الأغنية الشعبية في مجتمع درنة الليبية

كتب ـ محمد الحمامصي
أشكال عدة

يتخذ هذا الكتاب "وظائف الأغنية الشعبية في مجتمع درنة الليبية" للباحث محمد أمين عبدالصمد، والصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، من أغاني الأعراس الشعبية نموذجاً راصدا لدور تلك الأغاني في تشكيل وجدان وأفكار الأفراد داخل مجتمع درنة الليبية، وراصدا كذلك الشكل الذي تعرض به الأغنية الشعبية قضايا الإنسان وصراعاته المختلفة، كما يبحث مدى تعبير الأغنية عن التغير والتطور في مجتمعها، إذ تقوم الأغنية الشعبية بدور كبير – بوصفها أداة اتصال – في نقل الثقافة التقليدية في مجتمعها، وتقوم أحياناً بالحفاظ على القواعد التي يتبناها المجتمع، ولا ينفي هذا قيام الأغنية الشعبية برصد التغير ودعمه وترويجه، وذلك حسب السياق الاجتماعي وسياق الأداء.
وتقدم الأغنية الشعبية في مجتمع البحث خطابها من خلال أشكال عدة تتنوع حسب طول النص، وطريقة الأداء وتوقيته، وتطرقت الدراسة أولاً إلى وظيفة الأغنية الشعبية في إطار الثقافة السائدة، سواء على المستوى الفردي أو الجمعي، وعرض الباحث لخصائص الأغنية الشعبية، والتي تمثل حداً فارقاً بين مختلف تصنيفات الأغنية نوعياً، وخاصة بين الأغنية الشعبية والأغنية الدارجة أو الجماهيرية.
وتقع درنة (مجتمع البحث) على الساحل الشمالي الشرقي لليبيا على خط 32 بم 45 شرق خط جرينتش، ودائرتي عرض 22 بم 40 شمالاً، يحدها من الجنوب سلسلة من المرتفعات، ومن الشمال البحر المتوسط، ويخترقها وادي درنة المزدهر بالخضرة والماء، ويقسمها إلى قسمين، ومن أشهر عيون المياه بدرنة "عين منصور"، ولها شلال شهير يعتبر مزاراً لكثير من المتنزهين، وتوجد عين مياه شهيرة أيضاً تسمى عين البلاد.
وتطرقت الدراسة لبيان أهمية دراسة أغاني الأعراس الشعبية، على اعتبار أن العرس الشعبي وفعالياته ظاهرة فولكلورية تقوم بوظيفة مهمة في ميدان الحفاظ على عناصر الثقافة الشعبية من عادات وتقاليد ومعتقدات وتصورات ذهنية ورؤى أنطولوجية... إلخ، كما أن الاحتفالات الشعبية – واحتفال العرس منها بكل تأكيد – فرصة للتواصل بين أبناء المجتمع الواحد، ومحاولة لتحقيق قدر من الإشباع النفسي والاجتماعي عن طريق المشاركة الفاعلة في المناسبة الاجتماعية للغير.
وقد كشفت الدراسة عن أن المرأة في درنة تأخذ من الأغنية الشعبية وعاء، ومن العرس إطاراً للتعبير عما في نفسها من شكوى أو امتعاض أو رفض، وقد يأخذ هذا الاعتراض شكلاً صريحاً أو ضمنياً، ولا يوجد أي حرج عليها أو محاسبة لها، وذلك لطبيعة المناسبة والروح الاحتفالية السائدة.
وأوضحت أن الأغنية الشعبية تسهم في العملية الواعية التي يحاول بها الأفراد والجماعات أن يتلاءموا مع الأوضاع المختلفة التي يوجدون فيها في المجتمع، ويحاولون المواءمة بين سلوكهم والظروف المحيطة.
واشتغلت الدراسة على تساؤلات أساسية عن وظائف الأغنية الشعبية، وكيف تؤدى هذه الوظائف؟ وجاءت في أربعة فصول، الفصل الأول عن مجتمع البحث، حيث قدم الباحث قراءة جغرافية لمجتمع درنة، ومدى تأثير إيكولوجيا المكان في تشكيل ثقافة درنة وسكانها، ثم تناول بالبحث تاريخ منطقة درنة وتشكلها على مر العصور، وذلك للبحث في مدى تأثير الزمن في تشكيل وبلورة ثقافتها، وكذلك لمساعدة الباحث فى فهم أسباب وجود استمرار عناصر ثقافة معينة، والأسباب التاريخية لتبنى المجتمع لها، كما أن الدراسة التاريخية تساعد على تفسير حركة الهجرات البشرية، وتأثير هذا على ثقافة المجتمع المهاجر إليه. وعرض هذا الفصل للأنشطة الاقتصادية في المجتمع والعقيدة الدينية السائدة ومدى تأثيرها في سلوك الأفراد وأفكارهم.
