الأصابع الإيرانية تلوث الصراع السياسي في البحرين

ليست الحالة الشيعية في البحرين قضية طارئة ولا وقتية بل هي قديمة ومستمرة تتمثل في العلاقة بين حاكم ومحكوم، ملك وشيخ، فرس وعرب. قد تكون حالة مكررة في دول عربية عدة حيث تعاني العلاقات السياسية فيها من انسداد الأفق لكنها في البحرين أكثر من ذلك حيث تبرز عوامل متعددة لعل أهمها الهوية الطائفية والعرقية، الباحث عبدالعزيز الخميس يستعرض الصراع السياسي في البحرين .

تؤدي الطائفة دوراً مهماً في الصراع السياسي البحريني وبعد أن كانت البحرين في طريقها لتقديم أنموذج فريد من نوعه في التعايش السلمي والعلاقات المحكومة بدستور وحريات، وصل السياسيون هناك إلى طريق مسدود، ويا ليتهم بحثوا عن مخرج في هذا النفق، إذ انشغلوا في العراك والصراع واستحالت شوارع المنامة والمحرق إلى ساحات صراع تغّلب فيها الفتية، ولوّنها الهوجاء بألوانهم الفاقعة. وتفنن الكاذبون فيها بصورهم المعدلة، رسميين كانوا أو معارضين.

من قاد البحرين الى كربلاء جديدة؟ ومن أعتقد أن الدم يمكنه أن يقرب المواطن لوطن يعشق الحياة؟ هل هم أصحاب العمائم والعباءات سنة وشيعة؟ أم تعنت نظام حكم لا يود أن يفقد سيطرته ومصالحه ويرفض إشراك المواطنين في الحياة السياسية إلا وفق شروطه؟

هل تفرغ صانع القرار السياسي في البحرين لإحباط الاحتجاجات، واستفاد من دعم أنظمة تشبهه؟ أم أن صانع القرار الديني هو من خرج من مسجده ليلوث طهارته بالسياسة ويشارك اهلها فيها مستغلاً البسطاء وعواطفهم نحو المقدس؟

إلى أين تتجه البحرين؟ وهل أصبحت لبنان جديدة وحلبة صراع سعودية – إيرانية؟ أين عقلاء بلد تمتع بمؤسسات متحضرة وكان لؤلؤة الخليج في وقت كان جيرانه يعانون شظف التعايش؟

كيف هي خريطة القوى الشيعية في البحرين باعتبارها اللاعب المهم في الساحة السياسية البحرينية؟ وأين تقف جموعها ومع من وضد أي قوى؟ في هذه الورقة نستعرض الصراع بين النظام البحريني والقوى الشيعية في تلك الجزيرة الصغيرة.

تاريخ الصراع

لم يكن ربيع الثورات العربية جديداً على البحرين، حيث بدأت المواجهات بين أسرة آل خليفة الحاكمة والمكون الشيعي في البحرين منذ ان كانت تحت الحماية البريطانية.

ففي عام 1954 نظمت هيئة الاتحاد الوطني توقيع 25 الف بحريني من أصل 80 ألفاً هم سكان البلاد يطالبون فيها بحريات سياسية أوسع، ثم تطورت الامور في عام 1956 ليتم حل الهيئة وسجن قادتها.

كانت مطالب الهيئة تتلخص في سن دستور للبلاد، إنشاء مجلس تشريعي، السماح للعمال بتأسيس نقابة لهم، تطوير أجهزة الدولة، إصلاح القضاء، وبحرنة الوظائف.

في الرابع عشر من اغسطس/آب وبعد أن تخلت بريطانيا عن حمايتها للبحرين وأعلن أميرها عيسى بن سلمان آل خليفة استقلال بلاده حتى طالبت إيران بتبعية البحرين لها مما جعل الشعب البحريني يتنادى في استفتاء بإشراف أممي إلى إقامة دولته المستقلة تحت حكم آل خليفة. وكان الاستفتاء تحت إشراف ممثل الأمين العام للأمم المتحدة جينو سباردي.

وأصدر الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة مرسوماً بقانون رقم (12) لسنة 1972 بشأن إنشاء مجلس تأسيسي لإعداد دستور للدولة. وانعقدت الجلسة الأولى للمجلس التأسيسي في 16 ديسمبر/ كانون الأول 1972 بعد أن انتخب البحرينيون 22 عضواً في المجلس واختار الأمير عيسى ثمانية اعضاء لينضم اليهم 12 وزيراً حكومياً مما جعل الغلبة للمنتخبين لا لجناح الحكومة.

وفي 1973 انتخب البحرينيون أعضاء المجلس الوطني الذي كانت له صلاحيات رقابية وتشريعية على الرغم من أن الأمير كانت لديه صلاحيات تنفيذية كبيرة؛ فهو يعين رئيس مجلس الوزراء والوزراء ايضاً.

لكن في 1975 تعرضت التجربة البحرينية الى تطور غير حميد اذ توقفت التجربة بعد أن حل الأمير المجلس بسبب تداعيات الأزمة اللبنانية وازدياد التوتر داخل البحرين بين المكونين الشيعي والسني.

لم يتوقف حلم البحرينيين المعارضين لسياسة آل خليفة في العودة للعمل بدستور 1972. فتم رفع العرائض إلى الأمير مرات عدة وتحت مسميات متعددة منها "عريضة النخبة" و"العريضة الشعبية". وفي عام 1992 قرر الأمير الراحل عيسى بن سلمان أن ينشئ مجلساً للشورى حتى يمتص الإحتقان الشعبي إلا أن التجربة لم تنجح.

وفي عام 2000 قرر الأمير الخلف حمد بن عيسى ان يعود لميثاق العمل الوطني وشكل لجنة لذلك وبدأ الحوار مع المعارضة وصوت الشعب لاحقا في موجة تغيير مبشرة حيث وافق الشعب البحريني بنسبة 98.4% وتضمن ما وافقوا عليه مسودة كانت مقدمتها بعنوان "شخصية البحرين التاريخية حضارة ونهضة"، وسبعة فصول عناوينها: المقومات الأساسية، نظام الحكم، الأسس الاقتصادية للمجتمع، الأمن الوطني، الحياة النيابية، العلاقات الخليجية، العلاقات الخارجية. وكانت خاتمتها بعنوان "استشرافات المستقبل" والتي اشتملت على فقرتين أولاهما عن مسمى دولة البحرين والثانية عن السلطة التشريعية.

