الأطباء المهرة عملة نادرة في العراق

النظام الصحي في العراق بلا أعمدة

بغداد - يقول أبو سمير أخصائي الاذن والأنف والحنجرة انه لم يتبق له سوى زميل واحد يتصل به بعد موجة نزوح جردت العراق من نحو 70 بالمئة من أمهر اطبائه.

وقال الطبيب (66 عاما) الذي طلب عدم نشر اسمه كاملا "دفتر أرقام الهاتف الخاص بي أصبح خاليا. من بين 50 رقما لم أجد سوى اسم واحد من الأطباء المتخصصين الذي أعرفهم".

وفر الأطباء المتخصصون بأعداد كبيرة من بغداد ومدن أخرى منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 وأطاح بحكم الرئيس صدام حسين أغلبهم سافر للخارج أو انتقل الى اقليم كردستان الآمن نسبيا.

وأصبح الاطباء المتخصصون الذين كانوا ذات يوم من علية القوم في بغداد هدفا للمسلحين والمتشددين والخاطفين الساعين لفدية كبيرة.

ويقول ناظم عبد الحميد قاسم نقيب الأطباء العراقيين ان ما بين 60 و70 بالمئة من 2326 طبيبا متخصصا تتراوح خبرتهم بين 15 و20 عاما غادروا العراق.

وأضاف انه من بين كبار المستشارين الذين تزيد خبراتهم عن ذلك غادر البلاد نحو 80 بالمئة.

وأضاف انهم فعلا أعمدة النظام الصحي في العراق ومن حلوا محلهم من حديثي التخرج لا يمكن الوثوق بهم.

وحتى في عهد صدام عندما كان الاطباء في المستشفيات الحكومية يتقاضون رواتب بسيطة كان المتخصصون يكسبون جيدا من العيادات الخاصة.

وفي ثمانينات وتسعينات القرن الماضي كان المرضى من كردستان العراق يأتون الى بغداد للعلاج على ايدي احد كبار المتخصصين في العاصمة.

والان انقلب الوضع وأصبح اهالي بغداد ينضمون لغيرهم من العراقيين من مدن مضطربة في التوافد على كردستان او السفر للخارج بحثا عن العلاج في أمان وراحة.

ومن الخيارات القليلة المتبقية البقاء دون علاج أو محاولة البحث عن طبيب بالمؤهلات المطلوبة من بين المتبقين في البلاد.

وقال قاسم متأثرا وهو يجلس خلف مكتبه الكبير في مبنى النقابة ان ادارة مجلس اطباء العيون مغلقة الان بسبب عدم وجود اساتذة.

وقال أبو فرح طبيب العيون بمستشفى ابن الهيثم للعيون ان المتخصصين حديثي التخرج لا يمكنهم شغل الفراغ الذي تركه الاطباء الكبار الاكثر خبرة. ومن بين 25 متخصصا بالمستشفى قبل 2003 لم يتبق سوي اثنين او ثلاثة.

وقال أبو فرح ان خروج الاطباء المتخصصين تباطأ في الفترة الاخيرة لان أغلبهم غادروا بين عامي 2004 و2005.

وقال أبو فرح الذي طلب كذلك عدم نشر اسمه بالكامل "ليس هناك من يحل محلهم. العديد من المستشفيات تعاني من الافتقار للمتخصصين".

وتابع "الكوادر الجديدة هي التي تدير المستشفيات حاليا. لديهم شهادات جيدة لكن تنقصهم الخبرة التي تلعب دورا كبيرا في تشخيص الامراض واتخاذ قرارات مهمة تتعلق بصحة المريض".

وعندما تظهر فرصة عمل جيدة في الخارج لا يتردد الأطباء الكبار الذي واجهوا مخاطر الخطف وما هو أسوأ وعانوا من تداعي الخدمات العامة وانخفاض الاجور.

وسافرت أم نبيل (55 عاما) من مدينة كربلاء الشيعية جنوبي بغداد الى عمان الشهر الماضي بحثا عن رعاية طبية بعدما لم تتمكن من العثور على طبيب أمراض نساء مناسب في بغداد.

وقالت "كنت اتردد على طبيب في بغداد لكنه ذهب. ذهبت الى عدد من الاطباء بعد ذلك ولكن كلما انتظمت على زيارة أحدهم أسمع انه رحل".

كما ان البحث عن متخصص جيد أمر محفوف بالمخاطر. فرغم تراجع اعمال العنف بدرحة كبيرة في الشهرين أو الاشهر الثلاثة الماضية الا ان مخاطر الهجمات ظلت قائمة. وقتل 15 شخصا الاربعاء الماضي في انفجار سيارة ملغومة في حي الكرادة المزدحم في وسط بغداد.

وتعاني أم عقيل (56 عاما) وهي مهندسة متقاعدة من التهاب مزمن في المفاصل واستشارت ممارسا عاما بعد ان ذهبت الى شارع المغرب في جنوب بغداد الذي كان ذات يوم مزدحما بكبار المتخصصين لتجده شبه مهجور.

وقالت "اذا احتجت لطبيب متخصص فيجب ان تبحث كثيرا".

وأضافت "الامر صعب علي لذلك وجدت ان من الأسهل الذهاب لطبيب قريب. اعرف انه ليس متخصصا لكنه أفضل من لا شيء".

وقال قاسم انه يفضل ان يبقى الأطباء في الخارج عن أن يعودوا للبلاد ويعرضوا حياتهم للخطر.

وقال ان خمسة من أصدقائه قتلوا. وأضاف ان من المهم للعراق ان يبقي على سلامتهم فقد يعودون في المستقبل.