الأحزاب العلمانية تحتاج الى البراغماتية في الانتخابات التونسية

النهضة فقدت بوصلتها

تونس ـ فشلت الأحزاب العلمانية التونسية في عقد "ائتلاف" فيما بينها يساعدها على خوض الانتخابات البرلمانية القادمة بـ"حظوظ وافرة" في مواجهة حركة النهضة الإسلامية التي لا تراهن فقط على أصوات قاعدتها الانتخابية المتمثلة في "نشطائها"، بل تراهن أيضا على أصوات أحزاب صغيرة موالية لها صنعتها بنفسها إضافة إلى رهانها على أصوات الجماعات السلفية.

وتظهر القراءة في القائمات الانتخابية البرلمانية أن علمانيو تونس "اختاروا" خوض الانتخابات بـ"قائمات منفردة" تؤشر على مدى عمق الخلافات السياسية فيما بينهم، في وقت يقول فيه المراقبون أن "الأحزاب العلمانية لو دخلت الانتخابات في إطار \'قائمات ائتلافية\' لشكلوا \'جبهة سياسية قوية\' تقودهم إلى فوز محقق في الاستحقاق الانتخابي على حساب الإسلاميين".

وبلغ عدد القائمات الحزبية 890 قائمة تمثل مختلف الأحزاب العلمانية التونسية التي بدت "مشتتة" ولم يتجاوز عدد القائمات الائتلافية أكثر 151 قائمة الأمر الذي عمق حالة من "التشرذم" نخرت مشهد سياسي يتنازعه "المشروع الإسلامي" الذي تتبناه النهضة و"المشروع الوطني الديمقراطي" الذي تعمل من أجله غالبية القوى الوطنية والديمقراطية.

وعلى الرغم من أن الأحزاب العلمانية تشدد على أن الانتخابات ستمثل "فرصة تاريخية" أمام الناخبين للخيار بين "نحت ملامح تونس الحديثة والديمقراطية التي يتعايش على أرضها التونسيون تحت راية دولة قانون قوية" وبين "تمهيد الطريق أمام مشروع رجعي جربته تونس ولم تجن منه سوى أزمة خانقة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وكذلك أمنيا" بعد، أن تحول ملف الإرهاب إلى "مشغل" لكل التونسيين، على الرغم من ذلك فإنها "عجزت" عن الترفع عن خلافاتها الداخلية وتتقدم بـ"مشروع موحد" يستقطب الناخبين التونسيين.

خلال العام الماضي حاول علمانيو تونس تشكيل "جبهة سياسية" موحدة في مسعى لمواجهة حركة النهضة الإسلامية تحت "اسم الإتحاد من أجل تونس" ورأى غالبية التونسيين أن "الإتحاد" سيحسم نتائج الانتخابات لفائدة مشروع الحداثة والديمقراطية، وينأى بتونس عن أصوات تراهن على تقسيم المجتمع إلى "مؤمنين" و"كفار" لشحن الناخبين ضد العلمانيين.

وبدا "الإتحاد من أجل تونس" بالنسبة لحركة النهضة "قوة سياسية" تهدد "مستقبلها السياسي" حتى أنها قادت جهودا لـ"إفشاله" من خلال سلسلة من اللقاءات أجراها رئيس حركة النهضة نفسه راشد الغنوشي مع قيادات الإتحاد حاول خلالها جس نبضها لـ"عقد تحالفات إستراتيجية" مع أهم الأحزاب التي شكلت "الإتحاد" وفي مقدمتها حزب حركة نداء تونس الذي يتزعمه الباجي قائد السبسي.

غير أن تلك الجهود فشلت لما أعلن قائد السبسي أنه لن يتحالف مع النهضة لا قبل الانتخابات ولا بعدها ما دفع بالحركة الإسلامية إلى "الاقتناع" بأنها "غير مرغوب فيها ولا في جهودها"، فانكفأت على نفسها وأيقنت أنها ستخوض الانتخابات "منفردة".