وفي الفصل الثاني: "أغاني احتفالية العرس الشعبي في مجتمع درنة عرض الباحث لمراحل وفعاليات الاحتفال بالزواج في درنة، والمعايير والضوابط التي تحكم اختيار العروس أو الموافقة على العريس، ومدى تعبير الأغنية الشعبية عن تلك المعايير وتدعيمها لها، مع عرض واف للقوالب الغنائية التي تؤدى فى الأعراس الشعبية، وبنيتها، وكيفية أدائها، وتقديم قراءة ثقافية / اجتماعية لهذه الأغاني.
أما الفصل الثالث "الوظائف الثقافية لأغاني الأعراس الشعبية في مجتمع درنة" فتبنى فيه الباحث فكرة أن الأغنية الشعبية – بوصفها أداة اتصال – هي حاملة لمنظومة قيم ثقافية يتبناها المجتمع ويحاول الحفاظ عليها، وقسم الباحث هذه القيم بعد تحليل النصوص الغنائية واستخلاص خطابها تقسيماً مضمونياً.
وقدم الباحث نموذجاً لتحليل بعض النصوص التي تم جمعها من مجتمع درنة، في مختلف القوالب الغنائية المنتشرة هناك، حيث عرض فى الفصل الرابع للوظائف الاجتماعية للأغنية الشعبية، وقسمها تقسيماً مبدئياً إلى: أولا الضبط الاجتماعي، وثانيا: التكيف الاجتماعي، وثالثا: الوظيفة النفسية للأغنية الشعبية.
بعد هذه الدراسة والجمع الميداني لأغاني الأعراس الشعبية من مجتمع درنة، وبعد عملية تحليل المضمون لهذه الأغاني وقراءتها أنثروبولوجياً فى سياق ثقافة المجتمع، توصل الباحث إلى العديد من النتائج نذكر من أهمها:
ـ تتشكل الأغنية الشعبية فى ضوء الثقافة السائدة، وخطابها الفكري وموضوعها هما اللذان يجعلانها موضوعاً للأنثروبولوجيا الثقافية.
ـ العرس الشعبي ظاهرة فولكلورية، تعمل على المحافظة على المأثور الشعبي (الثقافة الشعبية)، وبشكل العرس كذلك أداة اتصال جماهيري تنقل الكثير من الأفكار والقيم من جيل إلى جيل، وتقوم أيضاً بتثبيت بعض القيم الإيجابية.
ـ مبدع الأغنية الشعبية ومرددها ابن مجتمع خضع لعملية غرس ثقافي، شكلت طبعه ووجدانه.
ـ تكتسب الأغنية الشعبية أهميتها الكبرى من مساحة انتشارها وتداولها، وما تحمله من أفكار المجتمع وتوجهاته.
ـ للأغنية الشعبية دور مهم فى التأريخ الشفاهى والتوثيق لمراحل تاريخية لم يتم الالتفات لها من حركة التأريخ الرسمي، وقد يحمل التاريخ الشفاهى رؤية للمجتمع والحدث تخالف التأريخ الرسمي.
ـ تحمل الأغنية الشعبية في مجتمع البحث الكثير من الموجهات القيمة التي يلتزم بها أعضاء المجتمع.
ـ تقوم الجماعة الشعبية بإعادة إنتاج الأغنية الشعبية فى كل أداء تقوم به لذات الأغنية، وإعادة الإنتاج بالأداء هو تشكل جديد داخل السياق الثقافي العام.
ـ الاحتياجات الاجتماعية هي مجموعة من الظروف التي يجب إشباعها، إذا رغب المجتمع أن يستمر ولثقافته أن تبقى والأغنية الشعبية تقوم بجزء من هذا الدور.
ـ الوظيفة الثقافية للأغنية الشعبية هو الدور الذي تقوم به لتأكيد أفكار مجردة ومنظومة قيم، ونقلها من جيل إلى جيل، والعمل على تدعيمها، حيث إنها تفضيل له مبرراته، تعلمها الفرد من المجتمع الذي ينتمي إليه.
ـ الوظيفة الاجتماعية للأغنية الشعبية هي الحث على فعل وسولك أو النهى عنه، وكذلك القيام بوظيفة تعليمية، وتحقيق شكل من أشكال الضبط الاجتماعي.
ـ يوجد في مجتمع البحث بعض العائلات التي ترجع أصولها إلى أصول أندلسية "الموريسكيين"، وهم الذين هربوا إلى الساحل الأفريقي "الاضطهاد المسيحي في الأندلس، وكان لهم تأثير كبير فى ثقافة مجتمع البحث وبنيته، وأنشطته الاقتصادية كذلك.