بعد ذلك تنفس الملك الصعداء وأقدم على تغيير مسمى دولته الصغيرة إلى مملكة وتغيير مسمى منصبه من أمير إلى ملك. ثم شرع إجراء إنتخابات برلمانية حرة ومباشرة (24 أكتوبر/ تشرين الأول 2002) لاختيار أعضاء مجلس تشريعي (برلمان).

لكن هذه الجزيرة الجميلة وشعبها المشهور بالطيبة والتحضر لم يلبث إلا وثارت طائفته الشيعية على الملك، وجعلت الأنظار تتجه إلى صراع طائفي قاس يدفع الباحث إلى تسليط الضوء عليه.

أهداف المتصارعين

تنقسم الطائفة الشيعية في البحرين إلى قسمين؛ أولهما يساند الاندماج مع الدولة والمؤسسة الملكية والآخر يرفض بل يعارض الدولة.

دعونا نراجع مع الحكومة البحرينية نظرتها الى الطيف الشيعي ففي وثيقة تسربت وحصل موقع "ميدل ايست اونلاين" على نسخة منها وهي حول نشاطات المنظمات والجمعيات الشيعية في البحرين يمكننا ان نرى ان السلطة في البحرين رأت منذ عام 2004 أن عدوها الأول هو المجلس العلمائي. وهي تتهم هذا المجلس بأنه يشكل رأس الحربة الإيرانية في البحرين ومركز العمليات القائد والموجه لنشاطات المؤسسات والفعاليات الشيعية.

وتصف الحكومة البحرينية المجلس العلمائي بأنه يمثل ولاية الفقيه في البحرين ويأتمر بأمرها ويعتبر وسيلتها لتوحيد الجهد الشيعي وراء إيران بعد أن تنصاع جميع التيارات للمجلس وتصبح تابعة له.

وتعتبر الحكومة المجلس العلمائي جهة معارضة لشرعية الملك والدولة ومهددة للسيادة الوطنية وترى أن المجلس يسير بخطوات محسوبة نحو إسقاط استراتيجية الأمن الوطني المتضمنة قوانين الجمعيات السياسية والتجمعات والإرهاب وغيرها، وإن كل هم المجلس هو الاستيلاء على الحكم.

وتعمل الحكومة حسب الوثيقة على تحجيم المجلس العلمائي واحتوائه وإضعافه ودخول معركة قوية معه تستهدف صنع مناخ ديمقراطي يصب في مصلحة النظام ومؤسساته، كما يتم إضعاف المجلس عبر إنشاء مجالس بلدية مسؤولة تكسب المواطنين بدلاً من أن تتركهم لأداة المجلس الكبيرة وهي جمعية الوفاق الإسلامية. مع تحفيز الشارع السني للوقوف ضد التدخل الإيراني عبر المجلس العلمائي في شؤون البحرين وتعزيز الوحدة الوطنية.

محاور الصراع

بدأت الحكومة البحرينية بتنفيذ خطة أهم ما فيها احتواء دعاة ولاية الفقيه الممثلة في القيادة الميدانية للمجلس العلمائي. ومن أجل ذلك شكل مشروع سياسي حكومي برئاسة رئيس الديوان الملكي، وكان هدف المشروع إحكام السيطرة الأمنية والسياسية والتنظيمية والدينية على المجلس ودعاته ومناصريه. ودعم الكتل الشيعية المستقلة والمحايدة والمؤيدين من الشيعة للمشروع الإصلاحي الملكي وتطويرها كي تصبح بديلاً إيجابياً عن المجلس العلمائي داخل المكون الشيعي.

من جانبه يقوم المجلس العلمائي بتركيز جهوده على التجمعات السكانية الشيعية لصنع حس طائفي عالٍ لا يرتبط بقضايا محدودة فقط بل يرتقي إلى أن يصبح فاعلاً وطنياً وإسلامياً.

ويحاول المجلس تقديم وصفات مهمة للبحارنة تتعلق بأمنهم واهتماماتهم وتطلعاتهم وقضاياهم المصيرية وتساعد المواطن الشيعي على تكوين موقف مبدئي على المستويين الفردي والاجتماعي لكن على أن يكون هناك قدرة على التغير بتغير الظروف المعيشة المحلية والإقليمية والعالمية.

على المستوى البحريني تشير الوثيقة التي حصل عليها الموقع إلى أن المجلس العلمائي يقوم بطرح قضايا للنقاش شعبياً وهي:

التجنيس وازدواجية الجنسية، التمييز الطائفي، الإصلاحات الدستورية، الفساد المالي والأخلاقي، التوزيع العادل للثروة، البطالة، الخدمات، والبيئة.

وعلى المستوى الإقليمي يعمل المجلس على جعل أنصاره على دراية بأن عليهم الوقوف مع قضية فلسطين وتقاطعاتها مع أوضاع لبنان وفهم الحرب الداخلية في العراق وقبل كل شيء التضامن مع إيران.

يعمل المجلس بواسطة أدواته التنظيمية (جمعية الوفاق، حق) على استهداف الشباب البحريني وضمن برنامج بناء ثقافي وعقائدي يعتمد حسب الرؤية الحكومية على نشر ثقافة التمرد والعصيان والثورة وقيم السيف والدم وتكثيف رموز "المظلومية" التي تتصل بالتاريخ الاسلامي مما يعزز تدريجياً من قوتها وفرض نفوذها الأدبي. وهي تختلف عن الكتل السياسية الاخرى التي تفتقد لمنهاج عقائدي منظم.

تتهم الحكومة المجلس العلمائي بأنه يعمل على تشويه تجربة الإصلاح والتحول الديمقراطي ونظمها والقائمين عليه، وإن المجلس يحشد الرأي العام ضد الدولة. ويعمل على إثارة الفتن والقلاقل وزعزعة الاستقرار وتحويل الولاء للمرجعية الشيعية الممثلة بالمجلس العلمائي.

ويقوم المجلس العلمائي بهجوم علني ومبطن ضد الملك البحريني بهدف هز هيبة رموز الحكم وبث الإشاعات السلبية ضدهم.

ويتهم أنصار الملك المجلس العلمائي بأنه قام وبعملية ممنهجة بتجريد تدريجي في خطابه السياسي للشرعية السياسية للملك ووضع بديلا عن ذلك شعاره "الملك الرمزي لحمد والحكم الفعلي لآية الله قاسم" ويقصدون بذلك الرمز الديني عيسى أحمد قاسم وهو رجل إيران في البحرين كما يصفه أنصار الملك.

