الأزمة اللبنانية وشبح التدويل

بقلم: د. علاء الدين شماع

إن أزمة عدم الثقة بين الفرقاء اللبنانيين، موالاة ومعارضة، أدخلت البلاد في متاهات عميقة، ودوامات من الرفض والرفض المضاد، لأية حلول توافقية تنقذ البلاد والعباد، من مجهول يتربص بالجميع على حد سواء، حتى بات لبنان مسرحاً لتراجيديا الإرهاب، وهو يحصد بين الفينة والأخرى، أرواح المزيد من الأبرياء، في مشهد متكرر وعلى فترات زمنية متقاربة أو متباعدة، الهدف منها التذكير، أن اللعب بالداخل اللبناني ممكن، وهو سهل ضمن هذا الظرف الأمني والسياسي الهش الذي يمر فيه، والأهم إمكانية ما تمثله هذه الاغتيالات من مكاسب، يدخلها هذا الطرف أو ذاك في لعبته السياسية من خلال رفع سقف مطالبه مهما كانت الجهة التي تقف وراء تلك الاغتيالات، حتى بات الكل مشاركاً بشكل أو آخر في تمهيد الأجواء بالقتل السياسي من خلال تصريحات نارية متبادلة، وهي هنا في مكان التحريض وخلق الدافع، والتي كان آخرها ما تعرض له السيد حسن نصر الله من حملة،غايتها قد لا تبتعد كثيراً عن هذا التوصيف.
ذلك أن الأمر أخذ منحاً تصعيداً آخر، بعد تعرض المؤسسة العسكرية والشرطية لهذه الحملة من القتل، وهي تحمل رسائل سياسية لجهات عدة، والراصد لتوقيتاتها، يعرف برسم أي جهة هي معنونة، خاصة أن الاغتيال الأخير لضابط فرع المعلومات في الأمن الداخلي، يسبق هذه المرة اجتماع المجلس الوزاري في القاهرة، المخصص لبحث الشأن اللبناني .
ويبدو أن تحميل الأمور للإسلام السني الراديكالي، بحضوره المسلح اللافت للنظر على الساحة اللبنانية، خاصة داخل المخيمات الفلسطينية، وقضية فتح الإسلام لا تزال حاضرة بمفاعيلها، يمثل هروباً للأمام، في مقابل حقيقة من سهل قدوم وتسليح وتمويل هذه المجاميع المتطرفة، ومن ثم من دفع بالجيش اللبناني لمواجهتها فيما عُرف بحرب مخيم نهر البارد، والتكتم الشديد عن المعلومات الذي تلا الحدث، ولا ننسى هنا ما أعلنته القاعدة مؤخراً من أن لبنان بات ساحة جهادية لها.
إن لبنان وهو يتحول إلى مرتع مخابراتي لكل الدول على اختلاف أوزانها وأحجامها ومصالحها فيه، يجعل إسرائيل، المستفيد الأوحد من صخب لبنان واضطرابه، وهي تدفع الأمور إلى المواجهة الطائفية بعد فشلها الذريع في حرب تموز، ومحاولتها إنهاء حزب الله عن طريق هذه المواجهة، ذلك أن أي حل في لبنان يشرعن سلاح المقاومة وحقه في جبه إسرائيل يمثل مخاوف لا حصر لها بالنسبة للكيان الصهيوني،ومن هنا يمكننا القول إن مسلسل الاغتيالات هو محاولة لإبقاء القرار 1559 حاضراً . والذي ينص على نزع سلاح المقاومة، والقول به من أي طرف لبناني يحدد الإلتحاقات بالجهة التي ينضوي تحت لوائها، وهي هنا أميركا،الحاضن الروحي لكل تلك الفوضى. من هنا تظهر أهمية تلك التوظيفات السياسية بعد كل تفجير أو قتل، والتي تتوافق مع أهداف الإسرائيلي، عن دراية أو دون دراية، إنما هي الفرصة السانحة في ركوب مد مسلسل الجرائم تلك.
إن صيغة لا غالب ولا مغلوب التي تفتق عنها الاجتماع الوزاري العربي، تحيل الأمور إلى ستاتيك اتفاق الطائف، والذي لم يعد صالحاً وفق متغير الداخل اللبناني، ذلك أن المعارضة وما تجمعه من اصطفافات، تضم إليها كافة ألوان الطيف اللبناني، وهي هنا تغلب صيغة الوحدة الوطنية على أمر المحاصصة الطائفية التي أقرها اجتماع اتفاق الطائف قبل ثلاثين عاماً . مما يدعو إلى إعادة النظر في كثير من الأمور وفق هذا المتغير السياسي، وهذا ما انعكس في أزمة انتخاب الرئيس،لكن على ما يبدو أن حفظ حقوق الطبقة السياسية الطائفية المهترئة تغدو أولاً، وحقوق الوطن هي المحل الثاني .
إن خمول العقل السياسي العربي، يحيل كل الأمور إلى كوارث، وهو يضيع الفرصة تلو الفرصة في إمكانية رأب صدع جسد الأمة قبل فوات الأوان . حتى بات أمر معرفة اللغة العربية ضروري جداً في فك أحجيات بنود أي اتفاق يجترحه، وهو هنا في الشأن اللبناني بحاجة أيضاً الى براعة في علم الحساب، أمام توازنات رياضية في تفسير بنود المبادرة العربية من توازن عشري إلى حكومة تمثيل نيابي مع احتفاظ المعارضة بحق الثلث الضامن، والكل يأخذ بالتفسير الذي يناسبه . حتى بات أمر نعي المبادرة مغلب على أي حل .
ظهر هذا من خلال عودة الأمور إلى مربعها الأول، وذلك في إشاعة أسماء جديدة لمرشحين للرئاسة اللبنانية بدلاً من العماد سليمان، وما يمكن أن تمثله هذه الخطوة من إطالة أخرى للأزمة، وقابلية تدويلها، وفق ما أشارت إليه مرة المصادر المقربة من الإدارة الأميركية، ذلك أن إخفاق الحل العربي هو النتيجة الحتمية لتدويل الأزمة اللبنانية، وهي تعني انتخاب رئيس لبناني من خلال مجلس الأمن، وهولا يشكل جديداً بعد كل تلك القرارات الدولية التي أخذت تتلاعب بمستقبل هذا البلد العربي الصغير، وأهمها قرار المحكمة الدولية في اغتيال الحريري، لكنها خطوة تهدر السلام الأهلي وإنذار بما هو أسوأ .
و لعل إدارة الفراغ التي برع اللبنانيون بها إلى الآن، ودروس حقبة الحرب الأهلية وفظائعها، تمثل رادعاً أخلاقياً في عدم إيصال الأمور الى هذا الحد، الا أنه من المؤكد أن الأزمة اللبنانية دخلت مرحلة بالغة الخطورة، ضمن ظرف إقليمي حساس تمر به المنطقة، وقد يكون لبنان المتنفس الوحيد لمرجل غليانها. د. علاء الدين شماع