اتحاد فاشل

وفي الواقع لم يكن قائد السبسي الذي يقود حزبا تشقه ثلاث تيارات، التيار البورقيبي، التيار اليساري والتيار النقابي، "مقتنعا" بالتحالف مع "التيارات اليسارية والقومية العلمانية" نظرا لعمق الخلافات، إذ في الوقت الذي يشدد فيه "النداء" على قيادة "المشروع الوطني واستكمال مكاسب دولة الاستقلال تنمويا وسياسيا وأمنيا برؤية نقدية لتطويره بدت الأحزاب اليسارية "متشبثة" بموقفها العدائي لـ"الوطنيين" باعتبارهم أحفاد "عدوهم" الزعيم الحبيب بورقيبة، فيما تمسك القوميون بموقفهم الذي لا يرى في المشروع الوطني سوى "مشروع قطري فاشل" يجب الاستعاضة عنه بـ"مشروع عربي قومي" لا يقتصر على "جغرافية تونس العربية".

وإزاء هدا الخلاف العميق قرر حزب حركة نداء تونس وهو الحزب الأقوى "الانسحاب" من "الإتحاد من أجل تونس" واختار المشاركة في الانتخابات بقائمات تحت رايته الحزبية ما بدا مؤشرا قويا على أن علمانيي تونس تعصف بهم خلافات جوهرية تحول دون تشكيل "جبهة سياسية موحدة".

وأرجع قائد السبسي انسحابه من "الإتحاد" إلى الخلاف بين ما سماها "القوى الوطنية التي تؤمن بالتعايش بين جميع التونسيين في ظل الدولة الوطنية" وبين "أصوات تؤمن بالاجتثاث والإقصاء وترفض التعايش" موضحا أن "تونس الديمقراطية التي يتطلع إليها التونسيين هي تونس التي تكفل حق المواطنة للجميع وأنها ليست في حاجة إلى تقسيم المجتمع".

وصلت رسالة قائد السبسي إلى قيادات اليسار التي مازالت تحلم بـ"ديكتاتورية البروليتاريا" فاستغلت انسحاب "النداء"، وحاول حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي قيادة كل من حزب العمل الوطني الديمقراطي بزعامة عبد الرزاق الهمامي والحزب الاشتراكي بزعامة محمد الكيلاني تحت راية واحدة في شكل "تحالف القوى اليسارية" ضد "القوى الرجعية والظلامية" لكن المحاولة منيت بالفشل على الرغم من أن جدع المرجعية الإيديولوجية للأحزاب الثلاث هو واحد وهو الفكر الماركسي اللينيني.

البراغماتية تغيب عن اليساريين

وبدا "الرفاق" وهم يشقون طريقهم إلى الانتخابات كـ"ملوك الطوائف" تتزعمهم قيادات لم تستوعب بعد أن "الولاء الإيديولوجي شيء وبراغماتية العمل السياسي شيء آخر، شأنهم في ذلك شأن الإسلاميين، وبدل أن توحدهم "صورة تونس الديمقراطية" التي يتطلع التونسيون إلى نحت ملامحها تعمقت خلافاتهم الفكرية والسياسية حتى بدوا وهم على مسافة شهر من الانتخابات أكثر "تشرذما" وبالتالي أقل "تأثير" في المشهد السياسي.

غير أن تجربة الحكم الفاشلة التي قادها الإسلاميون وما رافقها من غضب شعبي وسياسي ومن تزايد خطر الجماعات الجهادية وإمعان النهضة في تقسيم المجتمع إلى "كفار ومؤمنين" أعادت الوعي إلى قيادات يسارية ذات تجربة عريقة في النضال السياسي بأن الخطر الإخواني لا يمكن مواجهته بـ"قائمات انتخابية منفردة" وإنما يستوجب "ائتلافا يساريا علمانيا" قادرا على التأثير في المشهد السياسي وبالتالي في حسم نتائج الانتخابات لدلك تم تأسيس "الجبهة الشعبية".

ونجح الشهيد شكري بلعيد، لما كان يتزعم حزب حركة الوطنيين الديمقراطيين في "ترويض" الرفاق على "أبجديات المشاركة في الشأن العام في إطار يسار موحد" وأسس "الجبهة الشعبية" التي هي عبارة عن ائتلاف حزبي يضم 11 تيارا يساريا.

ويقود الجبهة الشعبية حاليا العدو الشرس لحركة النهضة ولجماعات الإسلام السياسي عامة والمرشح للانتخابات الرئاسية حمة الهمامي.

