الأدب في مواجهة الطغيان

37 نوعية نقدية

إن كل كتابة فكر لا ترقى إلى مستوى وعي النص، لا تكون قد أكملت دورة الاستحقاق من الاعتبار، حيث إن النص هو ما يتراءى في أفق الوعي، فيستبين رؤية أو يستثير تساؤلاً أو يضع مؤشرات من قلق ظمأ إلى طلب معرفة لفك مستغلق فهم حول قضية، والنص بهذا الفهم لا يخضع لحدود التقليد المدجن من معالجات، بل هو استشراف المرائي في الأفق البعيد، لتضع أسس معالجات لكل ما هو متغير من أفعال، فالأصل في الفعل الدنيوي ومتعلقاته هو متغير بتغير الظروف ولا ثابت فيه مطلقاً، لأنه فعل يتم وفق إرادة الإنسان التي لا قداسة فيها – تسقط معها عملية النقد – في مقابل ما هو ديني فالمسألة الدينية هي التي تتمتع بالقداسة لا متغير فيها فالفرق في الثابت والمتغير هو فرق بين ما هو ديني وما هو دنيوي فناموس التغير مرتبط بما هو من فعل البشر.

كتاب "الأدب ومقاومة الطغيان" للكاتب حسين عيد، من الكتب القيمة، التي تفتح أفقاً للحوار الإنساني، والجمالي الرفيع، وهي من مصاف الكتب المقلقة التي تقض المضاجع المطمئنة، وتأخذها بعيداً عن أنفسها لنراها من الخارج فتعيد قراءة ما هو مظنون من المسلمات وبديهيات في ضوء رؤى جديدة، فنراها في محور تدوير الزوايا أنها لم تكن من المسلمات كما كان في سالف اعتقادنا، بل هي مجرد وجهات نظر مثل وجهات نظر أخرى لا تقل عنها احتمالاً للحقيقة في أي صورة من صورها.

وهو كتاب يبتعد عن إنشائية التفكير بل يغوص في جدلية تاريخية، ويشير الكتاب الذي كتب مقدمته د. أيمن تعيلب تحت عنوان "حرية المجاز وطغيان السلطة" إلى أن الإبداع حين يقاومه الطغيان يقاومه من خلال منظور عقلاني مستنير يربط بين ما هو لا معقول بما هو معقول عبر إحسان قيادة اللامعقول الكامن في الدواخل، عبر ما اصطلح عليه الكاتب بتسميته بمسمى المجاز الذي قال عنه إنه يمتلك قدرة هائلة على تفكيك الحدود السياسية والثقافية الوهمية بين حدي المعقول واللامعقول.

ويضيف إلى أن قوة الصدام الهائل بين حرية الإبداع وقوة الطغيان قائمة على جسارة الإبداع النافي لطبيعة الرتابة وهو مزيج بين النظام واللانظام والعقل واللاعقل في شكل متناسق كل يقوم بدوره فيما خصص به من قيام الأدوار السلسة في بنية المفاهيم والتصورات عبر الوعي والتنوير للوجدان لإجلاء غمامة حتى تنقشع فيضاء الإبصار في كيان العقل فيبصر أسوار السجون التي يقبع خلفها الفكر. ويضيف أن للمجاز قدرة تتجاوز شرعية الدولة والمجتمع ولكنه لا تدمر بمعنى لا تدمر أصل المؤسسات والقوانين بل تدمر قمع المؤسسات والقوانين حيث لا تجدف إلى شروط المجتمع بل تسعى ضد شروط قمع المجتمع.

ويبين الكاتب أن ثمة تباينا وتضادا، فعل السلطة وموقف المجاز الإبداعي حيث تشغل السلطة نفسها بتدبيج الثقافات والدساتير ورسم أطر الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي، فيما يعني المجاز الإبداعي بمدى شرعية هذه الأطر وهو يبحث في المسكوت عنه والغائب عن الوجوه والوصول إلى مد يرمي عبره إلى خلخلة الرمزية السائدة المغلوطة باعتبارها جزءاً من سلطة الإجماع السائد، ويرى أنه إذا كانت الحياة نفسها شكلاً من أشكال الفعل الحر فإن المجاز هو أيضاً فعل الحرية.

