اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس!

بقلم: د. نوف علي المطيري

يبدو أن حكومة نوري المالكي المسماة بدولة القانون قررت السير على نصيحة وزير الدعاية النازي جوبلز " اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس.. ثم اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى تصدق نفسك" لضمان بقائها وإضفاء الشرعية على جرائمها الطائفية. فالمسؤولون العراقيون لم يتوقفوا يوما عن ترديد الأكاذيب وتلفيق التهم للأبرياء سواء من سنة العراق أو المعتقلين العرب وتكذيب التقارير الصادرة عن منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان والتي تتحدث عن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان داخل السجون العراقية والإعدامات الجماعية للمعتقلين السنة.

تصريح وزير العدل العراقي حسن الشمري بشأن تعامل وزارته مع السجناء العرب خاصة السعوديين مثير للحيرة والسخرية في آن واحد. فالوزير الذي كان يتغنى في تصريحاته الصحفية بعدالة وزارته وحيادية المسؤولين فيها وأن وزارته لا تفرق بين آي سجين وآخر وأنه ليس هناك "آي استهداف لسجناء سعوديين أو غيرهم" تناسى أن حكومته الطائفية والخاضعة لسيطرة إيران توزع التهم وتسوق الأبرياء للمشانق وفق الهوية. وأن رئيسه نوري المالكي يرى أن كل متهم في العراق "مجرم" لا يستحق التمثيل القانوني حتى قبل أن تتم إدانته.

ما حدث للسجين السعودي مازن المساوي رحمه الله من التعذيب والتنكيل وتوقيعه قبل إعدامه - كغيره من السجناء السعوديين - على أوراق بيضاء فارغة ليضع فيها المحققون ما يحلو لهم من تهم وجرائم. وما حدث للسجين علي العوفي رحمه الله من تعذيب على مدى 11 شهرا وحقن جسده بحمض الأسيد الحارق ومن ثم قذفه من الطابق الثاني للسجن ليلفظ أنفاسه الأخيرة على مرأى من السجناء، وإخفاء هويته وتسجيله ضمن قائمة مجهولي الهوية رغم تدوين المعلومات المتعلقة به كاسمه وجنسيته أثناء التحقيق معه بجانب تعريفه من قبل سجناء سعوديين آخرين. كل هذه الجرائم خير شاهد على "عدالة" و"حيادية" وزارته.

ما يحدث داخل السجون العراقية من انتهاك لحقوق السجناء العراقيين والعرب وانتزاع الاعترافات منهم تحت التعذيب والتهديد أكده عدد من المحامين العراقيين الموكلين بالدفاع عن المعتقلين السعوديين ومسؤولين عراقيين سابقين وحاليين، وعلى رأسهم البرلماني العراقي محمد الدايني والذي دفع ثمن مواقفه المشرفة ودفاعه عن المعتقلين في السجون غاليا. فقد تم تلفيق التهم له كعادة الحكومة العراقية حينما تريد التخلص من شخص ما وحكم عليه غيابيا بالإعدام. فبعد زيارته لعدد من السجون وكشفه للكثير من الملفات التي لا يروق لحكومة المالكي كشفها تحول إلى إرهابي ومطارد من قبل الحكومة العراقية. وقد كشف السيد محمد الدايني قبل فترة لوسائل الإعلام العالمية عن انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان داخل السجون العراقية. وتحدث عن عمليات التعذيب واغتصاب الرجال والنساء داخل السجون السرية. وأن هناك 420 مركز اعتقال سريا موزعة بين مدن ومحافظات العراق. وإذا كان المسؤول العراقي يتعرض لتلفيق التهم واتهامه بالإرهاب والقتل والقيام بالتفجيرات على خلفية خلافات سياسية وطائفية كما حدث مع محمد الدايني وعضو مجلس محافظة بغداد ليث الدليمي ونائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي فما بالكم بالمعتقلين من الجنسيات الأخرى؟!

في الوقت الذي يتعرض فيه المعتقلون السعوديون للاضطهاد داخل السجون العراقية ولأشد أنواع التعذيب على يد السجانين كان تعاطي الإعلام العربي والسعودي خاصة مع جرائم حكومة المالكي وعزمها على تنفيذ مئات الإعدامات بحق السجناء السنة مخيبا للآمال. ولم يهب لنصرتهم ومؤازرتهم إعلاميا إلا قلة قليلة من الإعلاميين. والبقية تعاملوا مع القضية بلامبالاة. وكأن الأمر لا يعينهم لا من قريب ولا من بعيد. وحتى لو كان هؤلاء المعتقلون في نظر البعض مخطئين بسفرهم للعراق يجب علينا مناصرتهم وعدم التخلي عنهم فهم بالنهاية أبناؤنا. وعلينا ألا نساهم في زيادة معاناتهم من خلال تجاهل ما يحدث لهم داخل السجون والمعتقلات من تعذيب واضطهاد والذي وصل إلى حد القتل بحقن الأسيد وإخفاء الجثث وإكراه السجناء تحت التعذيب الجسدي والنفسي على الإمضاء على ورق أبيض فارغ ليضع فيه المحققون ما يحلو لهم من تهم. فالأمر تجاوز مجرد الحديث عن قضية فردية إلى الحديث عن مصير أكثر من 62 معتقلا سعوديا يمرون الآن بما مر به مازن وعلي من تعذيب وقتل وحشي على يد جلادي حكومة المالكي.

إذا لم يتحرك الإعلاميون والناشطون من مختلف الدول العربية لنصرة الأبرياء والمطالبة بوقف الإعدامات وعودة السجناء العرب لبلدانهم ستكرر المأساة من جديد. خاصة أن التقارير هذه الأيام تتحدث عن عزل السجين السعودي عبد الله عزام القحطاني تمهيداً لتنفيذ حكم الإعدام بحقه.

ملف الإعدامات في العراق والمحاكمات الصورية للسجناء السنة أظهرت للعالم أجمع أن العراق لم يعد دولة يحكمها القانون بل الحقد الطائفي. والتقارير التي تنشر بين فترة وأخرى عن الأوضاع المأساوية للسجناء العراقيين والعرب لا تظهر إلا جزءا بسيطا من حجم الكارثة التي تدور خلف الأسوار والأبواب المغلقة في المعتقلات السرية. فكم من أمثال عبدالله القحطاني وبدر الشمري وشادي الصاعدي هم الآن يعانون من التعذيب وقابعون في السجون والمعتقلات السرية التي لا يعرف السبيل إليها إلا القائمون عليها.

على الشرفاء من العرب سواء كانوا إعلاميين أو ناشطين حقوقيين الدفاع عن هؤلاء الأبرياء وحقوقهم القانونية والإنسانية. فتجاهل معاناتهم. والظلم الواقع عليهم. والانسياق خلف الأكاذيب ومهازل الاعترافات المفبركة التي تروج لها حكومة نوري المالكي يعني أن نلغي عقولنا وضمائرنا وأن نتخلى عن إنسانيتنا.

د. نوف علي المطيري

d.nooof@gmail.com