اقتراحٌ لحلِّ الأزمة بين قوى الثورة المصرية!

بصرف النَّظر عن الموقف من قرارات الرئيس المصري محمد مرسي "الفردية" والتي اتَّخَذَت شكل "إعلان دستوري جديد"، فإنَّ كل ما اعترض مسيرة ثورة الخامس والعشرين من يناير من عقبات وصعاب، وعرَّضها إلى كثيرٍ من "الفوضى"، يقيم الدليل، أو يستمر في إقامة الدليل، على أنَّ هذه الثورة العظيمة الرائدة المُلْهِمة ما زالت في أمسِّ الحاجة إلى شيئين اثنين: "لحظة من الدكتاتورية (الإيجابية الضرورية)"، و"الشرعية الثورية"، التي لا تعلوها شرعية إلى أنْ تقوم مؤسِّسات الدولة الجديدة (المدنية الديمقراطية). وهذا ما ذَكَرْناه غير مرَّة، وذَكَّرنا به، وشدَّدنا على اهميته وضرورته من وجهة نظر المصالح العليا للثورة المصرية؛ فالعهد القديم، أيْ نظام الحكم الذي مثَّله ورأسه حسني مبارك، يجب أنْ يُهْدَم تماماً، ولا يبقى منه حجر على حجر، وإلاَّ عانت الثورة المصرية ما تعانيه الآن (ومُذْ خَلَعت الدكتاتور مبارك). وَلَكَمْ تحدَّثْتُ، من قبل، عن أهمية وضرورة عدم الاستخذاء لهذا الوثن الأكبر، المسمَّى "المحكمة الدستورية العليا"، مع سائر أجهزة ومؤسسات وقادة "السلطة القضائية" بصفة كونها (مع أسمالها الدستورية) جزءاً لا يتجزَّأ من بُنْيَة نظام الحكم القديم؛ ولقد ثَبْتَ الآن وتأكَّد بما لا يدع مجالاً للشك أنَّ هذه السلطة القضائية، وعلى رأسها "النائب العام"، لا تعدو كونها قوَّة من قوى الثورة المضادة، ويجب التعامل معها، ومواجهتها، على هذا الأساس.

إنَّني لستُ، ولا يمكنني أنْ أكون، مع أيِّ حُكْمٍ سياسي يقوم على أساس ديني؛ ولستُ، من ثمَّ، ولا يمكنني أنْ أكون، مع حُكْمٍ يسيطر عليه هذا الحزب، أو ذاك، من أحزاب "الإسلام السياسي"، وفي مقدَّمه (أيْ "الإسلام السياسي") جماعة "الإخوان المسلمين"، ولو أتى إلى الحكم من طريق صندوق اقتراع ديمقراطي شفَّاف؛ لكنَّ موقفي هذا لا يتعارَض، على ما أحسب وأعتَقِد، مع قولي بأهمية وضرورة أنْ تَقِف كل قوى الثورة المصرية مع الرئيس مرسي، وألاَّ تسمح لأيِّ خلاف، أو نزاع، معه، ومع قراراته الأخيرة، بخَلْط، واختلاط، رايات الثورة مع رايات قوى الثورة المضادة، أيْ مع رايات قوى العهد البائد؛ فلا خلاف، ولا نزاع، مع مرسي (وقراراته) مشروعاً من وجهة نظر مصالح الثورة المصرية إلاَّ إذا اتَّخَذ (أو اتَّخَذ أصحابه) من العداء لقوى الثورة المضادة، ولكل ما يمتُّ إلى عهد الدكتاتور مبارك بصلة، أساساً وقاعدةً له؛ فالمتربِّصون بالثورة الدوائر يجب ألاَّ يَظْهَروا، وألاَّ يُسْمَح لهم بالظهور، في "المكان ـ الرَّمز"، أيْ في ميدان التحرير العظيم.