ـ يوجد العديد من الجماعات البشرية التي انتقلت من غرب ليبيا إلى شرقها (مجتمع البحث)، نتيجة لأسباب اقتصادية أو صراعات قبائلية، مما سمح بتفاعل ثقافي في بوتقة مجتمع البحث.
ـ العرف هو الحاكم في مجتمع البحث، فتاريخياً، فرض الحلف الهلالي قيم البداوة وأعرافها، على شرق ليبيا، ومازال هذا الواقع مستمراً حتى الآن، ويعتقد الباحث أن ما يدعم هذا الواقع هو النظام السياسي المسمى بالشعبيات.
ـ أسلوب الحياة فى مجتمع البحث لا يختلف كثيراً في قطاعيه البدوي والحضري، اللهم إلا في الوسائل المادية للحياة.
ـ اهتم الباحث بدراسة التاريخ الشفاهى للمجتمع، وذلك لأن هذا التاريخ عنصر مهم فى تشكيل العقل الجمعي، كما أنه وسيط معرفي ومعترف به علمياً، وهذا التاريخ الشفاهى له تأثيره الكبير في بنية المجتمع حتى الآن، وفى تشكيل الكثير من أفكاره.
ـ للزاويا الصوفية في مجتمع البحث دور ثقافي واجتماعي كبير، كما أنه يوجد الكثير من مقامات الأولياء، وهو ما يعكس أهميتها عند أفراد المجتمع، واستمرار دورها.
ـ يعتبر الاحتفال بالزواج جزءاً مهماً من الاحتفال بحلقة من حلقات دورة حياة الإنسان، ويظهر فى هذا الاحتفال جزء كبير من ثقافة المجتمع، من أفكار ومعتقدات وعادات وتقاليد وفنون غنائية وحركية وثقافة مادية مرتبطة بطبيعة الاحتفال، وطبيعة احتياجات المجتمع.
ـ يهتم مجتمع البحث كثيراً بالمأثور القولي "الأدب الشعبي" ويعتبره وسيط اتصال مهم جداً في نقل الثقافة وتأكيد استمرارها.
ـ تكثر احتفالات الزواج في مجتمع البحث فى بداية – وطوال – فصل الصيف، لأسباب اقتصادية ومناخية وكذلك لأسباب مرتبطة بدورة العام الدراسي.
ـ تتعدد أشكال الأغنية الشعبية التي تقدم في مجتمع البحث ولكل منها توقيت أداء، كما أن كل شكل يحمل القيم الثقافة الممثلة للمجتمع، كما أنها تعبر عن الأفراد ووجدانهم.
ـ أداء الأغنية الشعبية وما يصاحبها من فنون حركية تشكل أحياناً فرصة كبيرة لتلاقى الجنسين، وإتاحة الفرصة للشباب لاختيار عروس المستقبل، وبشكل مناسب لا يرفضه المجتمع.
ـ الأشكال الغنائية التي تؤدى في احتفال العرس الشعبي قد تؤدى في مناسبات أخرى، مع اختلاف المضمون والهدف.
ـ ترتبط طريقة أداء كل شكل غنائي بمحتواه ووظيفته وتوقيت أدائه أثناء الاحتفال.
ـ يوجد العديد من الإشارات التاريخية داخل الكثير من النصوص الغنائية التي تتردد في مجتمع البحث، مما يعكس رؤية الفرد لمجتمعه وذاته وتاريخه.
ـ يهتم أفراد مجتمع البحث بذكر الكثير من القصص الشفاهى لتفسير مسميات وأصول فنونهم، وكذلك تفسير واقع الحال.
ـ الكثير من النصوص الغنائية التي تتردد في مجتمع البحث وتنسب إلى العديد من المؤدين تعكس بشكل واضح عملية إعادة الإنتاج للفنون القولية، وتعكس في رأى الباحث فرصة كبيرة لدراسة الصيغ الشفاهية واختيار نظريتها.
ـ تعتبر الشتاوة من أكثر الأشكال الغنائية انتشاراً في مجتمع البحث، كما أنها بحر ذاخر للمضامين المتنوعة، والشتاوة من القوالب التي يمكن تقديم قراءة توعية لها، فهناك شتاوات خاصة بالرجال وأخرى خاصة بالنساء، فضلاً عن المشترك بينهما، ويتبارى الرجال والنساء في ترديدها والإبداع فيها.
ـ تتسم أسماء الأشكال الغنائية برمزيتها المرتبطة بالثقافة السائدة في المجتمع.
ـ يخضع الفرد في مجتمع البحث فى اختياره للعروس إلى اختيار ونفوذ أسرته، ولا يخرج عن هذا إلا في حدود ضيقة، ومؤخراً فقط.
