الأطفال في الحرب.. جريمة التجنيد

تجنيد الأطفال تعد جريمة حرب سواء أكان تجنيدهم طوعيا بإرادتهم بإجبارهم تحت القوة

تتبنى قواعد القانون الدولي الإنساني الحماية العامة للأطفال من آثار النزاعات المسلحة، في إطار الحماية التي توفرها للسكان المدنيين بشكل عام طبقا لما نصت عليه المادة (48) من البروتوكول الإضافي الأول، ووفق المادة (38/ 4) من اتفاقية حقوق الطفل: (تتخذ الدول وفقاً لالتزاماتها بمقتضى القانون الإنساني الدولي بحماية السكان المدنيين في المنازعات المسلحة، جميع التدابير الممكنة عملياً لكي تضمن حماية ورعاية الأطفال المتأثرين بنزاع مسلح).

تحرير الأطفال الجنود

إن السعي لتحرير وتسريح الأطفال المنخطرين في نزاع مسلح أهم وأنجع الخطوات لمعالجة أوضاع الأطفال الجنود؛ وهذا ما تبنته الالتزامات الخاصة المنصوص عليها في وثيقة (التزامات باريس لحماية الأطفال المجندين أو المستخدمين بصورة غير مشروعة من جانب قوات أو جماعات مسلحة) التي أوجبت السعي إلى تحرير جميع الأطفال المجندين أو المستخدمين بصورة غير مشروعة من قبل مجموعات أو قوات مسلحة، بدون شروط وبصفة دائمة، بما في ذلك أثناء فترات الصراعات المسلحة، والذي يحتم كذلك عدم ربط الأعمال الرامية إلى ضمان تحرير هؤلاء الأطفال وحمايتهم، وإعادة دمجهم باتفاق لوقف إطلاق النار، أو اتفاق سلام، أو بعملية تحرير أو تسريح لفائدة الكبار.

كما دعت إلى ضمان اعتبار هولاء الأطفال، متى ما اتهموا بجرائم من وجهة نظر القانون الدولي، أولا وقبل كل شيء، كضحايا خرق القانون الدولي وليس فقط كمذنبين مفترضين. وأوجبت معاملتهم وفق المعايير الدولية لقضاء الأحداث، مثلا، في إطار عدالة إصلاحية وفي إطار إعادة الإدماج في المجتمع.

أما مبادئ باريس فقد عالجت حق الأطفال في التحرر من القوات المسلحة أو الجماعات المسلحة، معتبرة تجنيد الأطفال أو استخدامهم في النزاعات المسلحة انتهاكا لحقوقهم؛ ودعت للقيام بأنشطة وقائية، والسعي بصورة دائمة إلى تحرير الأطفال المجندين أو المستخدمين بصورة غير مشروعة وحمايتهم وإعادة إدماجهم، بدون شروط، ودون أن يكون ذلك رهنا بعملية موازية لتحرير أو تسريح الكبار.

كما أوجبت وضع ترتيبات خاصة لفائدة الأطفال عند وجود عمليات نزع سلاح وتسريح وإعادة إدماج رسمية، على أن غياب عملية رسمية لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، لا ينبغي أن يحول دون مواصلة الأنشطة بهدف تحرير الأطفال من قوات مسلحة أو جماعات مسلحة، وقد تستلزم هذه الأنشطة أو تشمل مفاوضات منفردة مع قوات مسلحة أو مجموعات مسلحة لا علاقة لها بالأهداف العامة المرتبطة بالإصلاح الأمني، أو بعمليات تفاوض رسمية أخرى. وعند وجود عمليات رسمية، يجب التواصل بقصد ضمان دعم منسق وشامل لإعادة إدماج الأطفال ومجتمعاتهم المحلية التي سيعودون إليها .

وقد نصت المادة (39) من اتفاقية حقوق الطفل على إعادة الإدماج، فأوجبت على الدول الأطراف اتخاذ كل التدابير المناسبة لتشجيع التأهيل البدني والنفسي، وإعادة الاندماج الاجتماعي للطفل الذي يقع ضحية أي شكل من أشكال الإهمال أو الاستغلال أو الإساءة، أو التعذيب أو أي شكل آخر من أشكال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أو المنازعات المسلحة. ويجرى هذا التأهيل وإعادة الاندماج هذه، في بيئة تعزز صحة الطفل، واحترامه لذاته، وكرامته.

