الأسد اعترف بالثورة في بلاده، إلا أن إيران وأتباعها اعتبروها مؤامرة

بقلم: حسان القطب

الثورة السورية المستمرة منذ ما يزيد على الشهرين والتي ما زالت ناشطة وملتهبة إلى الآن، ما زالت تتوسع وتتمدد في مختلف أنحاء بلاد الشام رغم سياسات القمع والقتل والتدمير والتهجير المنهجي والمدروس الذي تمارسه السلطة الحاكمة في سوريا.

لم تعترف السلطة الحاكمة بالثورة في بداية الأمر، فقد تعامل معها بشار الأسد باستهزاء ولا مبالاة وبرز هذا الأمر جلياً عندما ألقى خطابه الأول في مجلس الشعب السوري، وبالرغم من الوعود التي عاد فأغدقها مضطراً على المواطنين السوريين بالحرية السياسية والإعلامية وتعديل بعض القوانين.

إلا أن تمدد الثورة واتساع نطاقها وحجم التضحيات والضحايا التي سقطت وما زالت ووجود لاجئين سوريين في لبنان والأردن، فضح حجم الثورة السورية وأكد جديتها، مما دفع بشار الأسد للاعتراف علناً ورسمياً بوجود الانتفاضة كحقيقة واقعة يتم قمعها ودفن ناشطيها أو سجنهم، وذلك حين تنقل صحيفة الوطن السورية عن بشار الأسد قوله إن "الآلاف من ضباط الشرطة يتلقون تدريبا جديدا" بعد ارتكاب قوات الأمن أخطاء. رغم أن الأسد نفسه هو من أصدر الأوامر للقوى الأمنية بالتصدي للمتظاهرين ومواجهتهم بكل عنف ممكن، والدليل على ذلك هو وجود الدبابات ومختلف أنواع الأسلحة الثقيلة في شوارع قرى ومدن البلدات السورية لقمع المتظاهرين وإجهاض الحركة الاحتجاجية وليس لمواجهة الاحتلال وتحرير الأرض! ومع ذلك ذكرت الصحيفة نفسها والمقربة من السلطة أن تصريحات الأسد جاءت خلال لقاء جمعه مع وجهاء من دمشق، أكد خلالها أن "بعض الممارسات الأمنية الخاطئة التي وقعت كانت نتيجة عدم دراية القوى الأمنية بكيفية التعامل بظروف كهذه".

هذا الكلام معناه أن الأسد يتحدث عن تظاهرات احتجاجية وقعت احتجاجاً على واقع سيء في سوريا، وأن الأمن السوري الرسمي والميليشيوي الخاص، قد أساء التعامل مع أبناء الشعب السوري لسوء كفايته وعدم جدارته. ولكن حقيقة الأمر هي أن القيادة السياسية السورية وعلى رأسها بشار الأسد هي التي بحاجة لإعادة تأهيل وتدريب، لتتعلم كيفية التعاطي مع شعب صامد صابر على الظلم الاجتماعي السياسي والطائفي والقهر الاقتصادي والتعتيم الإعلامي، وعلى خسارة هضبة الجولان السورية لصالح الاحتلال منذ ما يزيد على 40 عاماً دون أن يحرك هذا النظام ساكناً لتحرير الجولان وأهله من الاحتلال.

الملفت للنظر أنه وعقب تصريح الأسد الذي نشرته جريدة الوطن السورية، أطل علينا سفير إيران في لبنان، في حديث إلى محطة "أو تي في"، حيث اعتبر السفير الإيراني في لبنان غضنفر ركن أبادي أن "الوضع الاقتصادي في سوريا ليس سيئاً، فكل الأمور الاجتماعية متوفرة، من التعليم إلى الاستشفاء إلى المسكن"، مضيفاً أنّ ما يحدث في سوريا "ليس ثورة شعبية، بل انتقام دولي من سوريا لدعمها المقاومة" وشدد في هذا الإطار على أنّ "الرئيس بشار الأسد محبوب جداً". كما يبدو السفير الإيراني في لبنان وليس في سوريا يرى أن لا ثورة شعبية في سوريا بل مؤامرة، وكأنه يصحح الكلام المنسوب إلى الأسد في الصحيفة السورية.