وتقدمت "الشعبية" بقائمات موحدة للانتخابات البرلمانية في مختلف الدوائر الانتخابية لتفتح أمام الرفاق "آفاقا سياسية" في مشهد سياسي تجذبه النهضة إسلاميا وحركة نداء تونس وطنيا.

ولم يخف الهمامي يوم تقديمه لملف ترشحه للانتخابات الرئاسية أن "هدف الجبهة الشعبية من المشاركة في الانتخابات هو عدم عودة النهضة للحكم" مشددا على أن "تونس مهددة بعودة "الاستبداد" من خلال "ديكتاتورية ستفرض على التونسيين باسم الإسلام".

غير أن "الشعبية" التي "يناضل" الهمامي من أجل "إنقاذها" من مجرد "حركة احتجاجية بلا رؤية انتخابية إلى "قوة سياسية قادرة على تقديم برنامج انتخابي يستقطب الناخبين"، لم تتمكن هي الأخرى من الترفع عن الحسابات السياسية التي تشق الأحزاب المكونة لها الأمر الذي اضطر الهمامي إلى "توزيع" ترشحات الرفاق للانتخابات البرلمانية على أساس المحاصصة الحزبية.

وبدت قائمات الشعبية كما لو أنها قائمات لـ11 حزبا موزعين حسب انتماءاتهم الحزبية ومعاقلهم، أكثر منها قائمات ائتلافية".

ويرجع المؤرخون التونسيون الذين درسوا نشأة الأحزاب اليسارية والعلمانية في تونس "تشرذم" الرفاق إلى ما يسمونه بـ"ثقل المسار النضالي" وهم يقولون أن تلك الأحزاب التي بنت نضالها منذ العشرينات من القرن الماضي على "المعارضة الراديكالية في إطار تنظيمات سرية متعددة ومختلفة ومتنافرة يخون بعضها البعض" ولم تتح لها الفرصة للمشاركة العلنية في الشأن العام "شق عليها أن تتخلص من إرثها الإيديولوجي وتترفع عن الخلافات الفكرية لتتوحد في إطار مشروع ينسجم مع التضاريس السياسية للمجتمع".

النهضة تلفظ من تحالف معها

وتظهر قراءة القائمات الانتخابية أيضا أن الحزبين العلمانيين الصغيرين الذين تحالفا مع النهضة في انتخابات أكتوبر/تشرين الاول 2011 تقدما إلى الدوائر الانتخابية بقائمات منفردة بعد أن "لفظتهم" الحركة الإسلامية، ويتعلق الأمر بحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يتزعمه الرئيس منصف المرزوقي وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات الذي يرأسه رئيس المجلس التأسيسي مصطفي بن جعفر.

ويقول سياسيون أن كل من حزبي "المؤتمر" "والتكتل" لم يتقدما بقائمات منفردة "إراديا" وإنما اضطرا إلى دلك بعد "فيتو مجلس شورى النهضة" في مسعى للنأي بالحركة الإسلامية عن إعادة تجربة الترويكا الفاشلة وخشية من "ترويكا انتخابية" ثانية لن يجني منها الإسلاميون سوى الهزيمة.

وفي نفس السياق بدا الحزب الجمهوري الذي يقوده أحمد نجيب الشابي أكثر الأحزاب عزلة وأقلها تأثيرا في المشهد السياسي وبالتالي في قدرته على كسب أصوات الناخبين بعد أن قرر إراديا المشاركة في الانتخابات البرلمانية بقائمات "منفردة" ويضع حدا لحديث تداوله التونسيون حول إمكانية تحالفه مع النهضة.

وبعد فشل الأحزاب العلمانية في بناء "جبهة موحدة تجمع مختلف الأحزاب" في مواجهة حركة النهضة تبدو حظوظ الأحزاب العلمانية في الانتخابات "ضئيلة"، إذ كانت أمامها فرصة "مواجهة خصم واحد، أي حركة النهضة، أما بعد أن تقدمت بقائمات "منفردة" فإنها حكمت على نفسها بمواجهة مئات القائمات بما فيها طبعا قائمات لأحزاب علمانية يسارية أخرى.

