الأحزاب في اليمن.. قواعد شابة وقمم كهلة

مستقبل العمل الحزبي في اليمن.. الى اين؟

صنعاء - نظمت مؤسسة "حوار" للتنمية الديمقراطية بالشراكة مع الصندوق الوطني الديمقراطي مؤخرا في صنعاء ندوة بعنوان "الشباب والأحزاب.. قراءة في التجربة اليمنية".
وفيما يلي استعراض لابرز ما جاء في الأوراق الخمس المقدمة في الندوة التي أدارتها الناشطة والصحفية إلهام الكبسي.

إشكالية الهرمية الحزبية

قال الناشط والكاتب ماجد المذحجي في مداخلته المعنونة "خارج السياسة.. الشباب والمجتمع والعمل الحزبي في اليمن" ان الشباب يطرحون في علاقتهم بالسياسة والعمل الحزبي سؤالاً مستمراً من ناحية أسباب نفورهم منهما باعتبار هذا التقدير الأخير، أي النفور، هو السمة البارزة لما يجمع الطرفين.

واضاف المذحجي "كحاصل لذلك تبدو السياسة كهلة في اليمن وتفتقد للحيوية، حيث الشباب عادةً خارج أدواتها ومناخها واحتمالاتها، ويشكل انسحابهم من الأحزاب والتنظيمات السياسية أبرز سمات هذا الانصراف عنها حالياً".

وطرح المذحجي تساؤلات عن أسباب عزوف الشباب عن العمل الحزبي متناولا حالات الأحزاب في مرحلتي ما بعد الوحدة وما بعد حرب 1994 كما تناول المذحجي في ورقته البيئة التنظيمية للأحزاب معتبراً أن البنية التنظيمية ذات الطابع التراتبي الهرمي في الأحزاب السياسية تشكل احد ابرز معوقات إمكانيتها للتطور وتمكين الشباب سياسياً.
إن ذلك شأن في كليته بحسب المذحجي جعل من المؤسسة الحزبية بيئة "مخاصمة" للشباب خصوصاً وغير محبوبة بالنسبة له، أو قادرة على التفاعل مع حركيته وتطوره المستمر، وساهم ذلك تالياً في إفراغها منه بشكل مضطرد.

وحول الحزب الإشتراكي قال المذحجي أن الحزب كان يمتلك قبل الوحدة جهازاً تنظيمياً فعالاً، وخصوصاً في تمثيلاته الحزبية السرية في الشمال، وكان يمتلك لسنوات الثمانينات والسبعينات قدرة على استقطاب العضوية الشابة، حيث كانت إيديولوجيته اليسارية عنصراً فعالاً في تلك القدرة على الكسب الحزبي للشباب، بما لها من إغواء ناعم في تلك الفترات التي سيطرت فيها السرديات الإيديولوجية الكبرى على العالم وعلى تفكير الشباب.

بيئة غير صديقة للشباب

استعرضت الناشطة اليمنية سهى باشرين فقرات من دراسة سابقة لها تتناول واقع الشباب في الأحزاب الثلاثة البارزة في إطار اللقاء المشترك وهي التجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي، والتنظيم الوحدوي الناصري، وذكرت أن منهجية الورقة (واقع الشباب في أحزاب اللقاء المشترك) اعتمدت على وثائق مكتبية للأحزاب بالإضافة إلى مقابلات مع قادتها وتوزيع استمارات مبسطة على عينة من شباب تلك الأحزاب الذين هم بين سن 18 إلى 30 سنة، وهو السن الذي قالت باشرين أن قادة الأحزاب قد استنكرت اختياره، ولكنها في نفس الوقت لم يكن لديها أي تحديد لسن فئة الشباب.

وذكرت باشرين أن من أهم الاستخلاصات التي خرجت بها الورقة هي أن الأحزاب الثلاثة بشكل عام بيئة غير صديقة للشباب مع بعض الاستثناءات لحزب الإصلاح من الناحية التنظيمية، وبالنسبة لمستوى مشاركة الشباب في رسم وصنع سياسة الأحزاب.