ولإضعاف الملك يعمد المجلس العلمائي إلى إقصاء الطائفة السنية عن ثوابتها وشل حركتها وبذر اليأس والانهزامية والإحباط بين صفوفها. والترميز الإيجابي لكوادر المعارضة وإضفاء صفات البطولة والتضحية على القائمين بالعنف ودعاته.

وتشير أوساط أنصار الملكية إلى أن المجلس العلمائي بدأ باستعراض عضلاته الميليشيوية حيث استثمر عدة مناسبات تجمع لينشر شباب من انصاره بزي موحد ليشرفوا على حركة المرور خارج مقرات الاجتماع. ووقف بعضهم حراساً شخصيين بجوار زعمائهم وهم يلقون خطباً حماسية في مقاربة للشكل الميليشي لحزب الله في لبنان. بل إن الأمر تجاوز ذلك لعقد مخيمات تدريب جسمانية وعقدية وروحية بشكل دوري.

في المقابل كانت الحكومة البحرينية تعرف جيداً ما يحدث لكنها اعتمدت على قواها الرسمية التي هي جزء من الدولة وسط مطالبات من أعداء المجلس العلمائي بأن يكون الرد بالمثل وتكوين محاضن وجهات مستقلة عن الدولة تمارس نفس الدور التحريضي ضد المجلس وبنفس الأدوات لإظهار قوة مكونة من سنة وشيعة مخلصين للملك ولنظام منفتح متحضر يرى أن "البحرين أولاً" هو الشعار الوحيد المحترم في الجزيرة.

وفي الوقت الذي كان فيه المجلس العلمائي يحشد أنصاره لمواجهة الملك كان الملك يتيح حق التجمع والمسيرات والمظاهرات تبعا للدستور وأصبحت البحرين أكثر دولة في المنطقة تخرج فيها مسيرات ومظاهرات بل أن الدولة كانت تحميها وتسهل مساراتها.

ووصل الأمر من التسامح إلى ان يتمتع المطبِّرون من الشيعة اثناء مراسم الاحتفال بعاشوراء بالحصول على تعقيم لسيوفهم وسكاكينهم من قبل سيارات الهلال الأحمر الحكومية حرصاً على سلامتهم.

حاول الملك وأجهزته حصر اللعبة السياسية تحت إطار مؤسسته وعبر تقاليد بحرينية تحترم وجوده السياسي، لكن ممثلي ولاية الفقيه في البحرين لم يعترفوا باللعبة وتمردوا عليها في أول شرارة ثورية عربية معتقدين أن الوقت قد حان للتحرر من رقبة الملكية والإطاحة بالنظام وتدشين أول جمهورية إسلامية شيعية في العالم العربي كما يشيع أنصار الملك.

آلية الصراع

حسب الرؤية المحسوبة على النظام البحريني يتم وصف ما يدور في البحرين حالياً على أنه صراع قوي بين علي أكبر خامنئي وحمد بن عيسى آل خليفة؛ وهذا هو بإختصار ما يحدث في البحرين، دون مواربة أو حياء علمي.

والحديث عن المطالبات المدنية السلمية للشعب البحريني أمر فيه شيء من الصحة لكن يجب الأخذ بعين الإعتبار أن المعركة هي بين إيران والبحرين، بين أطماع قديمة تستغل أوضاعاً حديثة منها الثورة العربية بشبابها وآمالها والمطالبات الشعبية بالاصلاح.

لا ينكر أحد أحقية أهل البحرين في تطوير نظامهم السياسي، لكن من يستبعد التدخل الإيراني في الصراع يوهم نفسه، فالوثائق والتصريحات وورش العمل والمؤتمرات تتحدث عن حلم إيراني لا بد وأن يتحقق على حساب عروبة البحرين وباستعمال مطالب اهلها.

ولنستعرض هذه المطامع عبر هذه التصريحات لمسؤولين إيرانيين:

- عندما حدثت بعض المشكلات الداخلية في البحرين عام 1919، تعالت نداءات عديدة في إيران تطالب بتعيين ممثل للبحرين في البرلمان الإيراني، وإجراء الانتخابات فيها.

- إيران كانت وراء الاضطرابات التي شهدتها البحرين عام 1922 حيث كانت تحرض بعض السكان من ذوي الأصول الإيرانية على إحداث هذه الاضطرابات.

- في شهر حزيران/ يونيو 1922 أرسلت القنصلية البريطانية في بندر عباس تقريرا إلى حكومتها، جاء فيه أن موظفي الجوازات الإيرانية في ميناء بندر لنجة قاموا بمصادرة جوازات السفر من رعايا البحرين القادمين لإيران لزيارة الأماكن المقدسة، وأعلنوا اعتبارهم من رعايا إيران.

- في عام 1923، شدد القنصل الإيراني في النجف الاشرف على جميع الإيرانيين والمواطنين في البحرين بضرورة تسجيل أسمائهم لدى القنصلية الإيرانية في النجف الاشرف.

- في عام 1927 احتجت إيران على المعاهدة التي تمت بين الملك عبدالعزيز بن سعود والحكومة البريطانية والتي تعهد فيها الملك عبدالعزيز بإبقاء علاقات الصداقة والسلم مع الكويت والبحرين وقطر والساحل العماني الذين كانت لهم علاقات خاصة مع الحكومة البريطانية، وقد ذكرت إيران في احتجاجها بأنها لا تعترف بوجود معاهدة بين البحرين وبريطانيا وأن ما ورد في معاهدة الملك عبدالعزيز يُعد انتهاكاً للسيادة الفارسية على مقاطعاتها الإقليمية.

- في عام 1927 كذلك لجأت إيران إلى أسلوب آخر، وهو إرسال عملائها ومهاجريها بغية تأليب شعب البحرين ضد حكامه، وإثارة الفتنة الطائفية في البلاد. وقد جاء ذلك في المذكرة التي بعث بها المقيم السياسي البريطاني في الخليج إلى حكومة الهند، حيث قال "إن البحرين أصبحت قاعدة للمؤامرات الإيرانية ويجب إيقاف الهجرة الإيرانية المكثفة إلى البحرين".

- في عام 1934 اعترضت إيران على توقيع البحرين عقداً مع إحدى الشركات الأجنبية بخصوص امتيازات النفط، وقالت إن هذا الاتفاق تم بدون موافقة إيران وإنها تحتفظ بحقها في حالة الربح أو التعويض في حالة الخسارة.