ـ نتيجة لتغير الظروف الاقتصادية وما تبعها من تغير لأنماط الحياة التقليدية، قل عدد أيام الاحتفال بالعرس وذلك توفيراً للنفقات أو مسايرة لإيقاع الحياة.
ـ يحقق الإبداع الشعبي اتصالاً نفياً بين أفراد المجتمع ويدعم أفكارهم وينقلها من جيل إلى جيل.
ـ الأغنية الشعبية وسيلة من وسائل التنشئة الاجتماعية التي تبث القيم وتنقل المعارف والأفكار، وتعمل على استمرارها وبقائها.
ـ تتشكل الأغنية الشعبية وسط مجتمع، تستمد منه خصائصها ومقوماتها، كما أنها تقدم في إطار وداخل سياق ثقافي يعطيها معنى، وتؤدى وظيفتها من خلاله.
ـ الأغنية الشعبية في جوهرها تعبير فني عن وجدان الناس كما أنها تقدم وصفاً دقيقاً ومكثفاً لطرائقهم في الحياة.
ـ بتحليل نصوص الأغنية الشعبية في مجتمع البحث وجد الباحث أن الوظيفة الثقافية المسيطرة عليها هي بث القيم وترسيخها، والعمل على استمرارها ورأب أي صدع أو اختلال يصيبها.
ـ للأغنية الشعبية وظيفة تعليمية تتمثل في المحافظة على أنماط السلوك والمعتقدات الشعبية وظيفة تعليمية تتمثل في المحافظة على أنماط السلوك والمتعقدات، والعلاقات التي يتفق عليها المجتمع وتعمل على أن تظل مقبولة من الأفراد.
ـ أغلب النصوص تحمل القيم الثقافية للمجتمع وتعمل على استقرارها وترويجها، وتتنوع هذه القيم بين ما هو تاريخي وديني واقتصادي ونوعى، وكذلك قيم ترتبط بالمرحلة العمرية. ومن خلال قراءة هذه النصوص يمكن قراءة العقلية الجمعية.
ـ تقوم الأغنية الشعبية بوظيفة تدريبية لاستيعاب العادة والتقليد.
ـ تقوم الأغنية الشعبية بوظيفة نفسية مهمة وهي التنفيس عن أفراد المجتمع، والتعبير عن مختلف مشاعرهم لتحقيق فرص النمو السوي للإنسان وخفض الصراعات بالتوافق الاجتماعي وعمليات التقمص.
ـ تعتبر الأغنية الشعبية وسيلة وأسلوب يتبع فى المجتمع لحفظ النظام وتحقيق تماسك المجتمع، وتحاول أن تطابق سلوك الأفراد مع مجموعة من القواعد وذلك من أجل تحقيق الأهداف العامة للمجتمع، لذا تعد الأغنية الشعبية شكلاً من أشكال الضبط الاجتماعي.
ـ تهتم الأغنية الشعبية بالسلوك الاجتماعي، أي السلوك الذي يتأثر بوجود الآخرين وسلوكهم، أو السلوك الذي ينظمه المجتمع، لذا تقوم الأغنية الشعبية بالحث على سلوك معين، وتطالب أفراد المجتمع بالامتناع عن سلوكيات أخرى.
ـ تقوم الأغنية الشعبية في مجتمع البحث بانتقاد السلوكيات المستحدثة وتسخيفها، وذلك في محاولة منها للحفاظ على القديم والتقليدي.
ـ تنتشر بعض أغاني الهجاء في مجتمع البحث، مع حرص المؤدي أو المغني على عدم ذكر اسم المهجو، حتى لا يتعرض لحساب التقاليد والعرف، وإن كان في الغالب يعرف الموجودون أو يخمنون على الأقل الشخص المقصود.
ـ تسهم الأغنية الشعبية في العملية الواعية التي يحاول بها الأفراد والجماعات أن يتلاءموا مع الأوضاع المختلفة التي يوجدون فيها في المجتمع، ويحاولون المواءمة بين سلوكهم والظروف المحيطة.
ـ قد تحمل بعض الأغاني الشعبية تأكيداً لفكرة التدرج الاجتماعي، التي قد تعود لأسباب تاريخية أو اقتصادية أو عرقية.
ـ الأغاني ذات الطابع الحسي تحقق شكلاً من أشكال التفريغ ومعالجة الكبت الذي يفرضه المجتمع بطبيعته.
ـ الضحك في الأغنية الشعبية ناتج عن التهكم على العيوب الاجتماعية التي تعد نوعاً من التصلب والجمود والتخلف عن مجاراة المجتمع ومسايرة المثل العليا.
ـ تحقق الفكاهة شكلاً من أشكال التفريغ وكذلك التواصل والتفاعل الاجتماعي بين الأفراد والجماعات، كما أن الفكاهة تستخدم لمهاجمة السلطة والسخرية منها.