الأقصر تدشن معابد الاجداد التى جددها الاحفاد

مدينة الملوك

ومازالت الاقصر رغم ازمة السياحة التى تمر بها تجدد ثوبها وتستعد لعرس السياحة القادم تفتح ابوابها المائة على مصراعيها للباحثين عن الحضارة العريقة والدفء والتاريخ.

طيبة عاصمة الدنيا ومدينة الملوك ومدرسة الانسانية في كل الفنون والعلوم لوحة ميتافيزيقية ساحرة جذابة تتجسد فيها الحضارة الفرعونية والبطلمية والرومانية والمسيحية والاسلامية وتمتزج فيها الحضارات لدرجة الصهر فتصبغ بصبغة مصرية خالصة.

طيبة التي دحرت الهكسوس وامتدت امبراطوريتها من الرافدين مرورا بسوريا وفلسطين حتى اعماق الشلال الرابع وليبيا وجذر البحر المتوسط واثرت الحضارة اليونانية والرومانية واخترعت الابدية واهتدت الى التوحيد والحكمة.

في احتفال لم يحظى بحقه من الدعوة رغم عالمية الحدث افتتح الدكتور محمد ابراهيم وزير الدولة للآثار بمصر عددا من المزارات الاثرية بطريقة قص الشريط، وكأنه يفتتح دكان بقالة في شارع خلفي، وكنت اتصور ان يكون الافتتاح مهرجانا عالميا وحدثا ثقافيا يليق بالمناسبة والمدينة رغم حضور وزير السياحة ووزير الرياضة وعدد معدود من وكالات السياحة والسفر.

اسمحوا لى ان اصطحبكم لرحلة الى الاثار التي افتتحها الوزير والتي كانت ثمرة جهد مدرسة ترميم الاثار المصرية وان كان بعضها ممولا من بعض البعثات الاجنبية.

نبدأ باقصى الجنوب في غرب الاقصر حيث مدينة الموتى ومقابر الاجداد القرنة وكان ما بين النيل والجبانة طائفة من المعابد تقام فيها الشعائر والصلوات على ارواح موتى الجبانة التماسا للرحمة واقاموا بها منازل يأوون اليها لذكر موتاهم كراحة نفسية وعزاء وليحملوا الى قبورهم ما تعودوا أن يقدموه الى ارواحهم من الوان الطعام والشراب في مواسم الجبّانة تلك العادة المتأصلة في وجدان الشعب المصري الى الان.

• قصر العجوز (معبد تحوت)

من هذه المعابد قصر العجوز وهو معبد يرجع تاريخه الى العصر الروماني رسم على اسم الاله تحوت اله العلم والحكمة في مصر القديمة وسمي بقصر العجوز لان كل معبد صغير كان يسمى قصر والعجوز نسبة الى شيخ عجوز من رجال الطرق الصوفية اعتكف في هذا المكان، وكان يتخذ منه خلوة ويستقبل فيه مريديه وعرف بقصر العجوز.

• دير شلويت او دير العقاب

افتتح الوزير ضمن ما افتتح دير شلويت، ولدير شلويت قصص تحكى فشلويت كلمة قبطية تعني العقاب ومن اشتقاقاتها الشلوت اي الركل بالقدم في اللغة المصرية الدارجة والشلاطة الجلده التي تستعمل لضرب الحمار والشلطة تناول الحساء الساخن.

يقع الدير جنوب جبل ممنونيا، ويرجع الى العصر الرومانى واقيم تقديسا للالهة ايزيس وعندما فرّ اقباط مصر من الاضطهاد الروماني على عهد ديكيوس ودقلديانوس الى طيبة واتخذوا من معابد المصريين القدماء كنائس واديرة في هذه المنطقة التي وفرت لهم الامان وخرجت منها الدعوة الى الرهبنة.

في هذا الوقت كانت تعج مدينة هابو بطوائف المسيحيين الذين بالغو في تشويه صور ونقوش المعابد والمقابر ليجعلوا مكانها صورا ورموزا مسيحية بعد تغظيتها بالجير والملاط ومن ضمنها معبد ايزيس الذى اصبح دير شلويت.