"ميدان التحرير" عَجَّ وامتلأ بقوى ومنظمات وأحزاب وشباب للتعبير عن رفضهم ومعارضتهم قرار مرسي تركيز السلطة في يده، أو في منصبه؛ وهؤلاء لا يمكن، ولا يجوز، التشكيك في صدقيتهم الثورية، وفي انتمائهم إلى الثورة المصرية، وحرصهم عليها، وإنْ تفاوتوا في ثوريتهم؛ وإنِّي لأَقِف مع استمرارهم في ممارَسة الضغط الشعبي الثوري؛ لكن السِّلمي، وبما يَمْنَع الرئيس مرسي من التحوُّل إلى "فرعون"، أو إلى "دكتاتور جديد"؛ فإنَّ نيَّات الرَّجُل الحسنة والطيِّبة (وهذا ما أعتقد به) لا تكفي وحدها ضمانة لاجتنابه السَّيْر، مع ثورة مصر نفسها، في الطريق المؤدِّية إلى جهنَّم.

هؤلاء ينتفضون الآن؛ وإنَّ لانتفاضهم تساؤلاً وجيهاً (تَكْثُر في نهايته علامات التعجُّب) هو الآتي: هل "الجزء الإيجابي" من "الإعلان الدستوري الجديد" لمرسي، والذي يُلبِّي فيه بعضاً مهمَّاً من مطالب الثورة المصرية، هو "الغاية" التي يريد الرئيس مرسي أنْ يصل إليها من طريق "الجزء السلبي"، أيْ من طريق تركيز السلطة في يده، أمْ أنَّ غايته هي هذا "الجزء السلبي" والتي يريد الوصول إليها من طريق ذاك "الجزء الإيجابي"، أيْ من طريق إلباسه رغبته في أنْ يصبح حاكماً بأمره هذا اللبوس الثوري (تلبية مطالب مهمَّة للثورة)؟!

النصيحة بِجَمَلٍ هو بحجم وأهمية الجَمَل الذي خاض به مبارك "معركة الجَمَل"؛ ونصيحتي للقوى الثورية المصرية الثائرة الآن على مرسي وقراراته هي: لا تَنْسوا، ويجب ألاَّ تَنْسوا، أنَّ حكومة نتنياهو، مع قوى غربية وعربية، تريد الثأر الآن من مرسي الذي بفضل بطولته القومية أحبط سعيها العسكري ـ السياسي الأخير في قطاع غزة، وَلْتَتَذَكَّروا، في الوقت نفسه، أنْ ليس كل مَنْ يَقِف الآن ضدَّ تركيز السلطة في يد مرسي يجب أنْ يكون ثورياً، أو حريصاً على مدنية وديمقراطية الدولة المصرية الجديدة؛ لأنْ ليس كل ما يَلْمع في ميدان التحرير الآن يجب أنْ يكون ذَهَبَاً.

أمَّا "الحل"، بعد هذه "النصيحة المزدوجة"، فهو الآتي: أنْ يَتَّفِق الرئيس مرسي وقوى الثورة جميعاً على تأسيس "مجلس ثوري واسع وعريض"، يُبْحَثُ فيه، ويُناقَش، كل شأنٍ ذي أهمية للثورة المصرية، فإذا تواضعوا واتَّفَقوا عليه أصْدَره الرئيس مرسي بصفة كونه "قراراً (رئاسياً) مُحصَّناً، غير قابل للنقض، والطَّعْن فيه، مِنْ قِبَل أيِّ مؤسَّسة أو سلطة قضائية، تَسْتَمِرُّ فيها، وبها، سلطة، أو بقايا سلطة، عهد مبارك البائد؛ ولِجَعْل "الإعلان الدستوري الجديد" مُكْتَسِباً "شرعية ثورية" واضحة جلية، لا بدَّ من الإسراع في تنفيذ "الجزء الإيجابي" من هذا الإعلان.

جواد البشيتي