• المجاز يواجه التبرير السلطوي

إن ثقافة الاستبداد والسلطوية المطلقة تدشن الكوابح لكل ما هو نقد عبر تبربر لمفاهيمها وتعميق ما هو سائد من الذي يقود أوهام الشرعية؛ فيما ثقافة المجاز والإبداع تؤسس للتغيير والتحويل والحرية والمواجهة، وتجسد السلطة لكل ما يخدم بقاءها، فتخلط عبر حبكة بالغة الدقة بين ما هو كلي بما هو جزئي، وما هو متعلق بالشأن الرباني بما هو بشري فيصبح رجل الدين ورجل السياسة متحدين بوعيهما في صفة الإطلاق الطاغي.

وفي أعماق الكيان الرمزي الإمبراطوي الضخم الذي يسمى الدولة تكمن الضرورة بكل كوابحها وعوائقها في مواجهة الذي هو الحرية، ومن شواهد التاريخ فإن الحقائق تقول إن باستمرار الدولة أن تأخذ بإبداعات مبدعيها فتغير من أنماط تفكيرها وتوسع من حدود خيالها وتعمق من سماحة لغتها ومرونة وعيها وتصرفاتها، ولأن الدولة لا تسعى من خلال هذا المسلك في تمحيص وتفكيك وإعادة وجهات جديدة للنظر والفعل والممارسة في جسد الدول فتتردى الدولة ويلتقي معها المجتمع بفضل أنوار العقل والبروق الإبداعي الهائل وينتج عنه التحويل والتغيير والتقدم والحرية والعقلانية بل تسعى الدولة من خلال شحذ خيالها إلى تطوير أساليبها والتفتق عن مزيد من أدوارهم اللغوية والتحكم.

• صناعة الكذب

فمن واقع تطوير الدولة لأساليبها عبر إبداع مفكريها فإنها تقوم بتطوير آلة تفكير الاختلاق لديها ومن هم في معيتها فيشرع المثقف تحت آلة القمع إلى التقوقع في داخل محميته مشيداً كهنوتاً ثقافياً أي أنه يقوم بتمرير منطق الطغيان بتمرير منطق البرهان مما يخلق حالة من الإجماع التواطؤي القابع على الوهم العام السائد، وتستقي الحقيقة مما شاع وساد وليس مما هو كائن بالفعل في الواقع والتاريخ، وتصبح صناعة الكلمات واستحلاب الكذب وغزل ونسج الكلامات ويصبح الواقع نفسه من نسج الكلمات وهناً ينفص الواقع غن واقعيته المادية العملية الفعلية ليصير واقع التعميمات والتجريدات الوهمية العامة واقع التمثلات وليس من واقع الممارسات فيختفي الإنسان والعقل والفعل والصدق والحقيقة والوطن والمواطنة، ويقوم بدلاً من هذا المكون الانعدام والوهم الماحق للتاريخ، ويصبح المنطق السائد هو منطق الوهم بدلاً من الواقع ويتم تجسيد الكذب من خلال التكرار الدائم وتثبيته كواقع فيحل الكذب محل الواقع وتحكي الروايات أشد وقع من الخرافة ويتنامى الكذب حتى يعتقد في صحته من كثرة ما ضخ من الكذب والبهتان على جسد واقع أكبر من حدود الواقع نفسه لدرجة الوصول للاشتباه فيما هو الواقعي واللاواقعي، ويصبح كل شيء حولنا مصنوع سلفاً من الوهم، ويحيا الناس والوطن حياة اللغة الكذوبة وليس لغة الحياة الطليقة فتغدو عقولهم عقول وسائطية افتراضية ينبني فيها الإدراك على قوة إثارة الخبر لا قوة واقعه، ويبدأ الطغيان من مرحلة تزييف الوعي إلى خلق الوعي الزائف، ومن مرحلة تزييف الحقيقة إلى مرحلة تدميرها بشكل كامل واقتلاعها من جذورها ومن مرحلة الكذب والتكذيب إلى مرحلة خلق واقع كاذب وفيه تقود اللاحقيقة الحقيقة والوهم الصدق والصورة الأصل حيث يتم تحويل الواقع إلى الكذب بديلاً عن إضافة الكذب إلى الواقع، وعندها تكون الحوجة إلى الإبداع هي حوجة ماسة لتخليق واقع مقاوم لهذا الطغيان، غير أن الوطن العربي أصبح مثل جسد هامد لا إبداع في كيانه يستوقفه هذا الانهيار الشامل والكذب الخادع لكي يبتع ما هو طوق نجاة ويحشد الطاقات في جبهة مواجهة لسيل الطغيان والأكاذيب، وأصبح الواقع العربي ذا هوية حكائية سردية بالمعنى الواسع العميق للمصطلح ولو بشكل جزئي وبات معها خلق منطق تعتيم الإعلام لا منطق تعميم الإعلام حتى بات لا يعرف الفرق بين خطب السياسيين وتضليلهم وبين ما هو ماثل على أرض الواقع، ولم يعد يعرف الفرق بين حدود الاتفاق وحدود الاختلاف. وبين حدود الوطن وحدود الدليس عليه بالوهم.

