اكذوبة حقوق الانسان في العراق المحتل

لنفترض ان الحكومة الحالية هي حكومة منتخبة حقا. ولنفترض بانها بوزرائها ورئيس وزرائها وموظفيها ورئيس الجمهورية ومجلس النواب، هم بالتحديد من خاطر 11 مليون عراقي بحياتهم لينتخبها. ولنفترض بانها الحكومة المنتخبة لترسي دعائم الديمقراطية وأهمها حقوق الانسان، كما يغرد كل منضو تحت جناحيها التنفيذي والتشريعي. لنتعامى عن وجود قوات الاحتلال وننسى مجازرها وحصانتها التي تحميها من العقاب. لنفترض بان الحكومة مستقلة، نزيهة، تتمتع بالسيادة الوطنية والديمقراطية. ولنأخذ جانبا واحدا فقط من اسس أي حكومة ديمقراطية في العالم، لندقق النظر فيه ونتفحص منجزاتها. هذا الجانب هو حماية حقوق الانسان اي المواطن العراقي. فما الذي انجزته حكومة المالكي وما الذي فعله رئيس الجمهورية في مجال حقوق الانسان وما الذي تلقاه المواطن العراقي؟
لقد تلقى المواطن العراقي، والحق يقال، الكثير من قبل حكومة المالكي ومن قبل رئيس الجمهورية في مجال الخطابات والتصريحات وحضور المؤتمرات خارج العراق والاكثر من ذلك مجال تشكيل اللجان.
فها هو جلال الطالباني يبلغنا في تصريح جديد بانه حريص على ضرورة الالتزام بمبادئ حقوق الانسان في جميع مفاصل ومؤسسات الدولة العراقية. وجاء تصريحه متزامنا مع استقباله يوم الثلاثاء الماضي مبعوثة رئيس الوزراء البريطاني الخاصة بحقوق الانسان آن كلويد. وآن كلويد، لمن لا يعرفها، عضوة في البرلمان البريطاني، أسست منظمة لتجميع الوثائق لادانة رئيس النظام السابق وبميزانية كبيرة من الادارة الامريكية للدفاع عن حقوق الانسان. وتبين فيما بعد بانها لا تعنى، كما قد يتبادر الى الاذهان، بحقوق الانسان العراقي عموما. ولانها مبعوثة بلير الخاصة بحقوق الانسان فانها غالبا ما تتجاهل انتهاكات حقوق الانسان المهينة والقاتلة للمواطن العراقي حاليا ولا تنطق بحرف ضدها ما لم تقم منظمات حقوق الانسان العالمية مثل منظمة العفو الدولية ومكتب الامم المتحدة لشؤون حقوق الانسان في العراق ومنظمة الصليب الاحمر الدولي بنشر تقاريرها الطويلة عن الانتهاكات الوحشية الموثقة بالاسماء والتفاصيل. حينئذ فقط تتفضل السيدة كلويد باطلاق تصريح تدين فيه الانتهاكات وتنتهز المناسبة لتبييض صفحة حكومتها والقاء اللوم على العراقيين انفسهم. وكأن حكومتها البغيضة ليست مسؤولة مباشرة عن تشكيلة الميليشيات وفرق الموت والمرتزقة المنتشرة في العراق الان.
وفي سباق التصريحات، أسمع الطالباني السيدة كلويد ما تريد ان تسمعه. فقال لها بانه الاخر قلق "لوضع حقوق الانسان في العراق وما ترتكبه الجماعات المسلحة وفرق الموت من انتهاكات في هذا الشأن." وشدد الطالباني في بيان لرئاسة الجمهورية على ضرورة الالتزام بجميع المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الانسان وتطبيقها في البلاد. وقال البيان ان طالباني بحث مع المبعوثة البريطانية آخر المستجدات وتطورات العملية السياسية في البلاد.
هذا هو نموذج عملي لفاعلية رئيس الجمهورية في مجال حماية حقوق الانسان العراقي. فماذا عن المالكي؟ لقد أصدر هو الاخر بيانا مماثلا لبيان الطالباني وله علاقة بحقوق الانسان وان كان من جانب آخر. اذ يتعلق بحالة المعتقلين الذين وصلت تقارير المنظمات العالمية المكتوبة عن مأساتهم الى البيت الابيض نفسه. وكما هو معروف، لا توجد احصائيات حقيقية عن عدد المعتقلين لان قوات الاحتلال بشقيها الامريكي والعراقي لا تدلي بالمعلومات الصحيحة ولا توفرها حتى لمنظمة الصليب الاحمر التي طالما اشتكت من هذه المسألة. وان كانت التقارير العالمية متفقة على ان عدد المعتقلين بدون تهمة او تقديم للمحاكمة او زيارة محامي، ومعظمهم معتقل لمدة تزيد على السنتين، وفي ظروف قاسية ومهينة، يتراوح مابين 30 ـ 100 ألف معتقل، من بينهم العديد من النساء.
وجه نوري المالكي توجيها بتشكيل لجنة لدراسة ملفات المعتقلين وتسريع اجراءات اطلاق سراح الابرياء منهم ممن لم تثبت ادانتهم بارتكاب جرائم القتل ومن جميع اطياف الشعب العراقي، انسجاما مع متطلبات المصالحة الوطنية. علينا ان نتذكر بان كل اللجان، وبضمنها لجان التحقيق في المجازر الجماعية في مدن العراق المختلفة، التي تم تشكيلها من قبل حكومة المالكي وسابقاتها لم تنفد حتى الان شيئا بل بقيت حبرا على ورق.