- عمدت إيران إلى تكثيف موجات الهجرة إلى البحرين، مما اضطر حكومة البحرين إلى إصدار قانون الجنسية والملكية في عام 1939، للحد من حصول الإيرانيين على الجنسية البحرينية.

- في 12 أيلول/ سبتمبر عام 1945 ضمنت جريدة "نيروز إيران" مقالها الرئيسي، الحديث الذي أدلى به وزير الخارجية الإيراني في المجلس النيابي حيث طالب الولايات المتحدة بالتريث في استخراج النفط من الحقول البحرينية “نظراً للحقوق الإيرانية وملكيتها في البحرين".

- قام البرلمان الإيراني في عام 1946 بإصدار قرار يقضي بعزم إيران على ممارسة سيادتها على البحرين وتطبيق الرسوم البريدية الداخلية على الرسائل الصادرة إلى البحرين.

- في عام 1951 أصدرت وزارة التعليم الإيرانية قراراً يقضي بأن يدرس التلاميذ في المدارس أن البحرين تنتمي لإيران.

- أعلنت إيران في عام 1957 قراراً بإلحاق البحرين بالتقسيمات الإيرانية وفي عام 1958 خصصت في برلمانها مقعدين عن البحرين شغلهما كل من المدعو عبدالله الزبرة والمدعو عبدالحميد العليوا.

- أصدرت الحكومة الإيرانية في عام 1975 قراراً جديداً يقضي بضم البحرين ـ التي أطلق عليها القرار اسم الإقليم الرابع عشر ـ إلى الأراضي الإيرانية.

- صرح شاه إيران محمد رضا بهلوي في 4 كانون ثاني/ يناير عام 1969 أثناء زيارته لنيودلهي، بشأن سياسته تجاه البحرين قائلاً "إن جزر البحرين فصلها الإنجليز عن بلادنا قبل مائة وخمسين عاماً، وألحقوها بإمبراطوريتهم."

- حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان الإيرانية الشهيرة ومستشار المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي في يوليو/تموز عام 2007 يصرح بأن البحرين هي جزء من إيران.

- علي اكبر ناطق نوري رئيس التفتيش العام فى مكتب قائد الثورة الإسلامية خامنئي في مدينة مشهد الإيرانية في فبراير/شباط 2009 يدعى بتبعية البحرين لإيران واصفاً اياها بأنها كانت فى الأساس المحافظة الإيرانية الرابعة عشرة وكان يمثلها نائب فى مجلس الشورى الوطني.

- تصريحات لرئيس الأركان الإيراني اللواء حسن فيروز آبادي في 30 ابريل/نيسان 2011 هاجم خلالها منطقة الخليج، وقال إنها معادية لإيران وادعى أن "هذه المنطقة كانت دائما ملك إيران".

بعد هذا التسلسل التاريخي يمكننا ملاحظة كيف أن الاطماع الإيرانية لم تتوقف في البحرين وإن كانت قد أعلنت اعترافها بالبحرين كدولة مستقلة أيام الشاه إلا أنها لا تلبث بين فترة وأخرى وتعود لإعلان مطامعها. كانت سابقاً بسبب الطمع في البترول الذي أكتشف في التو، وهي اليوم ضمن توسيع النفوذ السياسي والاقتراب من الأراضي المقدسة في جزيرة العرب.

الآليات الحكومية

حسب الوثيقة الحكومية الموجهة ضد المجلس العلمائي يمكننا قراءة أن هناك استراتيجية رئيسة ضد المجلس العلمائي الذي تتهمه الحكومة البحرينية بأنه إيراني التأسيس والعمل والاهداف.

تتضمن الاستراتيجية محاور أولها، إعداد وتنظيم قاعدة بيانات معلوماتية عن أنصار ولاية الفقيه في البحرين والتي تعمل عبر المجلس العلمائي وتجنيد قوى حكومية لذلك مثل الأمن الوطني والمباحث ووزارة الشؤون الاسلامية والأوقاف والعدل والشئون الاجتماعية.

المحور الثاني: إعادة إحكام السيطرة والاحتواء الكامل على مراكز نفوذ المجلس العلمائي لتجسيد الحضور الوطني الفاعل.

والمحور الثالث: إستحداث هيكل تنظيمي بديل لإدارة ومتابعة شؤون إعادة تأهيل مناصري ولاية الفقيه، بمهام وآليات وبرامج مدروسة ومحددة لتوجيههم نحو تبني الولاء للثوابت الوطنية كما حددها الملك.

لتنفيذ هذه الإستراتيجية قامت الأجهزة الأمنية البحرينية بجهد كبير حيث جندت عناصر ومصادر ترددت يومياً على اماكن شيعية ونظمت ودعمت نشاطات إعلامية وترفيهية ودينية لمنافسة نشاطات الجهات المعادية للحكومة. وحاولوا مقاومة التمدد الكبير للمجلس العلمائي والذي قاوم بكل شراسة التدخل الحكومي ووظف أموالاً (يعتقد النظام انها تأتي من إيران عبر شخصيات شيعية في الكويت) ورجالاً لتخوين أي متعاون مع النظام أو حتى أي مستقل فكراً وعملاً عن ولاية الفقيه.

حاول النظام البحريني أن ينجز مهام عصية لاحتواء قوة المجلس العلمائي ومناصريه وكانت مهمته الشبه مستحيلة والتي قضى وقتاً طويلاً لتنفيذها خلق بديل فاعل لنفوذ ولاية الفقيه المتمثلة بالمجلس العلمائي فأسس وحدة مستقلة في جهاز الأمن الوطني مختصة بتحليل ورصد النشاط الديني الشيعي وحتى السني.

حاول النظام أيضا تغطية الشواغر في أماكن العبادة بأئمة لا يحسبون على ولاية الفقيه ومجلسها العلمائي. ونظم برامج وآليات لإعادة التأهيل التعليم الديني في معهد التعليم الجعفري في الجفير لتكون بديلاً ناضجاً للمحسوبين على ولي الفقيه. كما قامت الوحدة المختصة بحصر الخريجين في العلوم الدينية لاختيار أفضلها لدعمها كي تكون بديلاً مناسباً أفضل من مناصري المجلس العلمائي. كما شجع الاتجاهات الفقهية والفكرية والسياسية المنافسة لولاية الفقيه من خلال فعاليات شاملة ومتكاملة مثل ورش العمل والدعوات الشخصية والزيارات والمطبوعات والمؤتمرات.