ويبدوا ان الرومان اتخذوا منه مقرا لعقاب المسيحيين المعترفين وهم الذين جاهدوا في سبيل الايمان وعذبوا ولم يستشهدوا وكان في طليعتهم الانبا بفونتى اسقف طيبة تلميذ القديس انطونيوس وقد قبض عليه في عصر الامبراطور مكسيميانوس وسجن وعذب وقلعت عينه اليمنى وكوى تجويفها وبترت ساقه اليسرى كما كويت اعصابه وعضلات جسمه وسيق هو و130 من المعترفين الى المحاجر، وتم تسخيرهم في قطع الاحجار من محجر بروفيرى مع جلدهم بالسياط، وانبفونتى من أعضاء مجمع نيقية وخير معين للانبا اثناسيوس وحضر مجمع سرديكا.

ودير شلويت او دير العقاب يشهد على هذه الوقائع ويتكون من ثلاث حجرات من الجهة البحرية وحجرتين ودرج في الحهة الجنوبية وقدس الاقداس في الوسط.

نعبر النيل الى مدينة الاحياء ونتجه الى الكرنك اعظم متحف مفتوح في العالم حيث تم افتتاح معبد موت. ومعبد موت بناه امنحتب الثالث للمعبودة موت صاحبة امون وام ولده خونسو. من وراء مدخله فناءان مكشوفان ينتهى احدهما الى مقاصير المعبد تناثرت فيه تماثيل سخمت، صورت اول الامر على هيئة اللبؤة ثم على هيئة الانثى لها رأس لبؤه ثم جعلوا في كل يد من يديها سولجان احدهما يمثل عودا من اعواد البردى رمز للخضرة التي تشير الى الخير وتذكر الناس بوفاء النيل والثاني يرمز الى الحياة.

ومن وراء المعبد بركة مقدسة كان الكهنة يطوفون على مائها بزورق يحملون عليه تمثال الالهة موت في اعيادها ومواسمها.

هذا المعبد الذي تناثرت فيه تماثيل الالهة سخمت أمنا الغولة في التراث الشعبى.

تقول الاسطورة ان الاله رع ابو البشرية اغضبه من البشر جحودهم فضله وعدم وفائهم بما كان ينتظره منهم من عبادات وتقدير فجمع بلاطه في السماء وافضى اليهم برغبته في إفناء البشر وقال لهم ابحثوا عن ابنتي أين هي وكانت ابنته هي حتحور البقرة المقدسة التي سموا شهرا من شهور السنه باسمها هاتور.

وقال الاله بعد البحث ان ابنته حتحور في النوبة فامرهم ان يرسلوا لها رسولا يحضرها وكانت حتحور غاضبة فهداهم التفكير الى ارسال الاله تحوت رب الحكمة والمعرفة ادراكا منهم انه يملك الحيلة والحكمة وانه قادر على احضارها فذهب اليها على هيئة قرد ونجح في احضارها، وكان الوقت وقت جفاف النيل فبكت حتحور ففاض النيل من دموعها وشاعت بجسريه الخضرة.

فلما صعدت لابيها في السماء ناداها تعالي فلبت طائعة وطلب اليها اعدام البشرية العقوق، لكن حتحور التى يرمز اليها بالبقرة الرؤم احتالت على طبيعتها واخذت شكل اللبؤه المفترسة المتعطشة للدماء. وعز على الالهة الاخرى ان تفنى البشرية فاوحوا الى البشر ان استعدوا بطحن الشعير ليصنعوا منه الجعة ويخلطوها بمادة حمراء كالدم ويصبوا للبؤة هذا الشراب لتسكر ويخيل لها انها ارتوت من دماء البشر.

واشفق الاله رع على الناس وطلب من ابنته حتحور ان تعود الى السماء ولما رفضت سكب في طريقها الجعة الحمراء حتى ثملت ونجا الناس من شرورها وصعد الاله الى السماء على ظهر البقرة المقدسة نوت.

