطن يعرف ما حوله وحتى صوت المثقفين التنويرين فقد بدا خافتا لا يصل اذانهم فغرقت المجتمعات وتخدرت بالجرع الدينية الفائضة فاصبح نهارها ليلا وليلها نهارا وحدّت السكاكين لكل المارقين من العلمانيين الكفرة وفرضت الجزية والتهجير على الديانات السماوية وكان نصيب المذاهب الاخرى والاقليات الدينية السماوية واللاسماوية سبيّ النساء وابشع صنوف القتل والتنكيل.

يبدو أن انحدار هذه المجتمعات في تزايد واصبحت الهويات الفرعية الدينية والمذهبية والعرقية بديلا عن الاوطان وهذا ما يُلمس من خلال الدعوات المتزايدة لتقسيم البلدان واقامة الدويلات الهزيلة والاقاليم البائسة التي لم تكتمل تاريخيتها بعد والكانتونات الدينية والطائفية ولم يعد احد يطيق الآخر والبلدان التي كانت موحدة آلافاً من السنين مهددة بالتشظي في سنين قليلة، هذا التطرف في تصاعد يومي فليس هناك من يكبح جماحه خاصة بعد ان طلّقت المجتمعات الاسلامية العلم بالثلاث واصبحت بلدانا ريعية استهلاكية تعتبر المعرفة والرقي طرقا الى الكفر والالحاد واذا ظهرت القاعدة قبل عقدين من الزمان ونُفيت من قبل تنظيم داعش فان المستقبل القريب ينذر بوجود تنظيمات اقسى من داعش ستعمل لا على قتل الناس، بل مسح البلدان من خارطة الوجود خاصة اذا كانت هذه البلدان عصية على الاقتناع بقيمها ومناهجها الدموية.

تقوم الحياة على الثنائية فالخير أمامه الشر والحياة أمامها العدم وكل مفصل يقوم على قوتين متعامدتين متنافرتين، جنون التطرف الذي ابتلي به العالم يجب أن يكون أمامه سماحة العقل،والفكر الديني الذي عجّل بظهور جهنم على الارض يدعو المجتمعات ان تفيق من غيبوبتها وتبعث امامه وبقوة الفكر المدني العلماني المادي كي يعريه ويكشف حجمه الحقيقي وتشوهه وتقزمه. لا نجاة للعالم الاسلامي الا بمنطق العلم والمادة كي يقف بوجه هذا الدمار الشامل وإلا فكل شي ذاهب، بسبب التطرّف إلى الفنـاء والزوال.

سلام حربه

كاتب عراقي