زادت استراتيجية الاحتواء التي اتبعتها الحكومة ضجيجاً حينما قامت بالتوجه إلى استعمال الصحف الوطنية والإذاعة والتلفزيون لترسيخ حملتها ضد المجلس العلمائي. لكن كلما ارتفع صوت مناهضة المجلس كسب المجلس دعماً ومصداقية لدى الشباب الشيعي.

آليات المعارضة

كان الصراع بين الكتل السياسية المعارضة للحكومة لا يتوقف. فلم تصفُ الأيام للنظام ولم تستطع المعارضة التفرد في الساحة الشعبية، وكانت دور العبادة هي حلبة الصراع بين الطرفين وارتبطت بأحداث عاشوراء حيث استغلت المعارضة دور العبادة سياسياً وتمثلت المآتم الحسينية مكاناً وزماناً لا يحسد النظام على وضعه فيها.

واجه النظام على المستوى الشيعي المجلس العلمائي والذي أدى دوراً كبيراً منذ ان حاول الملك تأسيس ملكية دستورية شرعية لم تطب له الايام لإنجازها، ووقف المجلس العلمائي غصة في حلق النظام ومشروعه. قام المجلس بقيادة معارضة مستمدة من فكر ولاية الفقيه تعارض شرعية الدولة وتهدد سيادتها.

كان السبب في إنشاء هذا المجلس هو غياب مرجعية دينية موحدة لشيعة البحرين. ذلك هو الهدف المعلن لكن الهدف الذي تروج الحكومة أنه السبب، هو الرغبة الإيرانية في السيطرة على الساحة الشيعية وتوجيهها لتنفيذ أهدافها.

المدافعون عن المجلس يرون أن الركيزة المهمة لفهم الوضع الديني في البحرين بل السياسي ايضاً هو أن هناك تشظياً واضحاً داخل الطائفة، والتقليد متغير ومختلف ومتعدد مما يمكن لكثيرين من العمل بحرية داخل الوسط الشيعي اسوة بالدول الخليجية الاخرى لكنه يقود لخسارة فادحة في العمل على إحقاق حقوق الشيعة ومصالحهم.

وللتغطية على الفراغ المرجعي قامت مجموعة مهمة من علماء الشيعة بإنشاء المجلس الاسلامي العلمائي في اكتوبر 2004.

وحسب تصريح عضو الهيئة المركزية للمجلس الشيخ محمد صنقور فكل التيارات الإسلامية (الشيعية) دعيت إلى المشاركة في تأسيس المجلس العلمائي وأن المهمة الأساسية للمجلس ترتبط بالشئون الدينية والاجتماعية. لكن نائب رئيس الوزراء وزير الشؤون الإسلامية الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة واجه ذلك ووصف "المجلس العلمائي" بالمخالف للدستور.

بالطبع كان إنشاء هذا المجلس رفضاً لتبعية المؤسسة الدينية الشيعية للنظام وإعلاناً مهماً بالاستقلالية التنظيمية عن جسد الدولة الديني. ويعد المجلس ممثلاً لدعاة ولاية الفقيه كما يتهم من مناوئيه داخل الجسم الشيعي.

يتهم أنصار الملكية في البحرين هذا المجلس بأنه أنشئ لإسقاط النظام البحريني وإن ما تبع إنشاءه من إجراءات وإحتجاجات وصدامات كان مخططاً له من قبل المجلس وباتفاق مع إيران.

في وقت تأسيس هذا المجلس كانت الجهات الرسمية التي أوكل لها تنظيم الشأن الديني كما يصفها التقرير الخاص شبه غائبة عن أن توفق أوضاعها بما تقتضيه التزامات الأمن الوطني، مما أوقع المواطن الشيعي في قبضة التسييس المذهبي والتبعية لولاية الفقيه عبر أنصار المجلس العلمائي.

ومع الإخفاق الحكومي وارتفاع أسهم المجلس العلمائي وجد الأئمة المستقلون أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه، فانبروا في التشدد والتبعية للمجلس العلمائي حتى لا يفقدوا الأنصار بعد طغيان الخطاب التحشيدي للمجلس، وبدت معارضة الأئمة للنظام على أنها شهادة حسن سيرة وسلوك دينية.

ومع تصاعد نشاطات المجلس العلمائي تراجعت هيبة الدولة داخل دور العبادة وأصبحت المساجد كما وصفتها الوثيقة: مشاتل للمعارضة السلبية والتحريض ومحاضن للفكر الإرهابي والتطرف. وبرز في خضم ذلك ما تصفهم الدولة بخطباء الكراهية.

لم تنفع الدولة الإستعانة بتجارب أمنية في مصر وسوريا والاردن وتونس والجزائر كي تعيد هيكلة الفضاء الديني وأنتقلت أجهزة الأمن البحرينية من فشل إلى آخر. قد لا يلام البحرينيون على ذلك، فكيف لهم بالوقوف امام غول مثل إيران وعملائها؟

لكن هل جهود الدولة ومحاربتها لآلة المجلس العلمائي، ذراع إيران القوية في البحرين هي المعارك الوحيدة التي واجهها المجلس؟

الواقع هو أن هناك معارك أخرى تدور على الساحة الشيعية أسوة بساحات شيعية عربية أخرى، صحيح أن الدعم المالي الإيراني لأتباعه قوّى من نفوذ خامنئي، لكن كان هناك من الشيعة من تشغف قلوبهم بعروبتهم وحبهم وفخرهم بقوميتهم وبتشيعهم العربي.

كان الفقيد المرجع آية الله محمد حسين فضل الله شعاعاً حالماً وفردوساً مرغوباً من كثير من البحرينيين، حيث مثلت فتاواه منطقة جذب أقلقت أتباع خامنئي، خاصة أن الفقيد كان يعمل على تقوية حوزة النجف. وقد احترم الكثير من السنة الفقيد بسبب عدم قبوله لروايات كثيرة منها تلك التي تتحدث عن مسؤولية الخليفة عمر بن الخطاب عن وفاة السيدة فاطمة الزهراء.

حاز فضل الله على شعبية كبيرة داخل البحرين وبين شبابها الراغب في تقوية جذوره العربية مع بقائه على التزامه العربي ونتيجة لارتفاع نجم الشيخ قام ولي الفقيه بتسليط آية الله نجاتي من منبره بمسجد الحياك في المحرق ليوقع مع ثمانية علماء من قم على بيان شهير يدينون فيه فضل الله.

