الأحباش في لبنان، من التاريخ إلى التقرير

بقلم: إبراهيم الهطلاني

تردد اسم احمد عبد العال أكثر من مرة ضمن المعلومات الذي ذكرها تقرير المحقق الدولي ديتلف ميليس المعين دوليا للتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري حيث قدم التقرير احمد عبدالعال على انه مسئول العلاقات العامة والعسكرية والاستخباراتية في تنظيم أو جماعة الأحباش فيما يعّرفه مؤيدو الجماعة على انه مسئول العلاقات العامة في "جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية". ولا يعرف عامة الأحباش عن عبد العال إلا انه منسق للعلاقات بين الجمعية وأجهزة الدولة إضافة إلى شهرته في مساعدة المحتاجين التابعين للجماعة وتقديم العون لهم والمساهمة في حل مشاكلهم مع الإدارات الحكومية خلال فترة الوصاية السورية على لبنان.. ولأني على يقين بعدم وجود علاقة أو معرفة سابقة بين احمد عبدالعال وميليس الألماني وكما الآخرين في لبنان وخارجه متأكدون من عدم وجود عداوة شخصية بين ميليس أو أحدا من اللجنة وبين عائلة احمد عبدالعال التابعين لجمعية المشاريع الخيرية وبالتأكيد مجلس الأمن لم يسبق له معرفة الشيخ عبدالله الحبشي وكذلك لا توجد خصومة أو ثار بين الرئيس الأمريكي وبين أمين عام جمعية المشاريع الخيرية قراقيره أو الذي سبقه ولذلك وجدت إن ورود أكثر من أربعة أسماء تنتمي للأحباش ضمن المشتبه بهم وفي تقرير دولي أمر ملفت بل وخطير وهو الدافع الرئيس لكتابة المقال.
فمن هم الأحباش؟ وما هو دور جمعيتهم في جريمة اغتيال الحريري؟
إنها طائفة دينية أسسها شخص اسمه عبدالله محمد الهرري قدم إلى لبنان عام 1950 وبحسب المهتمين بتاريخ الجماعة أن الهرري توجه إلى بيروت قادما من مدينة هرر بالحبشة بعد تنقله بين عدة مدن عربية منها منطقة الحجاز إلا انه لم يجد من يتبنى أفكاره التي أثارت عليه سخط المتدينين والمشايخ وجمعيات تحفيظ القران في مسقط رأسه عام 1940 بسبب دوره إلى جانب السلطات خلال حكم هيلاسيلاسى القمعي والذي تسبب باعتقال وتهجير الكثير من الشخصيات الإسلامية إلى خارج الحبشة، ومنذ وصوله إلى لبنان عن طريق سوريا وهو يعمل على نشر أفكاه ومعتقداته المخالفة للأصول العامة للإسلام مما أثار عليه المرجعيات الدينية السنية في كل من السعودية ومصر ولبنان وصدرت الفتاوى التي تحذر من الانخراط في حركته أو الاغترار بدعوته حتى أن محاولاته التقرب لمؤسسة الأزهر عام 1999 فشلت على اثر الخطاب الذي أرسله السفير المصري في بيروت إلى رئيس جامعة الأزهر إضافة إلى بعض النصائح التي تلقاها الأزهر من بعض الجهات الثقافية مبينة له عدم سلامة تفكير ومنهج جماعة الأحباش في لبنان ولذلك قطع الأزهر علاقته بالأحباش عام 2001 وذلك في بيان معلن.
لم يستسلم الحبشي لتلك المواقف السابقة لتأسيس جمعيته أو الفتاوى بل واصل نشر أفكاره التي وجدت صدى في بيئة فقيرة ومفككة من آثار الحروب وقد اجتهد الحبشي في الاتصال ببعض المراجع الدينية والسياسية وحتى الأمنية ووجد ضالته في الحماية الأمنية السورية المسيطرة آنذاك على مجريات الحياة في لبنان، تمكن الأحباش لاحقا من الانتشار والتغلغل من خلال فروع جمعيتهم "المشاريع الخيرية" التي تجاوزت 30 فرعا خارج وداخل لبنان وفي مختلف المجالات اللبنانية بشكل ملفت للنظر واخذ نشاطاتهم التعليمية والإعلامية والاقتصادية تتزايد يوما بعد يوم إضافة إلى إقامة المناسبات والاحتفالات الباهظة التكاليف ودعوة الشخصيات السياسية والأمنية اللبنانية والسورية، ومازال السؤال التاريخي المحير يتردد ولم يجد الإجابة المقنعة حتى من أتباع الشيخ الحبشي لماذا لبنان؟ لماذا لم يبقى الشيخ في سوريا محطته السابقة والأكبر مساحة والأيسر معيشة من لبنان؟!

