الأساطيرُ والعلومُ المؤسِّسة لمدينة استانبول

بقلم: أحمد فضل شبلول
استانبول عام 1900

مدينة استانبول إحدى المدن العالمية الجميلة، بموقعها الفريد على بحر مرمرة، ومضيق البسفور الذي يطل على قارتي آسيا وأوربا، ويربط بين البحرين الأسود والمتوسط. وكأية مدينة قديمة تُحاك الأساطير حولها، حيكت حول مدينة استانبول العديد من الأساطير حول تأسيسها أو اكتشافها، قبل بداية التاريخ. * الأساطير السريَّة وتاريخ مدينة استانبول (التي تقوم اليوم على موقع مدينة بيزنطة القديمة) يبدأ مع تأسيس الإمبراطوريات الكبيرة في آسيا وأوربا، ويعتبر عام 660 قبل الميلاد عام تأسيس الدولة البيزنطية، هو عام تأسيس الأساطير السريَّة حول تلك المدينة، ففي هذه الآونة ذهب الماغاريون المقيمون بإحدى ضواحي مدينة أثنيا، إلى عرَّاف مدينة دُلفي، وطلبوا منه أن يساعدهم في إيجاد مكان لأنفسهم تكون أرضه خصبةً، وماؤه غزيرًا، وهواؤه عذبًا، فأجابهم العرَّاف بأن يذهبوا إلى المكان الواقع أمام مدينة العمياء، فهناك سيجدون أجمل وأروع الأماكن التي فيها الراحة غير الموجودة على سطح الأرض، وهناك سيصبح أطفالهم نشيطين، وسينعم الجميع بالصحة الجيدة.
وبالفعل غادر الماغاريون مدينة أثينا، وخرجوا متجهين إلى المكان الذي أشار إليه العرَّاف. وبعد سفر طويل قضوا ليلتهم في مكان يسمى قاضي كول (وهو موجود حاليا في مدينة استانبول) وهو المكان المطل على سراي بورنو القريب من طوب كابي (إحدى القلاع الحصينة المطلة على البسفور).
وعند بزوغ الفجر لاحظ القوم مياه البوسفور ومرمرة المرتعشة والألوان الطبيعية الخلابة، فصرخوا قائلين: ها هو المكان الذي أشار له العرَّاف، ولاشك أننا قضينا ليلة عمياء في هذا المكان، فلم نر هذا الجمال إلا صباحا (أو أن الناس المقيمين في هذا المكان عمياء، لأنهم لم يروا هذا الجمال أو يقدروه)، ومن ثم تقدموا وسكنوا سراي بورنو، وجعلوا فيزاس حاكما عليهم، فتأسست بذلك إمبراطورية البيزنطيين. * النبي سليمان وابنة سلطان سيدون أسطورة أخرى حول تأسيس مدينة استانبول ـ أو القسطنطينية ـ يعود تاريخها إلى عهد النبي سليمان الذي كان يحكم مخلوقات الدنيا، غير أن هناك شخصا يدعي سلطان سيدون يحكم جزيرة تسمى فراندوس، كان خارجا عليه، ولم يخضع له. وعندما ذهب إليه جنود سليمان طالبين منه الخضوع للملك النبي، أجابهم باستهزاء: ومن هو سليمان، وما يكون؟، إذا كان عنده جنود، فأنا بحوذتي جنود، فإذا أراد المجئ فليحسب ما سوف يراه ويجده.
ضحك سليمان لهذا العناد وأعطى أوامره لجنوده قائلا: اتحدوا أيها العفاريت والجان والذئاب والطيور المفترسة الموجودة على سطح الأرض، وسيروا فوق سيدون ولا تتركوا حجرة فوق الأخرى (أو حجرا فوق الآخر) على الجزيرة.
وعلى إثر ذلك هجم جيش سليمان على جزيرة فراندوس ونفذوا الأمر. فلم يبق مخلوق نجا من هذا الهجوم سوى السلطان سيدون، الذي أُسرت ابنته آلينا، وكانت آية في الجمال، وأُحضرت إلى النبي سليمان الذي لم ير جمالا من قبل في جمالها الرائع المسحور.