لم يكن فضل الله الوحيد الذي قاتل أفكار ولي الفقيه في عقول شيعة البحرين، بل أيضا السيد هاني فحص والذي مثل فكراً تنويرياً لدى شيعة البحرين وكان منفتحاً على الرسميين وكثيراً ما زار البحرين والتقى مسؤوليها وتعاطى مع الشباب البحريني الذي رأى بعضهم فيه رجل دين يمثلهم فهو منفتح على الفنون على الرغم من تخرجه من حوزة النجف.

لم تكن إيران فقط مصدر "شر" للبحرين وشيعتها بل قدمت لهم وجهاً منفتحاً فكرياً يختلف عن ولي الفقيه وأفكاره التي ترغب في ان تكون البحرين تابعة له.

صدرت إيران النقيض للولي الفقيه؛ فقد عاد بحارنة كثر من إيران ومعهم أفكار تقدمية شيعية ليست على مستوى طائفتهم فقط بل على المجال الاسلامي قاطبة فأفكار عبدالكريم سروش ومحمد لغنهاوزن ومصطفى ملكيان والشيخ محمد مجتهد سبتشري، وفدت تحت عنوان فكري كبير هو مدرسة علم الكلام الجديد وتيار المعرفة الدينية، تلك الأفكار ساهمت في إنضاج فكر جديد داخل شباب الشيعة بما تحمله من تعددية دينية وتعايش بين الأديان والثقافات.

وفاق ذلك أن هؤلاء المفكرين لا يحتكرون الحقيقة ولا يدعون أنها لهم وحدهم بل يشاطرون ويتقبلون غيرهم.

ومن بين المدارس الشيعية التي فات على النظام البحريني الوقوف بجوارها في أزماته ضد المتشددين ولا يزال لها أتباع في البحرين مدرسة المرجع محمد الأمين زين الدين وهو بحريني الأصل ويعد أعلى من وصل إلى رتبة دينية بين البحرينيين.

توفي هذا الشيخ المرجع تاركاً وراءه انحساراً قوياً للتيار الإخباري الذي قلده غالبية البحرينيين قبل أن يتحولوا للتيار الأصولي بتأثير من ثورة الخميني.

لن تنسى البحرين لهذا الشيخ أنه وقف بجرأة وشجاعة ضد من حاولوا أن يحرقوا ويخربوا في التسعينات حين حرم ذلك ودعا للوئام الاجتماعي وأن الحقوق تؤخذ بالمطالبة السلمية. وكان أن دفع بسبب ذلك ثمناً كبيراً تمثل في عداوات كثيرة لعل أهمها من الأجهزة الإيرانية.

وإن كانت إيران تكره هذا الرجل فهي كانت على عداء مكشوف ضد فكر الشيخ سليمان المدني وأتباعه ممن لا يؤمنون بولاية الفقيه، فقد تم إحراق سياراتهم والتنكيل بهم من أتباع إيران وسبهم وشتمهم، ووصل الأمر إلى وصف الشيخ بألقاب مثل "أبي الدجاج".

كره أتباع إيران هذا الاتجاه لأنه ينادي بالتعددية وعدم الانسياق وراء ولاية الفقيه، ويقود حالياً محمد طاهر ابن الشيخ المدني بالتعاون مع الشيخ شفيق الشارقي جمعية الرابطة الاسلامية الممثله لهذا التيار، وهي عودة لمسلمات مهمة منها القبول بالتعددية والانخراط في مؤسسات القضاء وبقية مؤسسات الدولة.

تيار آخر قام اتباع إيران بمهاجمته ومحاولة إستئصال شأفته داخل الجسم الشيعي البحريني، وهو جماعة السفارة ـ عبدالوهاب البصري.

ففي يوم ليس بالبعيد حرم أنصار الخميني مؤاكلة أنصار الشيخ البصري أو الزواج منهم أو مشاربتهم أو السلام عليهم في إثبات تراه الحكومة البحرينية إخلال بمواثيق حقوق الانسان من قبل من يتباكون الآن عليها.

كان الخوف الواضح من قبل أنصار المجلس العلمائي يتركز في أن هؤلاء لم ينضووا تحت إمرته مما جعله غير مكتمل التفرد في السيطرة على المسرح الشيعي البحريني.

على الرغم من أن النظام البحريني حاول يوماً أن يلعب على هذه الاختلافات لكنه فشل لسبب واحد، وهو انه يواجه غولاً منظماً لديه إمكانيات كبيرة تفوق ما لدى مملكة صغيرة.

كانت هناك قوى يصورها المدافعون عن النظام بأنها خلاقة للفوضى، مشتتة للوحدة الوطنية، غارزة كل شقاق ونفاق في الجسم الوطني، وخاصة أنها تحرض أبناء الشيعة على نكران وجود دولة، ناهيك عن ملك.

كان الصراع هو بين قوى شيعية عربية حرة لا ولاية لأحد عليها تريد أن تكون ضمن دولة وبين قوى أكبر منها تريد الإنصهار في التبعية لإيران ووليها.

حاولت الحكومة البحرينية الضغط وترسيخ مفهوم المواطنة، لكنها كانت في وادٍ وحراك الشارع الشيعي في واد آخر. وفي ظل نمو نجم إيران وقواها في المنطقة ونجاح حزب الله في خطف الأنظار. وجد الشارع الشيعي نفسه ينساق إلى الأحضان الإيرانية لعل فيها الخلاص.

صحيح أن ما قام به الملك البحريني عام 2000 من محاولة لزيادة إدماج القوى الشيعية في الجسم الوطني قابلها قبول شعبي جيد، لكن ما فتئ الطرفان نظاماً كان أو معارضة أن انساقا وراء ملاحقة بعضهما في التفاصيل، فلم ينه الملك مهمته الإصلاحية ولم تتوقف مطالب المعارضة المتهمة بتلقيها التوجيه من إيران.

قامت المعارضة المتمثلة في جمعية الوفاق الوطني وهي كانت محسوبة على حزب الدعوة وتوجهاته قبل أن يصبح ضمن الآلة الإيرانية في كفاحها لمنع احتكار الملك للسلطة، قامت هي بما حرمته على الملك فحاولت وبذلت الجهد في احتكار التمثيل الشيعي بتوجيه من المجلس العلمائي، وطبقت حرفياً الديكتاتورية الإيرانية التي يقوم بها ولي الفقيه من احتكاره العمل السياسي في إيران بل التمثيل الإلهي على البشرية.