ولخصتها باشرين في عنوان مقال الصحفي سامي غالب أثناء تغطيته للمؤتمر الرابع للتجمع اليمني للإصلاح عام 2008، والذي كان "شيوخ على رأس هرم فتي"، حيث يشكل الشباب قاعدة الهرم ولكن من يرأسه هم أصحاب الستين والسبعين عاما، وبما أن التبادل الطبيعي للسلطة داخل الأحزاب غير موجود فيجب الاعتماد على التاريخ الصحي للأعضاء الصحيين لصنع هذا التبادل.
وواصلت باشرين عرضها قائلة انه بالرغم أن جميع الأحزاب أكدت أن الآراء تؤخذ عن طريق التشاور وبمشاركة الشباب وتأخذ في عين الاعتبار احتياجاتهم وتوجهاتهم، إلا أن معظم الإجابات في الاستمارة التي وزعت على الشباب والشابات أكدت على أن الواقع المعاش يختلف عن أدبيات الأحزاب.
وتابعت ان القيادات العليا تتخذ القرار ثم تفرض على الشباب تنفيذه، وضربت مثلاً بعضوات "الاشتراكي" اللواتي قلن أن التحالف مع الإصلاح قرار قد أتخذ من أعلى دون أي تشاور معهن وكن مضطرات للتنفيذ دون نقاش.

وذكرت باشرين أن الانتخابات هي المرحلة الأبرز للاستفادة من طاقات الشباب داخل الأحزاب حيث يتم حشدهم في أعمال الدعاية الانتخابية والترويج للمرشحين وحشد الجمهور والمراقبة للجان الانتخابات ومراقبة الصناديق.

المرأة مقموعة والشباب مقصيون

مهد أمين الوائلي رئيس تحرير صحيفة "كل أحد" لورقته "المعنونة الأبوية السياسية.. أجيال في خدمة النخب الحزبية" بجملتين أساسيتين أولاها أن "المرأة ممنوعة أو مقموعة والشباب إما مقصيون أو مخصيون". وثانيهما ان وضع "الكهول ككل شيء يفضي إلى أن تكون النتيجة لاشيء".

وانتقد الوائلي ما أسماه بغياب الديمقراطية الداخلية في الأحزاب معتبرا ذلك هو المعيار الأول الذي يمكِّن من معرفة وتقييم الظاهرة الحزبية، وما إذا كانت الأحزاب "مؤسسية" أم لا؟.
وقال انه يتوقف على هذه القيمة معرفة درجة تطور الأحزاب ومدى تبلور العملية الديمقراطية كفعل مؤسسي ومنهج مستمر، وأيضاً مدى وحجم تحرك أو "دوران النخب" الحزبية واعتماد آليات شفافة وديمقراطية تسمح بوصول الكفاءات الشابة والوجوه المتحمسة إلى الصفوف القيادية العليا.

واعتبر أن أحزاب المعارضة أكثر استقطاباً للشباب، كونها أكثر حرصاً على اكتساب مناصرين ومؤيدين مما هو عليه حزب السلطة المشغول بمغانمها والذود عن مصالحه فيها أكثر من أي شيء آخر.

لكنه يرى أن أحزاب المعارضة لا تفعل شيئا أكثر من إلهاب الحماس الشبابي ومخاطبة الحاجات الخاصة ثم لا شيء بعد ذلك غير أن حزب الإصلاح أوجد وجوها شابة في البرلمان مثلا لكنها لم تصل إلى مواقع قيادية في الحزب كما أن الأصوات الشابة الليبرالية داخل الحزب لم تتحول إلى ظاهرة يمكن التخاطب معها.

وعن المؤتمر الحاكم يعتقد الوائلي أنه يلعب دور الضحية السهلة لثقافته وشخصيته التقليدية بوصفه "المرجعية" الأولى لجميع الأحزاب، حتى وقد انتهى ذلك العهد الشمولي واستقل كل حزب وتنظيم بكيانه وذاته بعد الدخول في التعددية السياسية والحزبية، لكن المؤتمر لازال يرى نفسه في مرآته الخاصة بوصفه "الحزب الأب".

مرآة الواقع

استعرضت رنا غانم القيادية في التنظيم الوحدوي الناصري في بداية ورقتها (الشباب إلى أين) الوضع العام في اليمن ومؤشرات التنمية والفساد والفقر والبطالة والأمية وكذلك الهامش الديمقراطي الذي قالت أنه يزداد تراجعاً يوماً عن يوم وضعف سيادة القانون، وعدم استقلالية وحيادية القضاء وضعف البنية التحتية والبنية المؤسسية للدولة.

وخلصت غانم من هذا الاستعراض لهذه المؤشرات إلى أن هذا الوضع المتردي العام يزيد من إحباط الشباب والتحديات التي يواجهها، وذهبت في ذات السياق إلى القول بأن واقع الحياة في الأحزاب السياسية ليس بأحسن حالاً عن الوضع العام الذي عكس نفسه وبقوة على عمل وطريقة أداء الأحزاب وانشغالاتها.

