الأحزاب الدينية وجاهزية التبرير لاحتلال وتقسيم العراق

بقلم: د. عمر الكبيسي

لم تكرس الأحزاب الإسلامية من حقيقة الإسلام في ممارستها السياسية وصراعها على السلطة في العراق بعد الغزو الأميركي مفهوما ايجابيا واحداً من الأطر التي حددها الإسلام لمواصفات الحكم الصالح وكل الذي امتازت به كونها تحمل عناوين إسلامية أنها وظفت وألصقت ظلماً وعدواناً بالإسلام نهجاً حسبته على الإسلام وجعلته سلوكا مميزاً لها عن غيرها في صراعها على السلطة يمكن إدراجه تحت مسميات التبرير والتكفير والطائفية.
أن التجربة العملية لهذه الحركات السياسية وواقع حال الدراسات البحثية المنهجية للقران الكريم وسيرة النبي الطاهرة والخلفاء الراشدين تشير بشكل واضح ان في القران الكريم أطر ونصوص واضحة لتنظيم حياة الإنسان وعلاقاته مع الآخرين وبضمنها السلطة ضمن ثوابت معينة دون التطرق لتفاصيل ومنهجية إدارة الدولة وإقامتها والتي هي موضوعة تغيير وتنظير وتطوير ضمن متغيرات ظروف البشر وطرق عيشهم وحياتهم وإدارة تفاصيل حياتهم وعلاقتهم بغيرهم أفرادا وجماعات ولهذا وجدت هذه الحركات الإسلامية نفسها مضطرة للتنصل من دعوى إقامة الدولة والحكومة الإسلامية المنشودة في تنظيراتها عندما تمسكت بالسلطة او شاركت بها كمكونات سياسية بعد ان ثبت كارثية نهجها ومشاركاتها وتقاطعها مع ثوابت إدارة الدولة.
الأحزاب الطائفية الإسلامية بدلا من ان تتمسك بروح التسامح والإخاء والتوافق والمساواة وإشاعة العدل والحرية التي تشكل أخلاقية ثابتة فيما يسمى لغة "الشرع" تمسكت بمنهجية الغلو والتشدد والخلاف والتي شكلت مدخلا لنشوء فرق إسلامية مسيَّسة وأسفرت عن ظهور جماعات السلفية الإصلاحية والجهادية والقاعدة ودولة الإسلام والجهاد والتكفير والصوفية الجهادية كما أسفر تسييس المذهب الجعفري عن ظهور تنظير ولاية الفقيه والفقيه المؤهل نهجاً سياسياً معاصراً بدلاً عن نهج التقية وغيبة الإمام والعزوف عن التدخل بشؤون السلطة والدولة التي شكلت ثابتا من ثوابت الاختراق للمذهب لقرون من الزمن.
وهكذا تم إقحام الإسلام كمنهج سلوكي لحياة سامية ومتسامحة والحرص على تحقيق العدل والحرية لعموم الامة بصراعات سياسية وخيمة أساءت لمفهوم الإسلام كدين مثل وقيم سامية.
الحركات الاسلامية السياسية بموقفها المعارض لنهج الانظمة الحاكمة والمتسلطة لشعوب المسلمين وتعامل هذه الانظمة معها بقسوة وجدت نفسها مخترقة بوعي منها او غير وعي لتصبح اداة تغيير مسخرة بقوى الاستغلال والنفوذ الاجنبي وهكذا لعبت هذه الحركات والاحزاب الاسلامية في العراق دوراً غير مشرف واسهمت باحتلال العراق واعدت له او جاءت معه او تشكلت بعده وساندته خلال الفترة المنصرمة واعتبرت ذلك وسيلة من وسائل صراعها لإستلام السلطة وبررت كل ما فعلته من تخريب واستغلال وممارسات لا اخلاقية ناهيك عن كونها لا اسلامية بما الصقته بالاسلام تبريراً من شوائب وترهات مما ادى بالنتيجة الى فقدانها المصداقية ونضوب شعبيتها وانكشاف اهدافها واسقاط فرضياتها كما انعكست هذه السلوكيات بالسلب ليس على شعبيتها وانما على الاسلام البعيد كل البعد عن تفاصيل ما مارسته جملة وتفصيلاً.