جريمة استخدام الأطفال في الحرب

جرم نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية الانتهاكات الخطيرة للقوانين والأعراف السارية على المنازعات الدولية المسلحة وأهمها: تجنيد الأطفال واستخدامهم للمشاركة فعليا في الأعمال الحربية، إلا أنه تبنى السن التي نص عليها البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف، وأهمل ما جاء به البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل، واعتمد على مبدأ المساءلة الشخصية لمن ارتكبوا تلك الأفعال الإجرامية، وسعى لمنع إفلاتهم من العقاب، وسوف نناقش ذلك في ثلاثة مطالب.

نصت المادة (8) من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية تحت عنوان (جرائم الحرب) على: (2)- لغرض هذا النظام الأساسي تعني "جرائم الحرب: (...). ب- الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقوانين والأعراف السارية على المنازعات الدولية المسلحة في النطاق الثابت للقانون الدولي، أي، أي فعل من الأفعال التالية: (...) (26)- تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر إلزامياً أو طوعياً في القوات المسلحة أو استخدامهم للمشاركة فعلياً في الأعمال الحربية".

إن النص أعلاه يجرم فعلين متعلقين بانتهاك المعايير الدولية في تجنيد الأطفال وإشراكهم في الأعمال العدائية، ويعد أي منهما جريمة حرب، وهما:

1- تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر -إلزاميا أو طوعيا- في القوات المسلحة.

2- استخدام الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر فعليا للمشاركة في الأعمال الحربية.

ووفقا لهذا النص يعد تجنيد الأطفال جريمة حرب، سواء أكان تجنيدهم طوعيا بإرادتهم، أو بإجبارهم عن طريق إكراههم بالقوة للانضمام إلى القوات المسلحة النظامية أو غير النظامية، ولا فرق في أن يكون التجنيد في نزاع مسلح دولي أو نزاع مسلح داخلي.

وعلى الرغم من أن الفعل الثاني (استخدام الأطفال فعليا في الأعمال الحربية) يتطلب وجود نزاع مسلح قائم يتم استخدام الأطفال فيه، فإن الفعل الأول (تجنيد الأطفال في القوات المسلحة) لا يتطلب أن يكون هناك نزاع مسلح قائم، فيكفي أن يجند الأطفال في قوات مسلحة بدون وجود نزاع مسلح لتقوم جريمة الحرب بصورة التجنيد، ومثلما لا يشترط قيام نزاع مسلح لتجريم تجنيد الأطفال كجريمة حرب، فإنه لا يشترط مطلقا إشراكهم في نزاع مسلح لتقوم هذه الجريمة؛ لأن التجنيد يكفي وحده في هذه الحالة.

وتقوم جريمة الحرب في صورتها (استخدم الأطفال في نزاع مسلح) سواء أكان دولياً أم داخلياً، كما يستوي أن تكون مشاركتهم بصفة مباشرة بحمل السلاح، وهذا يعطيهم صفة مقاتلين، أو يكون اشتراكهم بطريقة غير مباشرة وذلك عن طريق نقل الذخائر والمؤن، ونقل وتداول الأوامر واستطلاع وجلب المعلومات والقيام بالعمليات التخريبية وأعمال التجسس والاستخبارات أو غيرها.

لكن يشترط في كلا الصورتين "التجنيد والاستخدام" أن تقوم الظروف العامة لجريمة الحرب، وهي أن ترتكب أفعال تجنيد أو استخدام الأطفال في إطار خطة أو سياسة عامة، أو ارتكابها في نطاق واسع سواء في النزاعات الدولية أو الداخلية، باعتبار أن أعمال تجنيد الأطفال أو استخدامهم، تعتبر انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني.

على الرغم من أن هذا النص يعتمد السن الذي تبناه البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف بشأن تجنيد الأطفال؛ وهو سن الخامسة عشرة، فإنه لا يراعي الأحكام التي جاء بها البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل، الذي فرق بين التجنيد الطوعي في القوات المسلحة النظامية الذي أجازه في سن الخامسة عشرة، وبين التجنيد الإجباري في القوات المسلحة النظامية الذي منعه إلا لمن هو في الثامنة عشرة من العمر، كما أن البروتوكول الاختياري رفع سن الاشتراك في الأعمال العدائية إلى الثامنة عشرة، وحظر التجنيد الطوعي والإجباري للجماعات المسلحة بشكل كامل.

إلا أن ذلك يتوجب أن تتضمنه القوانين الوطنية للدول المصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل، الذي يعتبر تطورا مهما في مفاهيم وجهود منع اشتراك وتجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة.