الأسد انتهى.. لكن هل ينهار نظامه من الداخل ام بضغط من الخارج؟

دبي - من سامية نخول
ضغوط الخارج تتزايد

بدأت الازمة المتفاقمة التي تحيق بسوريا تأخذ أبعادا دولية. فمشروع القرار الفرنسي البريطاني في مجلس الامن التابع للامم المتحدة لادانة قمع الرئيس السوري بشار الاسد للمحتجين يعد أحد مظاهر القلق العالمي المتنامي.

وقالت وكالة الاناضول التركية للأنباء الخميس ان 1050 شخصا عبروا الحدود الى تركيا قادمين من سوريا خلال الاربع والعشرين ساعة الماضية.

والاربعاء أعلنت تركيا أن 122 سوريا عبروا الحدود فرارا من حملة عسكرية متوقعة في بلدة بشمال غرب سوريا حيث اتهمت الحكومة "عصابات مسلحة" بقتل ما يزيد عن 120 من عناصر الامن.

وقال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ان بلاده "لن تغلق الباب" في وجه اللاجئين الفارين من الاضطرابات في سوريا ودعا حكومة الاسد الى التحلي بقدر أكبر من التسامح مع مواطنيها.

وفرت مجموعات صغيرة من اللاجئين في وقت سابق الى لبنان حينما كانت قوات الامن السورية تقمع الاحتجاجات في بلدة حدودية.

وتتهم اسرائيل والولايات المتحدة دمشق بتشجيع مسيرات الفلسطينيين الى السياج الحدودي الذي يفصل سوريا عن مرتفعات الجولان التي تحتلها اسرائيل لتحويل الانتباه بعيدا عن التحديات التي يواجهها حكم أسرة الاسد الممتد منذ أربعة عقود.

ولم تصل الولايات المتحدة وبريطانيا على عكس فرنسا الى حد القول ان الاسد فقد شرعيته بالكامل. لكن قدرته في السيطرة على سوريا محل شك أيضا.

ويقول برهان غليون المعارض السوري والاستاذ بجامعة السوربون بباريس "الاسد انتهى.. لكن علينا أن نرى كيف سينهار نظامه... هل سينهار من الداخل من خلال تصاعد الاحتجاجات أم هل سيتحد العالم ويطالب بوقف عمليات القتل ويهدد بالتدخل؟"

وبالرغم من الحماس المتأخر للحركات المطالبة بالديمقراطية التي أطاحت برئيسي تونس ومصر لم يظهر الزعماء الغربيون -ناهيك عن شركائهم من الحكام العرب في انظمة الحكم الشمولي- رغبة في التدخل في سوريا حليفة ايران التي تعاني من تركيبة عرقية ودينية دقيقة وتقع في قلب شبكة من الصراعات الاقليمية.

أما موسكو حليفة دمشق القديمة في زمن الحرب الباردة والتي تشعر بعدم الرضا حيال تفسير حلف شمال الاطلسي لقرار من الامم المتحدة يجيز التدخل العسكري لحماية المدنيين في ليبيا فلوحت بأنها قد تستخدم حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار محتمل في مجلس الامن يدين دمشق.

ووبخت تركيا التي بذلت جهودا مضنية لبناء علاقات جديدة مع سوريا خلال العقد الماضي الاسد علانية لتقاعسه عن الاستجابة لمناشدتها بالتعامل مع التوترات من خلال النهوض باصلاحات بدلا من المجازفة بالاطاحة بحكمه.

وتقول مصادر دبلوماسية ان قطر الدولة الخليجية الغنية صديقة سوريا والولايات المتحدة في آن واحد شاركت أيضا في محاولات لاقناع الاسد بتغيير الاسلوب الذي ينتهجه في معالجة الازمة.

وذكرت المصادر أنه بعد اتصالات بين واشنطن وانقرة والدوحة التقى رئيس وزراء قطر بالاسد مرتين في سوريا الشهر الماضي وأضافت أن قطر عرضت على الاسد أموالا وتأييدا سياسيا اذا ما اختار نهج الاصلاح لكنه أحجم عن الفكرة.

وبالرغم من بعض الوعود الغامضة باجراء حوار واطلاق سراح سجناء بشكل انتقائي يبدو الاسد محصورا في أسلوب القمع لانقاذ حكمه المستمر منذ 11 عاما.

وتشير الاحداث الدموية في بلدة جسر الشغور قرب تركيا الى تصدع في ولاء عناصر من قواته الامنية أو بداية معارضة مسلحة أو مزيج من الاثنين.

ويقول نشطاء وسكان ان جانبا على الاقل من اراقة الدماء في البلدة السنية جاء عقب نشر قوات من الجيش لسحق تمرد بين وحدات عسكرية أخرى. وتقول بعض المصادر ان العديد من الضباط من أصحاب الرتب الوسطى رفضوا بدورهم الانصياع للاوامر باطلاق النار على المتمردين مما أستتبع اطلاق النار عليهم من قبل قوات الامن الموالية للنظام.

ومن جانبها تقول الحكومة ان مسلحين يجوبون البلدة قتلوا أكثر من 120 فردا من قوات الامن في كمائن وهجمات.

وهذه المرة فاقت محصلة القتلى كثيرا ما أعلن خلال وقائع مماثلة أطلق فيها الرصاص على رجال أمن انشقوا واتخذوا جانب المحتجين. كما ترددت تقارير سابقة عن حمل بعض المنشقين السلاح ومهاجمتهم قوات الامن.

ولان معظم وسائل الاعلام المستقلة ممنوعة من العمل في سوريا يصعب جمع تقارير موثوقة ومتسقة.

لكن تهديدات السلطات بارسال الجيش لاستعادة النظام في جسر الشغور تستدعي ذكريات حملة أمنية عنيفة عام 1980 عندما أخمد الرئيس الراحل حافظ الاسد والد بشار انتفاضة للاخوان المسلمين.

وكان ذلك تمهيدا للحلقة الاكثر دموية عام 1982 في مدينة حماه حيث قتل عدة الاف ودمرت البلدة القديمة على يد قوات ارسلت لسحق متمردي الاخوان.

يقول وائل مرزا الاكاديمي السوري المعارض لحكم الاسد "يحاول بشار أن يصنع نسخة 2011 من مذبحة حماه التي نفذها والده في حماه عام 1982 . يختار أن ينفذ مذبحة من مدينة الى مدينة بدلا من عملية قتل واسعة واحدة."

ويضيف "بشار لا يريد أن يستجيب لمطالب الشعب. تقوم سياسته على القيام بحمام دم تدريجي."

ويشعر حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الاسلامية الذي يتزعمه اردوغان بحساسية تجاه محنة السوريين السنة الذين يشكلون غالبية سكان تحكمهم نخبة تهيمن عليها الطائفة العلوية التي ينتمي اليها الاسد. وحذر رئيس الوزراء التركي الشهر الماضي من ان تركيا "لن تتسامح مع حماه أخرى".

وتوقع المحلل البناني جميل مروة بان يشدد اردوغان من نهجه مع الاسد بعد الانتخابات التي تشهدها تركيا الاحد المقبل.

وفي بداية الاسبوع أبلغ الرئيس التركي عبد الله جول نشطاء مصريين زائرين انه يتعين على حكام المنطقة احترام شعوبهم وقبول مطالبهم المشروعة.

وأضاف جول "أود أن أذكر حكام الدول العربية المسلمة بالحاجة الى التحلي بالواقعية وفهم العالم على نحو أفضل وانه لا يوجد مكان للانظمة الشمولية في العالم الاسلامي."

وأردف قائلا "الجميع يدرك انني أتحدث عن دول مثل سوريا وليبيا."

وعلى الرغم من علاقات الصداقة مع سوريا واتفاق البلدين منذ عام 2009 على الغاء تأشيرة السفر على الحدود بينهما استقبلت تركيا عددا قليلا من طالبي اللجوء السوريين واستضافت مؤتمرا لشخصيات سورية معارضة الاسبوع الماضي. ويقول مسؤولون أتراك ان أنقرة استعدت لاستقبال موجات جديدة من اللاجئين السوريين.

وحتى الان لم يكن لتركيا -الشريك التجاري الرئيسي لسوريا- تأثير يذكر على مجرى الاحداث في جارتها لكنها تمتلك من الادوات ما يمكنها من الحاق الضرر بحكومة الاسد التي تحول مبالغ مالية ضخمة الى البنوك التركية منذ انسحبت سوريا من لبنان عام 2005 .

ولا تختلف التركيبة السكانية لتركيا التي تقطنها غالبية سنية الى جانب اقليات كبيرة من الاكراد والعلويين عن نظيرتها في سوريا باستثناء أنه في سوريا تسيطر الاقلية العلوية على الحكم منذ أربعة عقود وراء واجهة من حكم حزب البعث.

ويقول مروة انه من غير الواضح ما اذا كان الاسد يسيطر على الامر حقا أو انه متورط في الاجراءات الصارمة ضد المحتجين وهو سؤال يتكرر منذ خلف والده في الحكم عام 2000 .

واستطرد قائلا "لم نتمكن حقيقة من معرفة ما اذا كان قد منع من تنفيذ ما وعد به...اما ان يكون جزءا من التركيبة واننا صدقنا الكذبة لمدة عشر سنوات بان بشار اصلاحي أو انه مجرد رجل علاقات عامة برتبة رئيس."

وتسعى جماعات المعارضة السورية لان تضفي على كفاحها بعدا دوليا فقامت بارسال وفد يوم الثلاثاء لتقديم ما قالت انه أدلة على ارتكاب جرائم ضد الانسانية الى المحكمة الجنائية الدولية الامر الذي قد يؤدي في نهاية المطاف الى احالة الملف السوري الى مجلس الامن.

وقال الوفد ان 1168 شخصا قتلوا وأصيب 3000 واعتقل 11 ألفا منذ بدأت الاضطرابات في سوريا يوم 18 مارس/اذار. كما أبلغت عن 893 حالة اختفاء قسري.