ان ابرز ما ارتكبته هذه الاحزاب الاسلامية بسياساتها وممارساتها الحمقاء في العراق بعد عملية غزو العراق يمكن تلخيصه في:
أولاً. الاندراج بمشروع الغزو وتبريره إذ لم يشهد التاريخ الاسلامي حركات دينية منظمة ومكثفة كالاحزاب الاسلامية العراقية اليوم والتي اندرجت لاحتواء غزو اجنبي بقوة عسكرية غاشمة استعمارية متنفذة كالولايات المتحدة وحلفائها في عصرنا الحديث لدولة مسلمة آمنة غير معتدية يتولى الحكم فيها رئيس مسلم ونظام عرف بمعاداته لاميركا لا لسبب الا لانها دولة تناصب المسلمين والعرب وتساند دولة اسرائيل العنصرية والمعتدية بمبرر تسلط النظام وتفرد الحاكم.نعم شهد التاريخ الاسلامي وقوف شخوص ومنتفعين وحركات محدودة بالاستسلام لحكام وغزاة بدوافع ذاتية وخياينية لكنها لم تكن يوما طرفاً بالاعداد لمثل هذا الغزو من خارج الحدود. وتكاد قضية العلقمي وفتوى ابن طاووس في التعامل مع الغزو المغولي لبغداد حادثة فريدة نعتت بالخيانة والاستسلام في تاريخ الاسلام المدوَّن. وبهذا تكون هذه الاحزاب والحركات التي ادعت الاسلام قد ابتدعت ظاهرة وسلوكاً خطيراً بحق الامة فكراً ونهجاً.
ثانياًز تحمل الاحزاب الاسلامية مسؤولية تكريس وتنفيذ مشروع الغزو من خلال المشاركة في الحكم وتبني مفاهيم التقسيم والتشظي كالفدرالية والمحاصصة الطائفية والعرقية وتفتيت الدولة والعبث بممتلكاتها واضفت لها الشرعية والغطاء كما مارست احزاب وتيارات اسلامية السلطة وتحت عناوين التكفير والمظلومية وسقوط الدولة وهيمنة العامة على ممتلكاتها وتبني الطائفية وارتكاب أفظع جرائم العنف والاقتتال الطائفي والتهجير واستغلال السلطة للنيل من امن وسلامة الانسان وكرامته.
ثالثاً. تنكرت هذه الاحزاب لشرعية مقاومة الامة للغزو الاجنبي وراحت تناصبها العداء وكانت وراء كل محاولات اختراقها وتحجيم دورها سواء بالمجابهة المباشرة او من خلال مشاريع الصحوة ومجالس الاسناد. وهذا الموقف للاحزاب الاسلامية العراقية في انكار شرعية مقاومة المحتل والوقوف ضدها يشكل ايضاً خرقاً فاضحاً لأحد ثوابت الاسلام بوجوب مقاومة الغزو الاجنبي بما سميَّ شرعاً "بجهاد الدفع".
ان موقف الاحزاب الاسلامية بشأن قضية احتلال إيران لحقل الفكه النفطي مؤخراً يعطي انطباعا واضحا عن مفهوم الاحتلال والتعاون مع الاجنبي لديها على حساب المصلحة الوطنية. ساسة الطائفية يرسخون ممارساتهم لتتوافق مع خلفيات وارثيات طوائفهم وعرقياتهم لتلقى قبولا لديها حتى وان كانت في صلبها لاتحقق للطائفة مصالح حقيقية ناهيك عن تقاطعها مع المصلحة الوطنية والغاء حقوق الاخر بمجرد كونه من طائفة اخرى حتى وان لم يكن طائفيا بالنهج والسلوك.