ويكبر حجم مأساة المواطنين بالحكومة (المنتخبة) الحامية لحقوق الانسان، عندما نقرأ بان مبادرة تشكيل اللجنة التزويقية، المتعلقة بالمعتقلين الذين تحولت حياتهم وحياة عوائلهم الى جحيم، لم تخطر على بال السيد المالكي نفسه بل قام بتشكيلها بعد ان اطلع على الرسالة التي تلقتها اللجنة التحضيرية لمؤتمر المصالحة الوطنية المرسلة من رئيس مجلس الانبار المركزي التي تضمنت دعوة لدراسة اوضاع المعتقلين. واضاف البيان ان المالكي "اتخذ هذا التوجيه في بادرة لتوسيع قاعدة المصالحة الوطنية واتاحة الفرصة لاكبر عدد من العراقيين بمشاركة اخوانهم في بناء عراق امن مستقر."
ما الذي نفهمه من البيان والتوجيه؟ هل هذا يعني ان الموقوفين في سجون الاحتلال هم ابرياء ام مجرمين؟ اذا كانوا ابرياء فلم تم اعتقالهم اساسا، واذا كانوا قد اعتقلوا خطأ او اشتباها، فلماذا بقاؤهم في المعتقل، هل ليستخدموا للمقايضة في سوق النخاسة السياسية وتحت بند "المصالحة الوطنية"؟ من الذي سيقوم بتعويضهم عن الغبن الذي اصابهم وعوائلهم؟ اما اذا كانوا مجرمين، فكيف يحق للمالكي ان يتدخل في شؤون القضاء الصرف في دولة القانون والنظام الديمقراطي، واليس من حقهم توجيه التهمة اليهم باسرع وقت وتقديمهم الي القضاء ليبت في قضاياهم؟
ولماذا لم يبت المالكي والطالباني ومفوضة بلير لحقوق الانسان بجريمة اختطاف 29 من موظفي الهلال الاحمر العراقي الذي اعلن امينه العام تعليق اعمال المنظمة جراء الجريمة البشعة المستهدفة لافراد يبذلون الكثير من اجل حماية حقوق المواطنين ومتابعة قضاياهم الانسانية ومن بينها قضايا المعتقلين في سجون الاحتلال؟
وها هو المواطن العراقي الذي خاطر بحياته لانتخاب حكومة المالكي والطالباني، يخاطر بحياته من جديد ليذكر المسؤولين بواجباتهم ومسؤولياتهم التي انتخبوا من اجلها وهي حماية المواطن وليس انفسهم وذويهم فحسب. حيث جددت عوائل الموظفين المختطفين من دائرتي البعثات والعلاقات الثقافية والمشاريع والاعمار التابعتين لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي خلال اعتصامها امام مبني الوزارة يوم الاربعاء مطالبتها الحكومة بالكشف عن مصير ذويهم.
وقد سلمت أسر الموظفين المختطفين عقب الاعتصام الى وزير التعليم العالي والبحث العلمي نداءين موجهين الى المالكي ورئيس مجلس النواب يناشدون فيهما الدولة واجهزتها المختصة بمد يد العون لعوائل المختطفين بالكشف عن مصير ذويهم والقاء القبض على الجناة واحالتهم الى القضاء لينالوا الجزاء العادل. وقد تبين ان عوائل المختطفين لم يتلقوا اية معلومات عن ذويهم من الجهات الامنية ذات العلاقة رغم وقوع الحادث في دائرة رسمية.
فما الذي فعله الوزير؟ مثل كل المسؤولين في الحكومة (الديمقراطية)، أصدر الوزير تصريحا عبر فيه "عن تعاطف وتضامن الوزارة مع عوائل المختطفين فضلا عن متابعتها اليومية لتطورات الحادث مع الجهات ذات العلاقة."
اذن، بامكاننا تلخيص ما تفعله الحكومة وتتخذه من اجراءات لحماية حقوق الانسان، وحسب الامثلة المذكورة اعلاه بموقف عام واحد مفاده التضليل وخداع المواطن بلغة الوعود الفارغة. فالطالباني وهو رئيس الجمهورية افتراضا يتصرف وكأنه رئيس وفد يزور العراق لاول مرة فيستنكر مندهشا ما يحدث فيه. والمالكي يتعامي عن مأساة وصلت رائحتها الى اقصى الارض ويكتفي باصدار توجيه لتشكيل لجنة كما يقف متفرجا على اختطاف اعضاء اهم منظمة انسانية تتابع قضايا المعتقلين وغيرها، ويسير الوزير على الطريق ذاته ليعلن، هو الاخر، في بيان عن تعاطفه مع ذوي المختطفين.
هذه اللااجراءات المخزية، بالاضافة الى جرائم القتل والتشريد والاعتقال والتعذيب ورمي الجثث في الشوارع، وهجرة ثلاثة ملايين مواطن داخل وخارج البلد وانعدام الخدمات الاساسية على كل المستويات بضمنها تدهور الخدمات الصحية وعدم الدوام في المدارس والكليات وحصار المدن وقصفها عشوائيا واطلاق يد الهمجي المحتل في ان تفعل ما تشاء ضد المواطن ومنحها (العصمة) من الخطأ بل والتوسل اليه للبقاء لارتكاب المزيد بعد قتل ما يزيد على 650 ألف مدني، الا يستحق مرتكبوها والمتغاضون عن ارتكابها، وفق المفهوم الديمقراطي، التقديم الى القضاء بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية؟ هيفاء زنكنة
كاتبة من العراق