وقالت رنا أن العلنية في العمل الحزبي التي أتت بها الوحدة لم تحم الأحزاب من التعرض للإضعاف والمضايقات، وعليه فإن الشاب المنخرط في حزب سياسي لم يعد يجد ما يميز إدراكه ووعيه بما يدور حوله عن الشاب غير المنخرط في حزب سياسي، بل إن انخراطه في حزب غير مرضي عنه من السلطة قد يعرضه للمضايقات ويحرمه من عدد من الامتيازات التي قد يكون بإمكانه الحصول عليها.

وأكدت القيادية الناصرية أن الأحزاب تخلت عن دورها في التوعية السياسية وإعداد وتأهيل الكادر، ولا تراعي رغبات وميول وتوجهات الشباب ولا تعكسها في أنشطة اجتماعية وثقافية تخدم الجانب السياسي، فعلى سبيل المثال لا تنمية للمسرح ولا للموسيقى ولا للأندية الرياضية والثقافية والتي يمكن أن تصب في خدمة التوعية السياسية وتعزيز دور الشباب في الأحزاب.
وقالت غانم أن الشباب يمارس نشاطه داخل الحزب في قطاع خاص بالشباب، مما يؤدي إلى عزله داخل القطاع ويحد من مدى تأثيره و إسهامه في اتخاذ القرار، وأبرز مهام الشباب في الأحزاب هي الجانب التنفيذي للمهام الإدارية والجماهيرية، ولكنهم بعيدين عن التخطيط والقرار السياسي.

شقاة الأحزاب

عبدالله مصلح رئيس تحرير صحيفة اليقين قال في بداية مداخلته بعنوان "الشباب والأحزاب.. مأزق المشاركة السياسية" أن الشباب يعتبرون "شقاة الأحزاب" كما يسميهم البعض كونهم يقومون بتنفيذ ما يخطط لهم القادة دون إشراكهم في عملية التخطيط، إضافة إلى قيامهم ببعض الأعمال اليدوية كتعليق اللافتات والملصقات وإعداد أماكن إقامة الاحتفالات والمهرجانات السياسية، ومساعدة بعض قياداتهم في استخدام التقنيات كالكمبيوتر والانترنت والهواتف المحمولة.

وأكد مصلح على ضعف دور الشباب في الحياة الحزبية والسياسية، وانكماش أدائهم الحياتي في المجتمع وكأنهم يعيشون قسراً مرحلة الشيخوخة المبكرة.
وأضاف أنه لمن الصعوبة بمكان أن نحمّل الأحزاب وحدها مسؤولية هذا التراجع وإن كانت تمثل سبباً مباشراً فيه، كما يصعب إلقاء المسؤولية الكاملة على الشباب أنفسهم وإن كانوا لم يكلفوا أنفسهم عناء ردة الفعل باتجاه لعب دورهم المفترض في ميدان النشاط السياسي، مضيفاً أن الأحزاب لا تتحمل وحدها مسؤولية هذا التراجع وإن كانت تمثل سبباً مباشراً فيه.

وسرد مصلح عدة أسباب يرى أنها أدت لهذه النتيجة منها داخلية تتعلق بالأحزاب، وأخرى خارجية تخص المناخ العام.

ومن الاسباب التي أشار إليها الإمكانات المتاحة لدى الأحزاب في ترجمة وتنفيذ برامجها المعلنة. وممارسات بعض النخب السياسية في كبح طاقات الشباب وإبعادهم عن مراكز القرار سواء بحسن نية أو بجهل أو كان بسوء نية. بالإضافة إلى الزج بالشباب في الصراعات القبلية وعمليات الثأر الهستيرية وغياب البرامج التأهيلية.

وقال مصلح أن أنشطة الإصلاح الخاصة بالشباب محصورة في جزئية محدودة من شريحة الشباب وهم الطلاب وتحديداً طلاب المرحلة الثانوية والجامعية على حساب ما قبلها وما بعدها من المراحل، مستدركاً أن أنشطة الإصلاح تعد أفضل وأجدى من أنشطة الحزب الحاكم الذي هو "يفتقر إلى منهجية الكفايات التنظيمية التي تمكنه من إيجاد قيادات شبابية وطلابية حقيقية لقيادة العمل التنظيمي في المستقبل على أسس علمية دون الارتهان للأنشطة العشوائية أو ذات الطبيعة الموسمية الموجودة حاليا".