في العراق اليوم تلعب الاحزاب الاسلامية ادوارا خطيرة وخبيثة من اجل ان تحتفظ بنوع من انواع السلطة والثروة بشتى الوسائل والاساليب غير آبهة بثوابت او مصالح الدين او الوطنية او الطائفة او المذهب ولا سبيل لها لتحشيد قواها الا باساليب استغلال السلطة لتوظيف المال والجاه والمناصب والفساد واستغلال المناسبات الدينية لكسب عواطف العامة من البسطاء فيما تندرج سياسيا بالترويج والانخراط بمشاريع التقسيم والاقاليم والتأسيس لدولة الطوائف والمدن وهي تتبنى هذه المشاريع عن دراية وتصميم بخبث وتجاوزت مسالة الانخراط بمشروع الغزو الاميركي الى القبول بمشروع الغزو الايراني والذي كان فيه موضوع احتلال بئر الفكة وام الرصاص وخور العمية والموقف منها موضع اختبار لهذه الاحزاب وقياداتها تمهيداً فيما يبدو لعمليات غزو اوسع واشمل في ظل مساومات ورهانات بين اميركا وايران على مستقبل العراق كما يتخيلون!
سلطة الطوائف والاحزاب الدينية القائمة في العراق اليوم ان جاز تسميتها بالسلطة بسبب افتقادها للاجماع والقبول الجماهيري لا يمكنها ان تحقق متطلبات السيادة والدولة المتمثلة بتوفير الامن الخارجي والداخلي وتحقيق التنمية والاعمار. لان أي نظام للحكم لا يحضى بقبول واجماع وطني لا يمكن ان يكون الا نظاماً فوضوياً وهذه هي حقيقة وواقع الحكومة المنصبة في العراق مهما ادعت الولايات المتحدة شرعيتها السياسية من خلال انتخابات شكلية ووهمية متعاقبة تصفها بالديمقراطية في بلد لا يحضى بسيادة واضحة المعالم وتستمر به التفجيرات الطاحنة وتردي الامن والاستقرار ويرأس حكومتها امين عام حزب الدعوة الطائفي المرجعي الذي يتناقض بالأساس فكرا ونهجا مع ثوابت بناء الدولة العصرية ويراوح بالمرجعية بين الولاء للحوزة او للمرشد وولي الامة.
قضية احتلال بئر الفكة والموقف الشعبي الرافض للعدوان العسكري الايراني على ارض عراقية داخل الحدود المرسمة ورفعها العلم الايراني بعد انزال العلم العراقي من المخفر الحدودي وهيمنتها على بئر النفط الرابع فيها والذي جاء واضح التناقض مع موقف السلطة والاحزاب الطائفية المتمثل بصمت مدقع او صوت خافت او ردة فعل خجولة تثير في الذهن استنتاجان واضحان؛ اولهما ان نظاماً وفكراً طائفياً لا يمكن ان يحمي دولة من أي تهديد خارجي بالأخص عندما يكون هذا النظام نفسه وليد احتلال خارجي والأدهى من ذلك ان تكون إيران وهي الدولة التي احتضنت تشكيل وتبني الاحزاب الطائفية هي الدولة المعتدية؛ وثانيهما : ان حكومة المالكي والاحزاب الطائفية التي تغذيها وتتعايش في كنفها لا تحضى بتوافق واجماع وطني ولهذا لا يمكن ان تستمر الا في ظل حماية اجنبية وفوضى عارمة وسلطة ضعيفة وفساد مستفحل بعيدة كل البعد عن السيادة والهيمنة والتنمية والامن المنشود ولهذا لاريب ان تستبشر هذه الحكومة والسلطة المنصبة باي صيغة احتلالية تؤمن لها البقاء والاستمرار سواء من خلال معاهدات امنية او تواجد اجنبي على الارض وبالتأكيد فان الصراع على السلطة بين الاحزاب الاسلامية الطائفية يرتكز ويتبنى مفهوم القبول بنفوذ وتواجد دول اقليمية بالعراق مهيأة لاستغلال مظلة الطائفية السياسية من اجل تحقيق اطماعها ومشاريعها القومية مع ما يشكله هذا المفهوم من تناقض مع مفهوم الوطنية والسيادة والهوية.لقد استطاعت سياسات دول عديدة من غير العرب توظيف الاسلام لصالح مشاريعها الوطنية والقومية على مر الازمنة والعصور في حين لم يوظف العرب عقيدة الاسلام بشكل ايجابي لصالح مشاريعهم وقضاياهم في احرج الظروف والمحن التي مر بها العرب. د. عمر الكبيسي