وتبنت حسب الاتهامات الموجهة لها تكتيكات حزب الله فدفعت ملف الإصلاح الدستوري أولاً، واعتبرت أن مشروع الملك استبدادي وبكت كثيراً في أوروبا وأميركا، وفي الوقت الذي كانت فيه تقاوم هذا المشروع انضمت إليه عملياً لتستفيد منه وتنظم نفسها للعمل علانية عبر قانون الجمعيات السياسية. كانت تعمل بثلاث أذرع، ذراع مع المشروع الإصلاحي الملكي، وذراع ثانية مع المعارضين للمشروع، وذراع ثالثة إعلامية خارجية لترويج دعايات مناهضة للمشروع الإصلاحي.

الغريب في الأمر أن هذه الجمعية لم تبايع الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ملكاً على البحرين على الرغم انها في نفس الوقت ضمن المشتركين في ادوات حكمه من خلال الانتخابات وغيرها من ادوات برلمانية.

وحينما يسأل قادتها يقولون إنهم لا يبايعون أي قيادة سنية امتداداً لرفض شرعية أي نظام تكون قيادته سنية منذ أيام الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا يخفي هؤلاء رفضهم لنظام الحكم في البحرين والدعوة للتمرد عليه وان موقفهم يستمد شرعيته من ثورة الحسين على السلطان الجائر.

الجميع ينتظر عودة الإمام الغائب، وحتى يأتي هناك إمام يحل محله في طهران، وقد تطول الغيبة.

كل هذا وحين يتم الحوار معهم يتحدث قادتهم على أنهم مؤسسة سياسية تدعو للنضال السلمي ولا تسيرها أجندة طائفية. وفي تاريخ المجلس العلمائي نجد تسلسلاً تاريخياً تظهر الطائفية واضحة فيه. تدرج من كونه جزءاً من جمعية التوعية الإسلامية والتي تأسست عام 1969 ويقودها المعارض البارز الشيخ عيسى أحمد قاسم وهي تماثل جمعية الثقافة الاجتماعية الشيعية في الكويت ومرت بمراحل مهمة لعل أبرزها تعطيلها من قبل الحكومة البحرينية بسبب علاقتها بالمعارضة في الخارج لكنها أعيدت للعمل في 2002.

ويشار إلى أن أحد أهم أسباب إنشائها مقاومة المد اليساري في البحرين داخل أوساط الشيعة وكان مؤسسوها من خلاصة طلاب الحوزة الدينية في العراق.

قامت هذه الجمعية بانشاء العديد من المدارس ومركز للدراسات الإسلامية. وقد تلقت الجمعية دعماً مالياً مهما من الحكومة البحرينية وبالطبع كان ذلك ليس عشقاً للتشيع بقدر ما كان بسبب توهج اليسار في البحرين وازدياد قوته. وتعتبر الجمعية حين تأسيسها واجهة سياسية لحزب الدعوة الإسلامية في البحرين وللجمعية وأعضائها ارتباطات معروفة بحزب الدعوة العراقي وهو الذي يحكم حالياً في العراق.

أثارت أعمال هذه الجمعية ردات فعل داخل المجتمع البحريني وخاصة السنة منهم، بسبب قيام الجمعية بنشر شعارات شيعية تنتقص من رموز إسلامية محترمة عند السنة مما كان يقف دائما وراء التوتر داخل البحرين كأنه كتب على الأوطان ان تدفع ثمن خلافات سياسية قبل ألف وأربعمائة عام.

تطورت جمعية التوعية الإسلامية سياسياً لتصل إلى التمثل في جسد جمعية الوفاق الوطني الإسلامي والتي تأسست عام 2001 وهي من أكبر التنظيمات الشيعية في البحرين وتعتبر إمتدادا لجمعية التوعية الاسلامية. ولديها قدرة تعبئة كبيرة داخل المجتمع البحريني حيث يمكنها أن تحشد آلافاً في إجتماع لها. ويقدر البعض أعضائها العاملين بألفين وخمسمائة عضو. يقودها حاليا أمينها العام الشيخ علي سلمان. ويعتبر الشيخ عيسى قاسم الأب والقائد الروحي لهذه الجمعية.

تقوم الوفاق حاليا بتنفيذ أجندات المجلس العلمائي في الشارع وهي من قادت الناس إلى مظاهرات دوار اللؤلؤة وإن كانت تقترب من إظهار نفسها سلميا ووصم الحركات الاخرى بأنها هي التي جلبت العنف للدوار وهي المسؤولة عنه خاصة جماعة "حق" التي تطالب بخلع رئيس الوزراء وهي التي وبقيادة حسن مشيمع رفعت سقف مطالبها إلى طرد اسرة آل خليفة بقضها وقضيضها من البحرين في تطور دراماتيكي جعل الاعتصام السلمي يسير إلى طريق الاصطدام مع السلطة والقوى السنية البحرينية.

نتائج الصراع

نتيجة هذا الصراع القاسي في البحرين هو أن حتمية الديمقراطية كحل حضاري تصطدم بأبعاد ليست ضمن حدود الجزيرة البحرينية بل هي أبعد من ذلك، حيث تقف الضباع على الشواطئ المقابلة تنتظر الفرصة للفتك بهذا المجتمع البسيط الذي عاش آلاف السنين يتمتع بسلام. وكان ملاذاً للهاربين من مجتمعات التسلط والانغلاق.

يجد المجتمع البحريني اليوم نفسه ضمن لعبة يحتاج كي يحسن التعامل معها أن يبعد جميع العوامل الخارجية عن حساباته وأن ينظم الصراع بشكل محلي فقط وأن يتعامل على أن لجميع الأطراف الحق في المشاركة وتأدية دور على المسرح السياسي.

المهمة العسيرة التي تواجه منظمي اللعبة السياسية هي كم تبلغ حصة كل لاعب بحريني؟ وهل ينتج المجتمع البحريني عبر الحوار السلمي اتفاقاً متحضراً أم تتدخل الضباع وتحيل الحوار الوطني إلى حلبة صراع لتنهش في جسد الأمة العربية وتقتص منها عضواً كما اقتصت إلى الآن العراق ولبنان وسوريا؟

هل هناك نور في نهاية النفق البحريني؟

يمكن القول إن المفكر البحريني محمد جابر الانصاري قد ساهم في إنارة الطريق حينما شدد على أهمية الأخذ بعين الإعتبار وجود قوى أساسية في أي مجتمع قد تكون قوى غير ديمقراطية بل معادية للديمقراطية.

واشترط لوجود تغير ديمقراطي ان يكون هناك إرادة سياسية لدى الحاكم وقاعدة إجتماعية بمؤسساتها الإجتماعية والمدنية ولكن في فهم للعمل الديمقراطي لا وسيلة للوصل الى القوة.

