الأطلس المتوسط 'امتلأ' حضارة بين العصرين الحجريين الحديث والمتأخر

عين تاوجطات(المغرب) ـ من أحمد الكرمالي
اكتشاف 50 موقعا أثريا منذ 2005

قال عالم آثار مغربي متخصص في علم ما قبل التاريخ إن اكتشاف هيكلين عظميين بشريين٬ مؤخرا٬ ينتميان الى حضارتين مختلفتين مرتا بالمغرب يعكس أهمية علمية بالغة لمنطقة الأطلس المتوسط.

وأوضح عبدالسلام مقداد الأستاذ بالمعهد المغربي لعلوم الآثار والتراث عالم الآثار المغربي أن اكتشاف هذين الهيكلين (يقدر عمرهما بين 6 آلاف و14 ألف عام) بمغارة واحدة (كهف الحلوف 2 قرب مدينة عين تاوجطات)، جاء ليفند فكرة وجود فراغ حضاري بين حضارة العصر الحجري الحديث "النيوليتي" (ما بين 6 آلاف و8 آلاف عام) وحضارة العصر الحجري الأعلى المتأخر (ما بين 8 آلاف و14 ألف عام) الذي خلصت إليه بعض الأبحاث الأثرية القديمة.

وأضاف الباحث المغربي أن هذا الاكتشاف، جاء ليؤكد أيضا بأنه ليست هناك قطيعة بين هذين الحضارتين مشيرا إلى أن إنسان العصر الحجري الحديث "النيوليتي" اعتمد لإنتاج قوته اليومي على الزراعة وتربية بعض الحيوانات٬ فيما اعتمد إنسان حضارة العصر الحجري الأعلى المتأخر على القنص والقطف.

وأشار مقداد إلى أن الهيكل العظمي الأول الذي يتراوح عمره ما بين 6 آلاف و8 آلاف عام يعود لذكر راشد تم دفنه في حفرة ضيقة بوضعية جلوس على شكل (قرفساء) وأن عظام قدميه كانت تلمس عظام الحوض كما كانت عظام الركبتين تلمس عظام القفص الصدري.

وكشف أن الهيكل العظمي الثاني الذي يتراوح عمره ما بين 8 آلاف و14 ألف عام يعود لذكر راشد تم دفنه في حفرة ضيقة على جنبه الأيمن وهو في وضعية جلوس٬ مؤكدا أن التقدير الزمني لهذين الهيكلين٬ اللذين تقدر المسافة بينهما بـ50 سنتيمترا من الرواسب٬ يبقى نسبيا في انتظار تحليلات مخبرية أعمق.

وقبل نحو أسبوعين، اكتشف باحثون مغاربة الهيكلين العظميين البشريين بمنطقة عين تاوجطات (نحو 120 كلم شمال شرق الرباط).

وبالإضافة إلى الهيكلين، تم العثور بنفس المغارة٬ التي يبلغ عمقها ستة أمتار وعرضها 15 مترا٬ على أدوات حجرية وقطع من الفخار وأيضا بقايا حيوانات كان يصطادها الإنسان القديم ويعود تاريخها إلى حضارة العصر الحجري الحديث (النيوليتي).

وأبرز مقداد أن الفريق العلمي الأثري اكتشف أيضا، أثناء عملية رفع عظام الهيكلين٬ جمجمة تعود لإنسان مدفون أسفل الهيكل العظمي الأول وأطراف يدين وأسنان (حوالي 32 سنّا) تعود لإنسان آخر مدفون بالقرب من الهيكل العظمي الثاني٬ مشيرا إلى أنه سيتم لاحقا الحفر على هذه الأطراف والأسنان ورفعها لإجراء تحليلات مخبرية للتأكد مما إذا كانت تعود لهيكل عظمي واحد أو إلى هيكلين عظميين مختلفين.

