الأردن: الدولة والإخوان مَن غير المعادلة؟

الغرور بشعبية الدين

مع كل أزمة في العلاقة بين الدولة وجماعة الاخوان، وما يتبعها من احتمالات التغيير في المعادلة، هناك من يعتقد أن الأمر ليس أكثر من حالة عابرة لن تترك أي تغيير على شكل العلاقة، وهناك من يعتقد أن تغير المعادلة بشكل جذري أمر ممكن، وآخرون على يقين بأن التغيير قادم وعلى طاولة البحث، وبين هذه التحليلات والرغبات هنالك مجموعة من الوقائع والمعطيات التي تحكم معادلة العلاقة او استجدت ومنها:

1 - إن الدولة الاردنية بتركيبتها ونهج قيادتها لا تؤمن بالعنف ولا لغة الاجتثاث مع اي طرف سياسي مهما كان، وتمارس الحزم وتحاول تفكيك المشكلات، لكنها تؤمن بالاحتواء ودمج كل المكونات السياسية في العمل السياسي والعام تحت مظلة القانون، واكثر من استفاد من هذا النهج هم الاخوان المسلمون الذين ضاقت عليهم الدنيا في كل الاقطار وبقي الاردن ساحة آمنة حتى للاخوان غير الاردنيين.

2 - إن التغير الذي طرأ على الإخوان خلال العقدين الاخيرين ذهب بالجماعة شيئاً فشيئاً الى مرحلة خسرت فيها ثقة الدولة بأنها جماعة اصلاحية راشدة وسطية، ولعل سنوات ما يسمى الربيع العربي كانت سلبية جداً على الجماعة التي انقلبت على نفسها وبدأت تذهب بأحلامها الى ما حصلت عليه في دول حولنا من سيطرة على الحكم وتغيير بنية النظام السياسي، وكانت لغة الاستعلاء والفوقية على الدولة، ونهج فرض الشروط الكبرى، واعتقدت الجماعة ان الزمن لمصلحتها وانها ايام ويكون لهم اليد العليا، وكل هذا اثبت لأصحاب القرار ان الجماعة تؤمن بالاصلاح لأنها لا تملك غيره، اما عندما تعتقد ان الابواب مفتوحة لغيرها فشهيتها واسعة، وتنسيقها كبير مع دول وجهات وتحالفات معلومة.

3 - إن المشكلة الكبرى للجماعة مع الدولة الأردنية هي انعدام الثقة بخطابها ونهجها، فالجماعة فقدت عوامل الرشد والعقلانية الصادقة نتيجة الصراعات داخلها، وتدخل جهات اخوانية خارجية في معادلتها لمصلحة تيار ضد آخرين، كما ان الجماعة قدمت لصفوفها الاولى من افتقدوا الخبرة، ومن لا يملكون القدرة على قراءة الاحداث، لهذا ذهبوا بعيداً في تقديرات خاطئة، ومارسوا افعالاً تنقض مساراً تاريخياً للجماعة، واعتقدوا ان المسافة بينهم وبين الحكم – وليس الحكومة – قريبة، فغاب حسن التقدير وسادت لغة الفوقية والاستعلاء على الدولة بل والاستقواء عليها.

4 - إن المشكلة الاساسية هي لدى الجماعة، ولعلي من الذين تحدثوا للجماعة بعد سقوط حكمهم في مصر ان يمارسوا المراجعة الداخلية، وان يجلسوا مع انفسهم لتقييم تجربة خسروا فيها الكثير الكثير، وان يعملوا على إعادة الثقة بهم من الدولة، واقصد الثقة بخطابهم ونهجهم، لان كل من تابع تجربتهم خلال الاعوام الاخيرة حمل القناعة بان الجماعة تحمل خطابا ونهجا لكل مرحلة، اي فقدت المصداقية ولم تعد الدولة تثق بما تقوله الجماعة في غرف مغلقة وتمارس غيره في غرف اخرى اواجتماعات خارج الحدود.

5 - أما ما يُقال من أن الجماعة هي صمام الأمان لانتشار التطرف وأن بديلها هو الأسوأ فهذا قول كان يصلح يوم أن كان الرشد والاعتدال جوهر قيادتها التي حافظت على المعادلة مع الدولة، لكن الجماعة اصبحت جماعات وتيارات، كما انها مارست انواعا من التطرف والاستقواء، وانتقلت من النهج السلمي الى العمل على تغيير بنية الدولة واستهدفت مباشرة صلاحيات وجوهر مؤسسة الحكم.

ومن جهة أخرى، فان التطرف حكم سلوك الجماعة في اقطار أخرى، كما ان تنظيمات التطرف لم يعد وجودها او انتشارها مرتبط بوجود الاخوان والواقع يشير الى هذا.

اما من هو بديل الجماعة؟ فالسؤال يوجه للاخوان، فهم القادرون على التخلص من امراض واحلام الربيع العربي التي غيرت المسار، وهم المسؤولون عن انتشار خطاب الاستفزاز والاساءة للدولة والتنكر لها، وهم المسؤولون عن صراعات داخلهم، ابعدت تيار الرشد والعقلانية، وهم المسؤولون عن تحالفات مع دول صنعت لهم احلاما واوهاما اما الدولة فليست معنية بأزمات وهي حريصة على نهجها الراشد، لكنها تتعامل بالقانون لضبط الايقاع، فالرشد لا يعني تحييد القانون.

سميح المعايطة

كاتب أردني