قال لها سيلمان: يا أجمل الجميلات، لقد لقى والدك عقابه نتيجة جهله، وأنا وقعت في حبك، فالذنب ليس ذنبي، أأمري فلن أبخل عليك مهما كان طلبك.
قالت آلينا والدموع تذرف من عينيها: لم يعد في الدنيا أي أحد لي، ومن المستحيل أن يسليني أي شيء مهما كان.
قال سليمان: من الآن أنا تحت أمرك وخدمتك، اطلبي فأي أمنية تتمنيها سوف ألبيها لك.
ردت عليه قائلة: قلبي مجروح، فانشيءْ لي سراي في أجمل مكان في الدنيا، واحبسني فيها، عندها لا يسليني سوى الجمال الذي حولي.
فأمر سليمان مخلوقات الأرض قائلا: ابحثوا لي عن أجمل مكان على وجه الأرض، واعلموني به قبل أن يفوتنا الوقت.
وعلى الفور استعد واستنفر كل العفاريت والجان وجاءوا إلى سليمان قائلين: إن أجمل مكان في الدنيا هو المرتفع الذي يشرف على بحر البوسفور مع بحر مرمرة.
وكان هو المكان المطلوب والمعروف حاليا ب "سراي بورنو".
وعلى الفور أنشأ سليمان السراي قائلا: سيبقى المكان وإلى الأبد أجمل مكان في الدنيا.
هذا خبرٌ من كتاب "استانبول" ـ الصادر بأكثر من لغة ـ والذي أعده ناجي كسكين، وترجمه إلى عربية ركيكة (أعدتُ صياغتَها) توفيق جزماتي، وصدر عن شركة كسكين كلور المحدودة باستانبول.
*** * استانبول في معجم البلدان أما ياقوت الحموي (1178 ـ 1228م) فيذكر القسطنطينية في معجم البلدان (وتسقط ياء النسبة أحيانا فيقال: قسطنطينة) التي قال عنها ابن خرداذبة (820 ـ 913م): كانت رومية دار ملك الروم، وكان بها منهم تسعة عشر ملكا، ونزل بعمورية منهم ملكان، وعمورية دون الخليج، وبينها وبين القسطنطينية ستون ميلا، وملك بعدهما ملكان آخران برومية، ثم ملك أيضا برومية قسطنطين الأكبر، ثم انتقل إلى بزنطية، وبنى عليها سورا، وسماها قسطنطينية، وهي دار ملكهم إلى اليوم، واسمها اصطنبول، وهي دار ملك الروم. بينها وبين بلاد المسلمين البحر المالح (يقصد البحر المتوسط). عمَّرها ملك من ملوك الروم يقال له قسطنطين فسميت باسمه، والحكايات عن عظمها وحسنها كثيرة، ولها خليج من البحر يطيف بها من وجهين مما يلي الشرق والشمال، وجانباها الغربي والجنوبي في البر، وسمك سورها الكبير أحد وعشرون ذراعا، وسمك الفصيل مما يلي البحر خمسة، بينها وبين البحر فرجة نحو خمسين ذراعا.
وذكر كذلك أن لها أبوابا كثيرة، نحو مائة باب، منها: باب الذهب، وهو حديد مموه بالذهب. وهي اليوم بيد الإفرنج غلب عليها الروم وملكوها. * ليست كسائر المدن وقال بطليموس (المتوفي بعد 161 م)عنها في كتاب "الملحمة": مدينة قسطنطينية طولها ست وخمسون درجة وعشرون دقيقة، وعرضها ثلاث وأربعون درجة، وهي في الإقليم السادس، طالعها السرطان، ولها شركة في النسر الواقع ثلاث درج في منبر الكفة، والردف أيضا سبع درج، ولها في رأس الغول عرضه كله، وهي مدينة الحكمة لها تسع عشرة درجة من الحمل، بيت عاقبتها تسع درج من الميزان. وقال: وليست هذه المدينة كسائر المدن، لأن لها شركة في كواكب الشمال، ومن هاهنا صارت دار ملك، وقيل: طولها تسع وخمسون درجة ونصف وثلث، وعرضها خمس وأربعون درجة.