وقال الباحث المغربي إن منطقة عين تاوجطات تعتبر منطقة متميزة وغنية بالمواقع الأثرية التي تعود لما قبل التاريخ٬ مشيرا إلى أنه تم اكتشاف حوالي 60 مغارة بعين تاوجطات بعد إحداث مشروع الطريق السيارة مكناس- فاس٬ مؤكدا أنه من النادر جدا العثور على مثل هذا العدد الهائل من الكهوف والمغارات في مناطق أخرى بالمغرب.

ومن جهة أخرى٬ أبرز مقداد أن برنامج التنقيب الأثري الذي اعتمده المعهد المغربي لعلوم الآثار والتراث بمنطقة الأطلس المتوسط منذ عام 2005، مكن من اكتشاف حوالي 50 موقعا أثريا بمنطقة الأطلس المتوسط تتكون من مغارات ومخابئ ومواقع مكشوفة.

ويتعلق البرنامج بالتنقيب عن الثقافات المادية والتقنيات التي استخدمها الانسان القديم بمنطقة تاوجطات خلال العصور الجيولوجية (البليستوسين) و(الهولوسي) التي بدأت فيها منذ 12 ألف عام.

وفي ضواحي ميشلفن تم اكتشاف مواقع أخرى ببحيرة (أكلمام تغالوين) تعود الى العصر الحجري الأوسط (فترة ما بين 180 و25 الف عام) والعصر الحجري الأعلى المتأخر٬ وايضا اكتشاف آلاف الأدوات الحجرية التي صنعها الإنسان في تلك الفترة٬ إضافة إلى حوالي 120 مدفنا جنائزيا (تلال جنائزية) تعود إلى حوالي ألف عام قبل الإسلام.

واكتشفت في منطقة عين اللوح مغارة "إيفري أوبريض" المعروفة بمغارة العتروس تعود لفترة ما بين 6 آلاف وألفي عام قبل الميلاد والتي تعاقبت عليها ثلاثة حضارات مختلفة وهي حضارة العصر الحجري الأعلى المتأخر والعصر الحجري الحديث والعصر النحاسي.

أما بمنطقة عين معروف بالقرب من منطقة أكوراي بإقليم الحاجب، فقد عثر مهندس ألماني مختص في الهيدرولوجيا (الماء) عام 1950، عندما كان بصدد حفر أربع قنوات بالمنطقة، على بقايا حيوانات تعود للفيلة والتماسيح والضباع وبداخلها عظم إنسان قديم منتصب القامة يعود تاريخه إلى مليون عام، مما يشير إلى أن منطقة الأطلس المتوسط عرفت استيطانا بشريا يعود إلى حوالي مليون عام.

وأبرز مقداد أن هذه الاكتشافات الفريدة من نوعها ستمكن دون شك من إغناء "معارفنا" حول ثقافات العصر الحجري الحديث "النيوليتي" والعصر الحجري الأعلى المتأخر في منطقة الأطلس المتوسط٬ كما ستشجع على الاستمرار في عملية التنقيب والبحث الأثري في مغارات ومواقع أثرية أخرى بالمغرب.

وأشار مقداد إلى أن مغارة "كهف الحلوف 2" ما تزال غير مصنفة كمواقع أثرية ضمن التراث المغربي، بحكم اكتشاف أهميتها العلمية حديثا.

ودعا إلى ضرورة تصنيف جميع مغارات "كهف الحلوف" بعد الانتهاء من أشغال التنقيب بها٬ والعمل على حمايتها والحفاظ عليها من أجل تطوير منطقة عين تاوجطات اقتصاديا عبر وضع سياسة مبنية على السياحة الثقافية واستقطاب السياح.

ويشار إلى أن المجموعة التي اكتشفت الهيكلين العظميين البشريين بمغارة "كهف الحلوف 2" بعين تاوجطات والتي يشرف عليها عبدالسلام مقداد، تتكون من باحثين وتقنيين مغاربة من المعهد المغربي لعلوم الآثار والتراث والمديرية الجهوية لوزارة الثقافة بجهة مكناس تافيلالت، بتعاون مع بعثة أجنبية تضم باحثين من ألمانيا وببريطانيا وبلجيكا وكذا طلبة من جامعة (لايبتزيك) بألمانيا.