الأحزاب المغربية تتنافس بوعود اقتصادية غير واقعية

دعاية حزبية انتخابية لا تتطابق والواقع

الرباط - قدمت الأحزاب المغربية التي تتنافس في الانتخابات البرلمانية المقررة الجمعة برامج انتخابية خصصت قسطا كبيرا لوعود اقتصادية تتعلق أساسا بالتشغيل وتحقيق الرفاهية، لكن أغلب هذه الوعود "غير واقعية" لأنها لا تراعي الظروف المحلية والعالمية.

والوضع الاقتصادي في المغرب مرتبط إلى درجة كبيرة بعوامل مناخية حيث تسبب الجفاف في تراجع المحاصيل الزراعية خاصة الحبوب منها، ما يجسد إلى حد كبير الارتباط الكبير بين اقتصاد البلاد واستقرار قطاع الزراعة، وما يفرز واقعا يفوق الوعود الانتخابية للأحزاب في التشغيل وتحقيق التنمية.

وتشكل الزراعة نحو 15 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي. وبفضل الأمطار التي كانت استثنائية في 2015 حققت البلاد نسبة إنتاج قياسية من الحبوب جنبتها استيراد كميات كبيرة من السوق الدولية التي شهدت ارتفاعا كبيرا في الأثمان، فاستطاع اقتصاد المغرب تحقيق نسبة نمو بلغت 4.5 بالمئة، أي ما يقارب معدل 5 بالمئة الذي حققه المغرب خلال العشر سنوات الأخيرة.

وفي الوقت الذي أبقى فيه البنك المركزي المغربي توقعاته لنمو الاقتصاد خلال 2016 لتتراوح ما بين 1.2 بالمئة و1.5 بالمئة بسبب الجفاف الكبير هذا العام، تعاكس أغلب برامج الأحزاب هذه التوقعات وتعد بتحقيق نسب نمو تتراوح ما بين 5 و8 بالمئة في وقت لا تملك فيه القدرة على التحكم في الطقس ونزول الأمطار.

وتساهم الزراعة المغربية لوحدها في الناتج الداخلي الخام للبلاد بنسب متذبذبة تتراوح بين 15 و20 بالمئة تبعا لحجم المتساقطات المطرية سنويا، كما تشغل نحو 40 بالمئة من اليد العاملة النشطة.

وإضافة لعدم القدرة على التحكم في المتساقطات، تبقى الزراعة المغربية معيشة في أكثر من 80 بالمئة من المساحات المستغلة، ما يضعف من تنافسيتها وهو مشكل تحاول البلاد تجاوزه منذ إطلاقها لمخطط المغرب الأخضر سنة 2008.

ويشكل هذا الارتباط العضوي بين الإقتصاد والمناخ تناقضا في معادلة النمو التي تحاول المملكة عكسها لصالحها عبر تبنيها بإشراف من العاهل المغربي الملك محمد السادس، لسياسة تنويع الاقتصاد الوطني عبر تبني التصنيع وتطوير البنيات التحتية.

فإلى جانب الزراعة يتمحور الاقتصاد المغربي على قطاعات أخرى تساهم في توازنه وتطوره وعلى رأسها قطاع الفوسفات الذي تملك البلاد ثلاثة أرباع مخزونه العالمي وتعتبر أول مصدر له.

بدورها تساهم تحويلات المغاربة المهاجرين خارج البلاد وعددهم يفوق خمسة ملايين (12 بالمئة من السكان) في جلب العملة الصعبة التي تحتاج اليها البلاد للاستيراد، وقد فاق حجمها خلال 2015 ستة مليارات دولار (7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي) وملياري دولار خلال الربع الأول من 2016.

وإضافة إلى ذلك تساهم السياحة المغربية بشكل مهم في مداخيل العملة الصعبة والتشغيل، لكن منذ تفجيرات أركانة بمدينة مراكش سنة 2011 وعدم الاستقرار الذي تعرفه بلدان منطقة الربيع العربي، يعاني القطاع من ركود لا يلبي الطموحات المعقودة عليه.