لقد تعودنا في السعودية على استقبال المهاجرين الدينيين أي المسلمين الذين تعرضوا للأذى والتضييق من قبل حكوماتهم الشيوعية والعسكرية خاصة خلال الثلاثة عقود السابقة لسقوط المعسكر الشرقي وغالبيتهم من شرق آسيا وإفريقيا ويتواجدون حاليا بشكل ملحوظ في المدينتين المقدستين عند المسلمين مكة المكرمة والمدينة، كما أننا تعودنا من لبنان استقبال أصحاب الرأي والفكر العرب أو السياسيين الهاربين من أنظمتهم القمعية وغالبيتهم من الدول العربية لكننا لم نتعود ولم نفهم سبب توجه شخص مسلم من الحبشة كالشيخ عبدالله الهرري إلى لبنان ليقيم فيه وينشر دعوته ذات الطابع العقدي ويؤسس جماعة دينية جديدة بل ويجد الحماية والدعم لاحقا من المتصرف السوري والأخطر أن الجماعة استطاعت التغلغل في كافة أجهزة الدولة وكذلك سيطرت على كثير من المساجد التي كانت تديرها إدارة الأوقاف اللبنانية بدعم من الوجود السوري في لبنان آنذاك!
تأسست "جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية" في عام 1983 في بيروت حيث تعتبر الكيان المؤسسي لتنظيم الأحباش والواجهة الرسمية لنشاطات واتصالات عناصر وأتباع الجماعة، تسلم الشيخ نزار الحلبي رئاسة الجمعية منذ إنشائها وحتى عام 1995 عندما تمت عملية اغتياله قرب منزله في بيروت وقد أُتهم تنظيم "عصبة الأنصار" وزعيمها الفلسطيني احمد عبدالكريم المشهور بـ"أبي محجن" بتدبير العملية حيث صدرت في حقه مذكرة توقيف ومازال فارا منذ أن كان يقيم في مخيم "عين الحلوة" في الجنوب اللبناني وحتى انتقاله إلى العراق سرا وفي الغالب عن طريق سوريا حيث عينه ألزرقاوي نائبا له، بعد اغتيال الشيخ الحلبي تسلم الشيخ حسام الدين قراقيره رئاسة الجمعية ومازال حتى تاريخه.

الدور الجديد للأحباش

منذ تأسيس "جمعية المشاريع الخيرية" برز دور جديد لجماعة الأحباش يتجاوز الدور الديني والدعوي التقليدي الذي جاء من اجله مرشد الجماعة الشيخ عبدالله الحبشي ومن خلال العمل المؤسسي المنظم سواء كان عملا علنيا أم سريا تطورت علاقات الأحباش بالمؤسسات الأمنية اللبنانية والسورية خاصة خلال فترة التسعينات وتحديدا بعد اتفاقية الطائف وأصبح دور الجمعية يتخطى الأبعاد الخيرية والدينية المعتادة والمشهورة في المجتمع اللبناني إلى ادوار سياسية وأمنية يتوكل الأحباش بتنفيذها نيابة عن الغير في المقابل تراجع دور المرشد الروحي للجماعة أو لعله غيب عن الواجهة والظهور ليفسح المجال بإرادته أو بإرادة المتنفذين في الجماعة للقيادات السياسية الجديدة ولقد شهدت القوى السياسية والإسلامية اللبنانية الجهود والتحركات الشعبية التي بذلها تنظيم الأحباش بواجهته السياسية والدينية ضد القوى المعارضة للتمديد لصالح الرئيس لحود وهذا على سبيل المثال لا الحصر وكانت الجماعة الإسلامية في الشمال من ابرز القوى التي استهدفتها ألغام وسهام الأحباش لصالح فرض خيار البعث السوري، كما تردد وبشكل ملفت ومن أكثر من مصدر سياسي وإعلامي في لبنان أن أجهزة المخابرات السورية وزعت قبيل خروجها من لبنان ألاف قطع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة على جماعات وأحزاب موالية للنظام السوري ومن أبرزها جماعة الأحباش.

حدود تورط الأحباش بجريمة الاغتيال

لقد اثبت التحقيق الدولي وجود اتصالات مهمة ومتعددة أجراها مسئول العلاقات العامة في جمعية المشاريع الخيرية "الأحباش" الناشط احمد عبدالعال كما اثبت التحقيق وجود علاقة ما بالقضية لوليد عبدالعال وهو ضابط في الحرس الجمهوري اللبناني وشقيق لأحمد عبدالعال كما اثبت التحقيق وجود اتصالات تتعلق بالجريمة أجراها الشقيق الثالث يونس عبدالعال بشخصيات مهمة في الدولة اللبنانية كما أشار التحقيق إلى دور ما في عملية الاغتيال لأحد الأعضاء العاملين في جمعية المشاريع الخيرية وهو محمد حلواني كما اظهر التحقيق أهمية دور الشقيق الثالث لأحمد عبدالعال وهو محمود عبدالعال الذي أثبتت سجلاته الهاتفية عدد من الاتصالات بالقصر الجمهوري.
احمد ومحمود ويونس ووليد عبدالعال أربعة أشقاء ينتمون إلى تنظيم الأحباش وردت أسماؤهم في تحقيق دولي مستقل وفي جريمة إرهابية استهدفت شخصية لبنانية سنية وعربية ودولية بحجم رفيق الحريري إضافة إلى ورود اسم محمد الحلواني وهو احد العاملين في جمعية المشاريع الخيرية، فما هي علاقة هؤلاء الخمسة بقائد الحرس الجمهوري اللبناني العميد مصطفى حمدان؟ وما هي علاقة العميد حمدان بتنظيم الأحباش؟ والى أي حد بلغ تغلغل تنظيم الأحباش في القصر الجمهوري؟ هذه عناوين مطروحة للبحث وأسئلة لا يستطيع الإجابة عليها إلا اللبنانيين أنفسهم. إبراهيم الهطلاني Hemah99@hotmail.com