وقال عنها الرحالة العربي علي بن أبي بكر الهروي (المتوفي عام 1214م): ومن المناير العجيبة منارة قسطنطينية لأنها منارة موثقة بالرصاص والحديد والبُصرُم، وهي في الميدان إذا هبَّت عليها الرياح أمالتها شرقا وغربا وجنوبا وشمالا من أصل كرسيّها، ويُدخل الناس الخزف والجوز في خلل بنائها فتطحنه. وفي هذا الموضع منارة من النحاس، وقد قُلبت قطعة واحدة إلا أنها لا يُدخل إليها، ومنارة قريبة من البيمارستان قد أُلبسَتْ بالنحاس بأسرها وعليها قبر قسطنطين، وعلى قبره صورة فرس من نحاس، وعلى الفرس صورته وهو راكب على الفرس، وقوائم الفرس محكمة بالرصاص على الصخر، ما عدا يده اليمنى، فإنها سائبة في الهواء، كأنه رفعها ليشير. وقسطنطين على ظهر الفرس، ويده اليمنى مرتفعة في الجو، وقد فتح كفه وهو يشير إلى بلاد الإسلام، ويده اليسرى فيها كُرَةٌ، وهذه المنارة تظهر عن مسيرة بعض يوم للراكب في البحر.
وقد اختلفت أقاويل الناس في هذه الكُرَة، فمنهم من يقول إن في يده طلسما يمنع العدو من قصد البلد، ومنهم من يقول بل على الكرة مكتوب: ملكتُ الدنيا حتى بقيتْ بيدي مثل هذه الكرة، ثم خرجتُ منها هكذا لا أملك شيئا.
ويذكر التاريخ أن القسطنطينية كانت أكبر مدينة بأوربا في العصور الوسطى. ولم ينجح ممن حاولوا حصارها إلا ثلاثة: جيش الحملة الصليبية الرابعة (1204) وميخائيل الثامن (1261) والسلطان محمد الثاني ـ الفاتح (1453). وقد كانت بها ثروة لا يكاد يتصورها العقل من الكنوز الفنية والأدبية، قبل أن تخرَّب في 1204 و1453. وحين سقطت في يد الأتراك كانت مدينة مهجورة تقريبا، ولكنها سرعان ما ازدهرت في ظل السلاطين، وأصبحت مركزا سياسيا وتجاريا عظيما في أوربا.
أما علم الجغرافيا فيقول: إن المدينة أقيمت على سبعة تلال على البوسفور، وأقيم حولها ثلاثة خطوط من الحصون.
*** * تقوم على سبعة تلال متناثرة وتقول الموسوعة العربية الميسرة عن استانبول: ولاية تقع شمال غرب تركيا، على ضفتي البسفور والبحر الأسود وبحر مرمرة، عاصمتها استانبول. تطل المدينة القديمة على القرن الذهبي. وكان الأباطرة البيزنطيون قد عملوا على توسيع رقعتها، وشيدوا حولها الأسوار المنيعة التي صمدت لهجمات غزاة كثيرين، منها ألكسيوس كومنينوس (1081) والصليبيون (1204). فتحها الأتراك العثمانيون بقيادة محمد الفاتح (1453) وظلت عاصمة الإمبراطورية العثمانية حتى عام 1922 حينما نقلت الحكومة الكمالية الجمهورية (نسبة إلى كمال أتاتورك) العاصمة إلى أنقرة عام 1923. احتلتها قوات الحلفاء (1918 ـ 1923). وفيها خُلع آخر سلاطين العثمانيين (1922). بها جامعتان ترجع إحداهما إلى عام 1453 وأعيد تنظيمها عام 1933. وهي مقر بطاركة الروم والأرثوذكس واللاتين والكاثوليك الرومان والأرمن.
وتقوم استانبول وضواحيها على سبعة تلال متناثرة. وغلطة هو حي المدينة التجاري. ومن أحيائها بيره وهازكوي. ويربط جسر غلطة الواصل عبر القرن الذهبي قسمي المدينة.