وعود غير واقعية

ولتجاوز التذبذب في مصادر العملة الصعبة وتقلبات المناخ، استثمرت البلاد بشكل كبير في البنيات التحتية للطرقات والموانئ والمطارات والسكك الحديدية ومناطق اللوجستيات خلال السنوات الأخيرة، وعملت على تسهيل القوانين وإصلاح الضرائب لجعل المغرب قاعدة جذب لكبار المستثمرين وبوابة حديثة للراغبين في التوغل في القارة الافريقية.

وبالنسبة لنادية صلاح رئيسة تحرير يومية "ليكونوميست" فإن "هذه البنيات التحتية تم تطويرها برعاية الملك محمد السادس وقد مكنت من جذب الشركات الأجنبية وهو ما نسميه حرب الأرانب أي أنه عليه أن تمسك أرنبا كبيرا حتى تتبعه باقي الأرانب".

وبالفعل استطاعت البلاد بفضل هذه السياسة جذب مستثمرين كبار من عيار "رينو" الفرنسية وعملاق الطيران الكندي "بومباردييه" وأخيرا العملاق الأميركي "بوينغ" الذي وقع مع المملكة عقدا لتصدير مليار دولار من المنتجات سنويا من أراضيها.

لكن المشكل الذي يظل قائما بحسب نادية صلاح هو أن "أصحاب المشاريع والمقاولات غالبا ما يجدون أمامهم إدارة عمومية قليلة الكفاءة وتخلق الكثير من العراقيل" ويضاف إلى ذلك "ضعف مستوى ومهارات الخريجين" التي يتطلبها تحول الاقتصاد المغربي.

أما بالنسبة للخبير الاقتصادي نورالدين الأزرق الذي درس وقارن برامج تسعة أحزاب مغربية استأثرت بغالبية الأصوات في الانتخابات السابقة فإن برامج هذه الأحزاب "مبنية على منطق متناغم يقوم على تغير النموذج الاقتصادي المغربي إلى نموذج تنموي يعتمد أكثر على التصنيع والتصدير".

وبحسب الأزرق فإن "المنطق في إعداد البرامج الحزبية كان قائما على سيناريو يتوقع تحقيق أحسن النتائج دون الأخذ بعين الاعتبار التطورات الممكنة للسياق الدولي وكذلك الظروف القائمة في السياق الوطني".

فعلى الصعيد الدولي كما يشرح الأزرق "النمو العالمي غير مستقر وسيبلغ في أحسن الاحوال 3 بالمئة، ما سيؤثر حتما على صادرات المغرب خاصة إلى أوروبا، كما أن ثمن البترول المنخفض اليوم سيعرف خلال العامين القادمين ارتفاعا إلى 75 حتى 100 دولار خاصة بعد اجتماع فرقاء البترول الأخير في الجزائر".

وهذه العوامل إضافة إلى "اتسام الاقتصاد العالمي الحالي بأزمة دورية" كما يوضح الاقتصادي المغربي "لم تأخذها برامج الأحزاب السياسية المغربية بعين الاعتبار".

وحتى خيار التصنيع الذي ركزت عليه برامج الأحزاب للزيادة من تنافسية الاقتصاد المغربي "ليس سهلا"، بحسب الأزرق "لأن التصنيع يعتمد وسائل إنتاج مستوردة يحدد السوق الدولي سعرها، كما أن فرص العمل التي تخلقها الصناعة اليوم في المغرب تتسم بالهشاشة ما سيضعف أكثر الاستهلاك الداخلي الذي أنقذ اقتصاد المغرب من الموجة الثانية للأزمة العالمية سنة 2009".

واشار الأزرق إلى أن خيار التصنيع يتطلب أيضا تقديم تحفيزات ضريبية للشركات المستثمرة وهو ما سيجعل مداخيل الدولة الضريبية "تنخفض في وقت تحتاج فيه البلاد للمزيد من الاستثمارات في البنية التحتية لزيادة تنافسية الاقتصاد ما سيدفعها للاستدانة الخارجية".

ويختم الخبير الاقتصادي المغربي بالقول إن هناك "تناقض في برامج الأحزاب رغم وجود منطق"، لأن "أغلب تلك البرامج تعد بخفض العجر إلى 3 بالمئة والدين الخارجي إلى 60 بالمئة في حين أن الواقع الاقتصادي يقول شيئا آخر".