• معبد الاله خونسو (اله القمر)

شيده رمسيس الثالث من الاسرة العشرين واضاف اليه مباني ونقوش اخرى كل من الملك رمسيس الرابع والسابع ورئيس الكهنة حريحور، وخونسو هو الاله المكمل لتالوث طيبة امون موت خونسو.

ويعد نموذحا للمعبد المصري في الدولة الحديثة ويتكون من الصرح الامامى ذي البرجين والفناء المكشوف والاروقة ذات العمد ثم القاعة الامامية يليها فاعة الاعمدة واخيرا قدس الاقداس الخاص بالقوارب المقدسة لثالوث طيبة. وتتدرج ارتفاعات المعبد حيث يقل الضوء شيئا فشيئا لتهيئة المتعبدين للرهبة والخشوع امام بيت الاله ومكانه المقدس وتغطي جدرانه نقوش تصور الفراعنة يتعبدون ويقدمون القرابين للالهة المختلفة لتمنحهم الخلود.

• بوابة بطليموس

تلك البوابة الشامخة امام معبد خونسو شيدها بطليموس الثالث في سور المعبد وعليها نقوش بطلمية تمثل الملك وزوجه يقدمان القرابين للاله وفي أعلى البوابة نقش يمثل قرص الشمس المجنح رمز انتصار حورس على اعدائه.

وفي الاقصر اسطورة تصور ان هناك قزما يعيش فوق البوابة خلقته مشوهة قصير القامة ممتلىء الجسم وله وجه عريض وعينان براقتان وانف افطس ولسان متدلى وزراعان طويلتان تصلان الى الارض ومازال الاهالى يرهبونه ويخافون من المرور امام البوابة فى الليل.

هذا القزم اذا اهتاج صاح صياحا مخيفا ويصب شروره على جميع الناس والحيوانات وسمونه عيط الله وتنطبق اوصافه على الاله بس اله المرح لكن الخيال الشعبي صوّره بهذه الصورة المخيفة.

• معبد بتاح اله الفن

يقع في اطراف معبد الكرنك من اقصى الشمال يصل اليه من الباب الشمالي لصالة الاعمدة الكبرى ويتكون من عدة بوابات وحجرات بنيت في العصر المتأخر تكريما للاله بتاح رب الفن في مصر القديمة ورب سقارة وقد شيد فرعون مصر تحتمس الثالث الجزء الاكبر من المعبد وبنى البوابة الاخيرة والفناء الذي يليها واضاف عمودين لكل منهما 16 ضلعا، وفي المؤخرة قدس الاقداس وبه تمثال للاله بتاح وقد رأسه والى اليمين حجرة صغيرة بها تمثال للالهة سخمت وفي سقف الحجرة ثقب يدخل منه ضوء الشمس صباحا واشعة القمر مساء فيضفى على التمثال ضوءا خافتا يبعث على الرهبة.

هذا المعبد كان مصدر رعب لاهالى المنطقة ويخشون الاقتراب منه لما اشيع ان عولة مفترسة تفترس الاطفال تسكن هذا المعبد اسموها ام العدانى اي الاساور وقد تأكد هذا الطن عندما انهار جرف بالمعبد اثناء الترميم ودفن تحته سبعة اطفال ولم تظهر جثثهم ثم كشفت الحفريات عن تمثال هائل للالهة سخمت بشكلها المرعب.

تبقى قصة السفينة الذهبية التي تظهر في بعض الليالى القمرية بالبحيرة المقدسة بالكرنك وعلى سطحها ملك من الذهب الخالص وبحارة من الفضة وتشق طريقها على سطح البحيرة مخلفة وراءها ذيلا من الاحجار الكريمة والسعيد من يتابع هذه السفينة ويتبعها في صمت وفي غفلة من حراسها حتى ترسو على الشاطىء فيغترف من خيراتها وكنوزها واي حركة او همسة تختفى السفينة تحت الماء.

هنا يمتزج التاريخ بالسحر والعظمة والاساطير انه اكبر متحف مفتوح في العالم كنت اتمنى ان تليق الافتتاحات بعظمة المكان وروعة التاريخ فسحقا للاغبياء.

عبدالمنعــم عبدالعظــيم ـ مدير مركز دراسات تراث الصعيد - الاقصر ( مصر)