وكان الحي اليوناني (الأوربي) يشغل القطاع الشمالي الغربي للمدينة. أما الجزء الآسيوي من استانبول فيشمل حي قاضي كوي (أو قاضي كول) واسكودار (سكوتاري).
وأهم آثار العصر البيزنطي هاجيا صوفيا (آيا صوفيا) وهو اليوم متحف هام، وخزان للمياه، وقناطر شامخة.
وتزخر استانبول بالعمائر الإسلامية من مساجد ومدارس وأضرحة ووكالات وأسبلة. ومن أهمها المسجد السليماني (1550 ـ 1557) وهو أجمل وأفخم مساجد استانبول، وقد شيد في عهد السلطان سليمان القانوني. ومسجد السلطان سليم ويعتبر منبره ومحرابه آيتين في فن النحت الإسلامي. ومسجد السلطان أحمد، وهو أعجوبة في فن العمارة العثمانية، وهو المسجد الفريد في تركيا الذي له ست مآذن، وفناؤه مغطى بالرخام، ويعرف أيضا بالمسجد الأزرق لأن جدرانه مغطاة بالقاشاني الأزرق والأخضر. ومسجد أبي أيوب الذي يتقاطر عليه الزوَّار من أنحاء العالم الإسلامي تبركا بضريح الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، الذي كان في حملة الخليفة يزيد بن معاوية (670 م) واستشهد في أثناء القتال. والمسجد الجديد (يني جامع) الذي يرجع بناؤه إلى عام 1597، ومسجد با يزيد الذي شيده المهندس التركي خير الدين (1501 ـ 1505).
ومن مشاهد استانبول قصر توب كابي (الذي شيده السلطان محمد الفاتح عام 1478 على مساحة 70 ألف متر مربع، ويحتوي على 400 غرفة، وحديقة ضخمة لأشجار التين والجوز) والذي يضم مخلفات آل عثمان، وشتى كنوز الفن الإسلامي.
وباستانبول عدة متاحف للآثار القديمة. وهي تفخر بضواحيها الرائعة الجمال. وقد أُعيد تخطيط القسم القديم من المدينة، وشقت فيه الطرق الفسيحة والميادين الكثيرة.
*** * أمانات الرُّسُل أما بنت بطوطة (أميرة خواسك) فتقول عن استانبول في كتابها "رحلات بنت بطوطة": القسطنطينية .. الآستانة .. إسلام بول (مركز الإسلام) أو استنبول .. أسماء لمدينة واحدة ترك عليها التاريخ بصمات بارزة في كل حقبة من حقبه، لتصبح متحفا ناطقا بكل ما شهدته هذه المدينة الجميلة من أمجاد وبطولات، وأيضا هزائم وانكسارات.
ومن أهم متاحفها، متحف أمانات الرسول الموجود في قصر طوب كابي (أو توب كابي)، حيث يقال إنه يضم أمانات الرسول، ومنها: بردة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وعصاه، ومكان لقدمه (الشريفة) بارز على الرخام، وسيوف الخلفاء الراشدين، ومفاتيح الكعبة، وسيف خالد بن الوليد وعمار بن ياسر، وعصا موسى، وسيف داود، وعمامة يوسف.
وتعتقد أميرة خواسك ـ ونعتقد معها ـ أن كل هذه ما هي إلا رموز لإلهاب مشاعر المسلمين، والسيطرة على العامة، والظهور بمظهر الحفاظ على الإسلام ومقدساته. وهي تعتبر كذلك من قبيل الأساطير المؤسِّسة لمدينة استانبول، ذلك أن أحدا ـ كما تقول خواسك ـ لم يقل لنا كيف حصلوا على بردة الرسول (صلى الله عليه وسلم) عبر مئات السنين أو عصاه، أو حتى عصا موسى، أو عمامة يوسف إن كان يرتدي عمامة؛ والأكثر من ذلك كيف وضع الرسول (عليه الصلاة والسلام) قدمه على الرخام، فجعلها بصمة بارزة يقارب طولها نحو نصف المتر؟. أحمد فضل شبلول ـ استانبول