الأدب المقارن بين المفهوم والتطبيق

دعوات للاهتمام بالتبادل الثقافي

الرياض ـ يستدعي د. حلمي محمد القاعود افتاحية العدد الأول من مجلة الثقافة المصرية عام 1939، حيث كتب أحمد أمين يرسم خطة الإصدار الجديد الذي يخاطب به المجتمع الثقافي آنئذ، ويفصل ببساطة شديدة في قضية شغلتنا ولما تزل، وهي العلاقة بين الشرق والغرب، وتمثل في الوقت نفسه جانبا مهما من جوانب العمل في الأدب المقارن موضوع كتابه الجديد "الأدب المقارن: المفهوم والتطبيق" وهو العلم الذي يقوم على دراسة العلاقات التاريخية والتأثير والتأثر بين الآداب المختلفة في الشرق والغرب.

فالشرق فيه كنوز مطمورة، والغرب فيه كشوف مبهرة، والطرفان لا يملكان ترف القطيعة وإقامة الحواجز بينهما. ولا مفر من الجهد لكشف المطمور وصياغته من جديد ليلائم العصر، ولا مفر من الإفادة من كشوف الغرب ومعطياتها التي تلائم أمتنا.

البساطة الشديدة لأحمد أمين في طرح القضية نسفت الأحادية المقيتة التي انقسمت إليها النخب في بلادنا، من يتعصبون لتراثنا دون جهد يكشف كنوزه وجواهره، ومن ينحازون إلى الغرب دون وعي أو تمحيص.

الطرفان لا يحملان خيرا للأمة ولا يحركان قاطرة النهضة الفكرية والثقافية والحضارية إلى الأمام، وهو ما يقتضي أن يبذل العرب جهدا فائقا في العمل على الجبهتين للإفادة من التراث والغرب جميعا.

لقد أصبح الشرق مرتبطا بالغرب ارتباطا وثيقا في كل مرفق من مرافق الحياة: في الحركات السياسية، في الحركة العلمية والأدبية والفنية، في المادة والعقل، في كل شيء.

ومن الخير للشرق أن يقف على هذه الحركات فيتصرف فيها عن خبرة، ويحكم فيها عن علم، ويسايرها أو يعارضها عن درس، فتلك أصح لحكمه، وأوفق لغرضه، وأليق بإنسانيته.

ويشير أحمد أمين إلى أننا "لا نريد حربا إلا حرب الآراء، فهي حرب خير من سلم، وصراع خير من مهادنة، وقد علمتنا الأيام أن الرأي لا تنجلي صحته إلا بعد أن يُصهر في البوتقة، أما حرب شخص لشخص في شخصيته، وجماعة لجماعة في ذاتها لا في آرائها فسخافة نربأ بأنفسنا عنها، وصغار في جانب الغرض الأسمى الذي نرمي إليه .."

وتحمل مجلة الرسالة في أعدادها المبكرة دعوات للاهتمام بالتبادل الثقافي لتمكين الأواصر وتوثيق العرى بين الأدب العربي الحديث والآداب الغربية، من خلال الدراسات والترجم.

وفي سياق النهضة الأدبية التي شهدها النصف الأول من القرن العشرين، بدأ البحث الجدّي عن "الأدب المقارن"، العلم الذي سبقت إليه فرنسا، وأسست له، وجعلت أوروبا والولايات المتحدة تلتحق بركبه، مع تفاوت في الرؤية والتنظير.

كانت هناك جهود فردية مخلصة لفكرة البحث والمعرفة والإفادة العلمية من الغرب، هيأت المجال لجهود أكاديمية في الجامعة المصرية، توجت برحلة" محمد غنيمي هلال" إلى الغرب (باريس تحديدا) ليعود وهو يؤسس علميّا لـ "الأدب المقارن"، ويقدم كتابه الذي حمل هذا الاسم، وصار عمدة للباحثين من بعده.

وتتوالى البعوث العلمية والدراسات النظرية والتطبيقية ، ويصدر الطاهر أحمد مكي بعد ثلاثة عقود من الزمان تقريبا؛ كتابه "الأدب المقارن: أصوله وتطوره ومناهجه" ليضيف ما استجد من تطورات إلى الأدب المقارن ومباحثه.

ويستجيب كتاب الدكتور القاعود "الأدب المقارن: المفهوم والتطبيق" لمستجدات البحث في الأدب المقارن ليقدم للباحثين والطلاب فرصة العمل في الأدب المقارن وفقا لمفاهيم دقيقة، ونماذج واضحة.

يعرض الكتاب الصادر عن دار النشر الدولي بالرياض - 2015 لمفاهيم الأدب المقارن وقضاياه في القسم الأول متناولا تعريفات الأدب المقارن ومسمياته ومفاهيم الأدب القومي والأدب العالمي والمثاقفة، ونشأة الأدب المقارن في الأدبين الغربي والعربي، محاولا التركيز على أبرز التحولات في بلورة العلم هنا وهناك، مع بيان عُدّة الباحث وميادين البحث وفوائد الأدب المقارن، ثم يتناول الأجناس الأدبية والنماذج البشرية وأثرها في الآداب العالمية.

وفي القسم الثاني يعالج بعض النماذج والتطبيقات التي نتجت عن الصلات التاريخية والتأثير والتأثر، مثلما وضح في كتاب كليلة ودمنة والكوميديا الإلهية والفردوس المفقود وأسطورة أوديب والأديب الألماني جوتة.

إن هذا الكتاب ـ البالغ عدد صفحاته 350 صفحة من القطع الكبير ـ يفتح الباب أمام الطلاب والباحثين الشباب في لغة سهلة ودقيقة ليستشرفوا علما ما زال جديدا بالنسبة لنا، وهو الأدب المقارن الذي تفيد منه الإنسانية كلها حين يقرب بين الشعوب، ويدق مسمارا في نعش العنصرية الغربية والمركزية الأوربية، ويفسح المجال للتسامح وبناء علاقات بشرية على أساس من التكافؤ والمساواة والأمل.

وفي الكتاب قائمة بالإصدارات التي تناولت الأدب المقارن في أرجاء العالم العربي يفيد منها المهتمون بالبحث في هذا العلم المهم.