إنه تناقض واضح بين الموقف الرسمي السوري الذي أعلنه الأسد، وبين موقف السفير الإيراني في لبنان وعلى شاشة محطة موالية لمحور إيران- سوريا في لبنان، وتجاهلاً للمشاهدات التي يراها المواطن العربي وفي كافة أصقاع العالم عبر شاشات التلفزيون التي تنقل مشاهد مروعة عن أساليب القمع التي يمارسها نظام الأسد بحق شعبه باعتراف الأسد نفسه، في إشارة ضمنية منه إلى أن ما يجري حركة شعبية وانتفاضة جماهيرية لم يتم التعامل معها بشكل حضاري،.. ثم يطل علينا وئام وهاب رجل سوريا وحزب الله في لبنان ليقول أنَّ "المؤامرة على سوريا كبيرة ومستمرة"، مؤكداً في الوقت نفسه أنَّ "هذه المؤامرة ستنتهي بسبب وجود الجيش العربي السوري الذي سيمنع اللعب بأمن سوريا"، وشدد على أنَّه "لو استمروا في استهداف سوريا، ستشتعل المنطقة من العراق إلى فلسطين"، وقال: "سنقاتل بأيدينا وسلاحنا وصدورنا لحماية سوريا، ولن نتركها تسقط".

بهذه البساطة تقف هذه القوى مع النظام السوري، الذي بدأ يفقد شرعيته الدولية بعد أن فقد شرعيته الشعبية، منذ زمن طويل، ويختار هذا الفريق أن يسلك طريق العداء للشعب السوري، وان يناصر القلة الحاكمة الظالمة ويساعدها على ظلم جموع الشعب السوري التي طالما وقفت إلى جانب الشعب اللبناني والشعب الفلسطيني في نضاله وجهاده وكفاحه ضد الاعتداءات الإسرائيلية، وأخرها كان عدوان تموز/يوليو من عام 2006،.. لقد اختار فريق الثامن من آذار/مارس، في لبنان أن يكون إلى جانب الموقف الإيراني الذي يتناقض مع ما قاله بشار الأسد نفسه، ووصف الانتفاضة الشعبية في سوريا بالمؤامرة وبالتالي فإن شهداء هذه الثورة ليسوا شهداء بل عملاء..وهذا الكلام غير صحيح، على الإطلاق.

لطالما حدثنا هذا الفريق عن وحدة التاريخ والجغرافيا ووحدة الشعب والأرض.. ولكنه كما يبدو اختار أن يكون إلى جانب الجلاد خصماً للضحية بل مشاركاً في تعذيبها، ومساهماً في إمعان القتل بشعبٍ انتفض على الظلم والقهر والاستعباد، واستكمل هذا الفريق دوره الأمني في العمل على منع مؤتمر دعم وتأييد مطالب الشعب السوري في الحرية والكرامة والعدالة، الذي كان من المزمع عقده في فندق البريستول في بيروت، بل ذهب أكثر من ذلك حين استنكر وأدان هذا الفريق مساعدة النازحين السوريين القادمين إلى منازل إخوانهم اللبنانيين في وادي خالد.. والمستنكرين لطالما أشادوا برعاية الشعب السوري للوافدين اللبنانيين خلال أزمات لبنان.

إنها قلة الوفاء التي امتاز بها هذا الفريق وإشارة منه واضحة تدل إلى عدم احترامه للروح البشرية والعلاقات الإنسانية التي تربط مختلف البشر والشعوب...ثم لماذا هذا التهديد باشتعال المنطقة من فلسطين إلى العراق! أليس هذا الكلام هو نفسه الذي أطلقه رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري، وبالتأكيد هذا الكلام معناه أن هذا النظام هو ضمانة استقرار فلسطين المحتلة وليس المحررة، وان العنف في العراق هو عنف موجه ومبرمج ومرتبط باستقرار نظام سوريا وليس بمصالح الشعب السوري أو الشعب العراقي.. وما علينا سوى توقع المزيد من القلق والعنف في العراق والمزيد من المسيرات الشعبية استغلالاً للقضية الفلسطينية وأبنائها وشبابها تحت عناوين محقة ولكن لغايات تخدم النظام السوري واستقراره وبقائه على رأس السلطة في سوريا..التعاون وتبادل الخبرات والخدمات أصبح واضحاً جلياً بين نظام الأسد في سوريا وبعض القوى السياسية الفئوية في لبنان ودولة إيران، ونأمل أن لا تكون بعض القوى الفلسطيني ضمن هذا التحالف الذي يستهدف قمع الشعب السوري وقهر ثورته وقتل شبابه.

حسان القطب