يتركز حل معضلة البحرين على ارضها وبرجالها.

ولو جلس الملك حمد بن عيسى والشيخ عيسى قاسم مع مفكر في قامة الأنصاري وتداولوا الأمر معه بأريحية وتفهم ودون أجندات مسبقة لتمكنوا من إزاحة هم البحرين ولوأدوا أطماع الملالي وأسقطوا حرابهم بالتضامن الوطني الحقيقي والعمل سوية على بناء وطن سعيد وحر ومنفتح كما هي دائماً لؤلؤة الخليج.

لقد أسفر الصراع السياسي والطائفي في البحرين إلى أن المعارضة انقسمت إلى أربعة اتجاهات: معارضة تريد أن تتحاور رسمياً مع النظام وفي العلن وتنشر مطالبها السياسية لكسب الوقت. ومجموعة تتحرك وراء الستار بوجوه شبه قانونية وعبر واجهات إجتماعية وثقافية. ومجموعة صامتة علناً لكنها تعمل تحت الأرض ولديها اتصال مباشر بالحرس الثوري الإيراني. ومجموعة هربت إلى إيران وسوريا عبر الدول المجاورة وتعرف أنها مطلوبة للمثول أمام القضاء البحريني.

خرج آلاف الشيعة ضد الأسرة الحاكمة وهم متأثرون بما حصل في تونس ومصر، ووجد هؤلاء أنفسهم في وضع لا يحسدوا عليه فقد نجحوا في هز النظام لكنهم أكتشفوا حقيقة مهمة وهي أن المطالبات لم تتدرج منطقياً حيث ازدادت وسقف المطالب أرتفع إلى طرد عائلة الملك من البحرين على أنهم محتلون مما أوجد مراجعة قوية خاصة بعد أن انضم المتشددون وعلى رأسهم حسن مشيمع القادم من لندن حاملاً معه بذور التشدد.

كانت الاخطاء المتتالية كبيرة ومنها رفع شعارات تحتوي سب وشتم وقذف في شخصيات دولة كبيرة، بل تجاوز الأمر ببعض المتظاهرين إلى ان يفرغوا غضبهم بهتافات وشعارات ضد رجل مات قبل الف واربعمائة عام هو يزيد بن معاوية.

وانضم الى هذه الهوجة التاريخية آخرون ليطالبوا بجمهورية إسلامية على المثال الايراني.

ولم يكتف هؤلاء بمحاكمة آل خليفة ويزيد بن معاوية بل قاموا بإقفال شارع مهم لمن يكسب عيشه وهو الشارع الممتد من دوار اللؤلؤة إلى مرفأ البحرين المالي وبواسطة متظاهرين ظهروا بشكل منظم كأنهم رجال ميليشيا.

ولم يكتف هؤلاء بكل ما سبق حتى قام رجلهم الهمام حسن مشيمع بعد شعاراته المغالية بأن طلب من مناصريه التوجه الى قصر الملك مروراً بأحياء سنية مما مهد لصدام وتوتر وإيهان لوحدة وطن.

سأل بعض الشيعة أنفسهم: ماذا لو كان سقف المطالب كان معقولاً واستمر بسلمية دون احتلال مستشفيات كما تقول الحكومة أو دهس رجال أمن وضرب منارات مساجد سنية وقتل مؤذن وأعمال عنف قدمت براهين ناصعة للنظام كي يضرب بقوة هذه المظاهرات؟

وسأل حكماؤهم: ماذا لو لم يحضر مشيمع إلى البحرين؟

هل فكر المتظاهرون أن النظام البحريني وحيد ومن الممكن خلعه بثورة شعبية؟

الم يحسنوا قراءة الخارطة الاقليمية وحسابات السعودية والأنظمة الخليجية الأخرى؟

ألم يفهموا أن إيران تحرض ولا تفعل شيئاً حين يسقط عميلها في أزمة، فتتركه لتنهشه الأعداء كما تركت حزب الله في 2006 وحماس في 2008؟

عسيرة هي الحسابات؛ فالبحرين قدمت للعرب أزمة فكرية يجب دراستها جيداً، وهي خاصة لدى المثقفين ففي الوقت الذي تقف فيه مع حق البسطاء بالحصول على حقوقهم تجد نفسك رافضاً التدخل الاجنبي ممثلاً في إيران. ويتحتم عليك ان تنتظر اليوم الذي يمارس فيه أهل البحرين حقوقهم السياسية دون أن يكون للفرس أصابع.

التطور السياسي الجديد الذي قد يؤثر على الصراع بين ولي الفقيه والملك البحريني هو قبول المجلس العلمائي بالحوار بعد أن سارت الركبان بالتشدد وإسقاط النظام مما يعني تراجع كبير وعودة إلى نقطة البدء في التعامي بين الأطراف، ولعل البيان الأخير الصادر قبل أيام من المجلس كان إشارة وتوجيهاً للجميع بالعودة إلى طاولة الحوار مما سيؤدي إلى تجديد في الساحة وتطمين للبحرينيين.

ما الذي دفع المجلس الى ذلك؟

هل هي إيران بعد أن سعت عمان لإقناعها بتغيير لهجتها وتوجيه مواليها في البحرين إلى التحاور؟

وهل حمل وزير الخارجية العماني إلى المنامة الجمعة الماضية نواة اتفاق إيراني بحريني يتم فيه التنسيق على التهدئة وتخفيف حدة التوتر؟

بيان المجلس العلمائي الأخير يحمل في طياته دفاعاً عن هويته وعن سلطاته وتوضيحاً منه انه ليس سوى منشأة دينية يمكن ان تبدي رأياً سياسياً لكنها لا تنشط في المجال السياسي كلاعب.

في سطور سابقة كنت قد استعرضت التسلسل التاريخي للأطماع الإيرانية وقد يقول قائل لماذا يتم الربط بين الاطماع الخارجية والحراك السياسي الداخلي؟

الحقيقة هي ان الدور الإيراني حاضر بوضوح ولا يمكن أن يهمل في قراءة الوضع البحريني.

الصراع في البحرين ليس بين شعب مظلوم فقير يطالب بحريته السياسية وحاكم، بل أيضاً بين قوى سياسية إيرانية وعربية شئنا أم أبينا. وان كان هناك من أمل في البحرين فهو في أن يرتفع البحرينيون عن الطائفة ويتشبثوا بستار الوطن وينسوا كل خلافاتهم ليفكروا في بحرين للبحرينيين فقط.

عبد العزيز الخميس