ويقول الخبراء إن القوى العلمانية "فوتت على نفسها حظوظا وافرة للفوز في الانتخابات البرلمانية" مشددين على أن "الأرضية الانتخابية" اليوم في صالحها وليست في صالح النهضة التي "اهتزت صورتها لدى الرأي العام التونسي والخارجي حتى أنها باتت تلهث وراء "وكالات إشهار عالمية مشبوهة لتلميع صورتها في وقت "انفض" فيه من حولها غالبية التونسيين ولا تجد مراكز القرار الدولي "فرقا بينها وبين إخوان مصر".

اصوات انتخابية عقابية

ويتحدث الناخبون التونسيون عن أن "اقتناعهم" بالتصويت لحزب دون غيره هو "أصعب" بكثير مقارنة بانتخابات أكتوبر/ تشرين الاول 2011 التي فازت فيها النهضة وهم لا يستنكفون من الاعتراف بأنهم منحوا أصواتهم آنذاك للإسلاميين "عقابا" لنظام بن علي و"ليس اقتناعا بالنهضة التي لم تقدم برنامجا انتخابيا يستجيب لتطلعات أوسع فئات المجتمع التونسي التي قادت انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 وأطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي.

وفي ظل غياب دراسات سبر آراء موثوقة، فإن الخبراء القانونيين يرجحون أن أن تكون أصوات الناخبين هده المرة أيضا "عقابية" ولكن، لا لنظام بن علي وإنما لحركة النهضة التي فشلت في الحكم وزجت بالبلاد في أتون أزمة خانقة، الأمر الذي كان سـ"يضمن" فوز العلمانيين لو لم يشتتوا أصوات الناخبين بمئات القائمات الانتخابية.

ويرى الخبراء أن تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، ومخاطر الإرهاب وغلاء المعيشة، وانتشار الفقر والبطالة، كل ذلك سيجعل نتائج انتخابات 26 أكتوبر/تشرين الاول مختلفة تماما عن انتخابات أكتوبر/تشرين الاول 2011.

وهم يتوقعون أن الناخبين التونسيين الذين يتذمرون علانية من فشل النهضة في الحكم ومن مسؤوليتها في إضاعة حوالي ثلاث سنوات من تاريخ تونس ومن مسؤوليتها في تناسل الجماعات الجهادية المدججة بالسلاح مع ما رافق ذلك من تسهيل تسفير شباب فقير وحبط إلى سوريا للقتال إلى جانب جبهة النصرة أو ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية، "سيعاقبونها" عبر صناديق الاقتراع ولن تتجاوز نسبة الممنوحة لها 20 بالمائة وفي أقصى الحالات 25 بالمائة.

لكن حتى في هذه الحال ستستفيد النهضة من تشت قائمات القوى العلمانية والتي ستتقاسم فيما بينها نسبة لا تقل عن 75 بالمائة من أصوات الناخبين، وإذا ما استبعدنا فوز "نداء تونس" بالأغلبية الساحقة فإن الانتخابات القادمة ستعمق "مشهدا سياسيا غير متجانس" قد يقود البلاد إلى حالة من الاحتقان الاجتماعي والسياسي.

ولعل هذا ما يفسر دعوة رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي إلى "حكم تشاركي بعد الانتخابات بتعلة أن التحديات الخطيرة التي توجهها تونس لا تستوجب أن ينفرد الحزب الفائز بالحكم".

ولم تكتف النهضة بـ"دعوة" شيخها الذي لا ينطق عن الهوى وإنما هو وحي يوحى، لا من السماء وإنما من الأرض أي من طبيعة تضاريس المشهد السياسي بل ضمنت "الحكم التشاركي" ضمن برنامجها الانتخابي للسنوات الخمس القادمة الذي أعلنت عليه منذ يومين.

وبقطع النظر عن النسبة التي ستقطتعها النهضة من ناخبين أكثرهم يرفضون عودتها للحكم فإن المحللين السياسيين يقولون إن "اختيار القوى العلمانية المشاركة في الانتخابات بقائمات مستقلة يمهد الطريق أم الحركة الإسلامية ويعزز حظوظها وإن كانت "حظوظ نسبية وضئيلة".