الأخوات المسلمات... العائلة في خدمة التنظيم

زينب الغزالي وحميدة قطب في 1965

منتصف شهر فبراير (شباط) 2010 ثار جدل ونقاش واسع، في مصر على خلفية التحقيقات التي أجرتها نيابة أمن الدولة المصرية، مع عدد من قيادات الصف الأول في جماعة "الإخوان المسلمين" صنفته الصحافة بـِ "المفاجأة"، التي لم تكن سوى وجود تنظيم نسائي داخل الجماعة، يقوده النائب الأول للمرشد العام للإخوان محمود عزّت.

وبحسب تقرير صحيفة "المصري اليوم" (1322010)، فإن تحريات مباحث أمن الدولة كشفت عن وجود تنظيم نسائي داخل الجماعة على غرار ذلك الذي كانت تقوده السيدة زينب الغزالي (1917-2005) القيادية الإخوانية الراحلة. وبحسب نص الاتهام في القضية، التي حملت رقم (202 أمن دولة عليا)، فإن "عزت والمجموعة المقبوض عليها عملوا على استقطاب عناصر نسائية، وضمّهن للتنظيم بهدف استغلالهن في نقل التكليفات الصادرة من التنظيم الخاص، والموجهة إلى كوادر الجماعة لتلافي الرصد الأمني على غرار تنظيم زينب الغزالي".

إن التنظيم النسائي لجماعة الإخوان المسلمين ليس بالأمر المستحدث. ذلك أنه منذ وقت الأب المؤسس للجماعة -الإمام حسن البنا- كان ثمة إدراك لأهمية الدور الذي تقوم به المرأة في دعم فكرة الإخوان المسلمين الناشئة. والواقع أن محاولة فهم التنظيم الحالي للأخوات المسلمات لا يمكن أن يتم بمعزل عن البدايات الأولى، التي ساهمت في تشكيل الملامح الأساس للتنظيم حتى يومنا هذا. وبدون الدخول في تفاصيل -قد لا تهم القارئ غير المتخصص- يكفي القول بأن أول قطاع نسائي في جماعة الإخوان يعود للعام 1932، أي بعد أربع سنوات من تأسيس الجماعة، وأطلق عليه اسم "فرقة الأخوات المسلمات".

وهو تشكّل من نساء وبنات الإخوان الذكور، الأمر الذي سيظل أساساً في عملية تجنيد الناشطات حتى اليوم، حيث ما زالت الرابطة العائلية تقوم بدور مهم في تجنيد عناصر جديدة، وهو أمر انتُقدت عليه الجماعة مراراً، غير أن الردَّ غالباً ما يرجع ذلك إلى التضييق الأمني والسياسي المفروض على الجماعة، مما لا يتيح لها حرية الحركة والإعلان عن نشاطتها وتجنيد عناصر بشكل علني من دون الوقوع في قبضة الأمن الحديدية.

كانت أحد أهم أهداف التنظيم النسائي آنذاك حثّ الأخوات المسلمات على "التمسك بالأخلاقيات الإسلامية ونشر الفضيلة"؛ عبر المحاضرات والتجمعات المقتصرة على النساء. الغريب في الأمر، أن رئيس التنظيم النسائي، في ذلك الوقت، كان الشيخ محمود الجوهري، الذي اختاره البنا لهذا المنصب ليكون همزة وصل بين المرشد والنساء. غير أن التنظيم لم يستمر طويلاً بسبب نقص الكوادر النسائية، وحتى حين طلب البنا من السيدة زينب الغزالي أن تتولى زمام التنظيم فضّلت أن تركز على عملها المستقل.

ومثلت مرحلة الخمسينيات والستينيات فترة من أصعب فترات تاريخ الإخوان، حيث الاعتقالات التي طالت أهم قيادات الجماعة. ظاهرياً خفت دور النساء بسبب القمع الشديد الذي تعرضت له الجماعة، غير أن جيهان الحلفاوي إحدى الناشطات البارزات في الجماعة، أكدت أن "ما حفظ الجماعة من الانهيار، في ذلك الوقت، هو ما قامت به النساء من جهود لتولّي المسؤولية حين كان الرجال في السجون أو في المنفى"؛ ولأن النساء احتفظن بحرية الحركة، فقد استطعن القيام بتأمين الدعمين المادي والمعنوي لأُسَر المعتقلين، وهي أيضاً واحدة من المهمات التي ستظل تقوم بها النساء حتى الوقت الحاضر.