ويتساءل الكاتب عن الكيفية التي تم بها تأسيس الجهل بالعلم والفوضى بالكلام والموت بدل الحياة والوهم بالواقع وهذا ما يؤكده أن الخرائط السياسية الطاغية لم تعد محاكاة للأرض والثقافة والفكر والعقل والسياسية والاجتماع والإدراك والقيم في واقعنا العربي أي لم تعد الخريطة الرمزية القهرية محاكاة للواقع العربي نفسه، بل صاروا جميعاً في ركاب ينفي الواقع بالواقع عبر تأسيس وهم الواقع في مقابل نفي واقعية الواقع بل تمكّن الطواغيت من تسييل حدود الواقع لتكون حدوده هي الكلمات والشعارات وليس جسم التاريخ الفعلي وصارت مفردات الوهم والخداع والثقافة لا فرق بينها بل لا نستطيع أن نميز الفوارق الدقيقة بينها إلا بشق الأنفس.

ويرى الكاتب أن منطق الغياب أكثر من منطق الحضور ومنطق الصمت أكثر حيوية من منطق زيف العلن الثقافي السياسي العام، غير أن الكاتب يلفت إلى أن الطغيان ليس نبتة شرقية خالصة بل هي نبتة عالمية الكيان حيث إن العالم مليء بالطواغيت رغم أن الغرب حاول أن يثبت فكرة أن الشرق يمثل بيئة الطواغيت الحاضنة.

ويقول الكاتب: إن ذكرى ثورة 25 يناير أوحت بفكرة الكتاب الذي يحوي 37 نوعية نقدية لمعالجات أدبية تبنت جميعها فكرة المقاومة موزعة على ثمانية فصول، الأول منها ضد نظام شيوعي حول نظم شمولية تعكس ديكاتورية طبقية تتحكم في كل شيء في تلك البلدان التي تحكمها أو نحتلها والثاني ضد نظام عسكري يرصد صراع تلك النظم من أجل الحصول على السلطة والاستمرار في التمتع بخيراتها بحيث لم تكن تتوانى عن ارتكاب شتى أنواع الجرائم ضد المواطنين دون أن تهتز لها شعرة والثالث ضد الحرب بكل ما يكتنفها من سوءات ومآس، والرابع ضد قمع المعتقلات حيث كان الحجر على حرية المواطنين في المعتقلات أداة تلك الأنظمة المتجبرة، والخامس أقلية الحاكم والمحكوم الذي يضيء لنا النص الوحيد الذي يقول إن الوحيد الأوحد، والسادس ضد مجتمع جاء كاشفاً طبيعة بعض المجتمعات من مآس ومظالم ويتناول الفصل السابع ضد أي طغيان ألواناً مختلفة من الطغيان كما رسم الفصل الثامن والأخير إبداع عالم بديل روعة الفن حين يبتكر عوالم بديلة للمقاومة.

يذكر أن كتاب "الأدب ومقاومة الطغيان" للكاتب حسين عيد صدر ضمن مطبوعات الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة, ويقع في نحو 440 صفحة من القطع المتوسط. (خدمة وكالة الصحافة العربية)