بيد أن هذا الواقع تبدّل مع مطلع السبعينيات وبداية الحقبة الساداتية، التي وصفتها الحلفاوي بأنها "حقبة النشاط الإسلامي العلني". برز خلالها الناشطون الإسلاميون كقوة فاعلة، وكان حرم الجامعات المصرية هو الساحة التي تمكن الإسلاميون من خلالها استعادة نشاطهم المجتمعي. ولا يمكن فهم ذلك بمعزل عن الإطار السياسي الحاكم آنذاك، الذي دفع بالسادات "لإخراج الاسلاميين من القمقم"، ليواجه بهم خصومه السياسيين من الشيوعيين وبقية اليسار.

غير أن الحركة النسائية الإخوانية ستنتظر حتى العام 2000، لتحظى بأول مرشحة من الكوادر النسائية، وهي جيهان الحلفاوي التي كانت من الناشطات البارزات خلال حقبة السبعينيات، والتي قادت الحركة النسائية في الجامعة. ويمثل ترشيح الحلفاوي نقطة أساس في تطور التنظيم النسائي، وهي - وإن لم تفز بسبب التدخل الحكومي السافر ضدها وضد أنصارها- إلا أن ترشحها دشّن مرحلة جديدة من العمل النسائي خرجت فيه النساء للواجهة السياسية.

تمارس الأخوات نشاطهنَّ عبر عدد من اللجان، كاللجنة التربوية، واللجنة الاجتماعية، واللجنة الإعلامية. أما الجزء الأكبر من عمل الناشطات حالياً فينصبُّ على النشاط الديني والخيري. يتم التنسيق عبر الشخص المسؤول عن النشاط النسائي في المكتب الإداري (يوجد في كل محافظة مكتب إداري يتولى التنسيق بين القاعدة والجماعة الأم في القاهرة)، وقد اختصرت الناشطات اللواتي أجريت معهن مقابلات، وهنَّ ذوات خلفيات اجتماعية وتعليمية وعمرية متنوعة، مطالب الحركة النسائية في مطلبين أساسيين:

1- ضرورة دمج النشاط النسائي في البنية الأساس للجماعة الأم؛ لأنها كيان منفصل عن نشاطات الإخوان، أي الجماعة الأم.

2- ضرورة تمثيل النساء في كل هيئات صنع القرار.

في ما يرتبط بالمطلب الأول، تعتبر الناشطات أن عملية الدمج عملية أساس لوضع حدٍّ لتهميش المرأة داخل الجماعة؛ ولأن الفصل هو "تمييز" لم يعد يتناسب مع الظروف القائمة اليوم. ما تريده الناشطات باختصار هو أن تمكِّنهنَّ عملية الدمج من الاحتفاظ بهيئة تراتبية مستقلة، على أن تكون هذه الهيئة ممثَّلة في مراكز صناعة القرار. اللافت أن هناك بعض الناشطات اللاتي يتبنَّين اتجاهاً محافظاً ممن لا يتفقن مع هذا الرأي ويرين بضرورة استمرار الفصل. ويردّ عضو المكتب السياسي للجماعة عصام العريان على هذه الآراء بالقول إن "الفصل موجود بسبب الوظيفة لا بدافع التمييز".

مما لا شك فيه، أن هذا النقاش حول غياب الأخوات عن هيكليات الإخوان تأثّر بالانقسام الحاصل بين الإصلاحيين والمحافظين. في حين تدعم المجموعة الأولى تمثيل الناشطات في مواقع داخل الجماعة اعترافاً منها بالدور الرئيس الذي تقوم به الناشطات في دعم الجماعة سياسياً واجتماعياً، تؤمن المجموعة الثانية بأن وجود النساء في المناصب العليا لن يمنح الأخوات تأثيراً أكبر.

وصفوة القول، أتاحت المقابلات المطوّلة، التي أجرتها الباحثة مع مجموعة واسعة من الناشطات، الوصول إلى استنتاج مهم مفاده أن الناشطات، رغم وعيهن بأهمية مساهماتهنَّ في معارك الحفاظ على وجود الجماعة، ورغم مطالبتهنَّ بدور أوسع في المجال العام وبمواقع القرار وتفعيل التنظيم النسائي، إلا أنهنَّ لسنَ على استعداد للتضحية بوحدة الجماعة وتماسكها في سبيل الحصول على مطالبهن.

إلا أن السؤال الرئيس يبقى، إلى أي مدى يمكن أن يشكّل ظهور جيل جديد من الناشطات- سيما منهن اللاتي على صلة دائمة بالقيادات بحكم صلة القرابة العائلية- بالإضافة لمناخات أكثر ديمقراطية عوامل حاسمة بالنسبة لتطوّر الحركة النسائية في جماعة الإخوان المسلمين.