افغانستان، بلد الكر والفر.. والصبر

القاهرة - من سعد القرش
اسألوا الافغانيات!

مع وقوع ضحايا بشكل شبه يومي في صفوف قوات حلف شمال الاطلسي بأفغانستان تثار أسئلة جديدة حول الطبيعة النفسية للافغان الذين يبدون بين الحين والاخر قدرة على المواجهة رغم حروبهم غير المتكافئة مع قوى عظمى منذ نهاية السبعينيات.
وتبدي الكاتبة المصرية عفاف زيدان وهي أول سيدة عربية تذهب الى هناك نهاية الستينيات للحصول على الدكتوراه دهشة من الصاق تهمة الارهاب بالافغان وتقول ان هذه "تهمة ظالمة فلم يشتهر عن الافغان أنهم قاموا بعمل تخريبي... ولم يتورطوا في ارتكاب جرائم دولية. انهم يدافعون عن بلادهم ويتحصنون في داخلها. ومن يذود عن وطنه ويدافع عن عرضه متى يكون ارهابيا..."
وتضيف ان طبيعة أفغانستان شديدة القسوة "وبها مناطق موحشة" ويبلغ ارتفاع بعض هذه المناطق نحو 7450 مترا فوق سطح البحر وبعضها تغطيها الثلوج طوال العام ويمتد شتاؤها تسعة أشهر وتتراوح درجة الحرارة بين 50 مئوية و30 تحت الصفر أما الجبال فتضرب سورا حول البلاد وهكذا "لا يألف العيش فيها عدو أو غاز لاراضيها لان الطبيعة تقسو عليه وتحنو على أبنائها."
ذهبت الكاتبة الى كابول نهاية عام 2003 للمشاركة في ذكرى أحمد شاه مسعود الذي "استشهد" في التاسع من سبتمبر/أيلول 2001 فاكتشفت أن الاولى بالرثاء أفغانستان التي وجدت صعوبة في التعرف على ملامحها بعد سنوات من الحروب.
وشنت الولايات المتحدة عقب هجمات سبتمبر/أيلول 2001 حربا أسقطت حركة طالبان الحاكمة التي كانت تؤوي تنظيم القاعدة في البلاد. وتواجه قوات حلف الاطلسي العاملة هناك سلسلة من الهجمات بالقذائف والسيارات الملغومة.
وتسجل عفاف زيدان أنها شعرت بالصدمة منذ لحظة الوصول حيث انتشر في المطار حطام الطائرات ولم تكن البنايات أفضل حالا وأثار انتباهها المشوهون في الشوارع نتيجة الحروب والالغام. كما جف نهر كابول وأقام فيه الناس أكواخا ومحال للبيع والشراء وأصبحت الجامعة التي تضم قبر الزعيم جمال الدين الافغاني (1838 - 1897) أحراشا.
وتضيف في مقدمة كتاب "أسد الله الظافر أحمد شاه مسعود" الذي ترجمته عن الفارسية أن العاصمة الافغانية تحولت "بلا مبالغة الى مدينة من القرون الوسطى."
والكتاب الذي يحمل عنوانه الفرعي "صفحات من تاريخ أفغانستان المعاصر" من تأليف الافغاني صالح محمد ريكستاني الملحق العسكري الافغاني في طاجيكستان. وكان العنوان الاصلي للكتاب "أحمد شاه مسعود" الملقب بأسد بنجشير.
والكتاب الذي صدر عن مكتبة مدبولي بالقاهرة يقع في 368 صفحة كبيرة القطع منها ملحق لصور مسعود (1953 - 2001) في مراحل مختلفة من حياته اضافة الى قبره في مدينة بنجشير حيث اغتيل في التاسع من سبتمبر/أيلول 2001.
وكانت المؤلفة وهي عميدة سابقة لكلية الدراسات الانسانية بجامعة الازهر أول سيدة عربية تذهب الى أفغانستان عام 1968 خلال فترة حكم اخر ملوك أفغانستان محمد ظاهر شاه (1933 - 1973) لدراسة الادب الفارسي من جامعة كابول حيث نالت درجة الدكتوراه.
وتقول ان الشيعة يمثلون الان خمسة في المئة من مجموع الشعب الافغاني الذي تصفه بالاعتدال والتسامح وأنه لم يكن يوما متشددا. وتستشهد على ذلك باحتفاظ الافغان بتماثيل بوذا الشهيرة التي كان يقصدها سياح من جميع أنحاء العالم الى أن "دمرها (تنظيم) طالبان".
وتوجد التماثيل في مدينة باميان على بعد 243 كيلومترا من العاصمة.
وتضيف في مقدمة بلغت 98 صفحة أن باميان كانت أحد مراكز الديانة البوذية وأن أكبر التماثيل الثلاثة كان يبلغ ارتفاعه 53 مترا وكانوا يطلقون عليه شاه بابا اي الملك الوالد أما الثاني وارتفاعه 36 مترا فيسمونه شاه ماما أي الملكة الوالدة ويبلغ ارتفاع الثالث 22 مترا وتوجد تماثيل أخرى كثيرة يعتقد أهل باميان أنها أولاد الملك والملكة.
وقالت الكاتبة ان عددا من الافغان "أكدوا لي أن المخابرات (المركزية) الاميركية وراء تدمير تماثيل بوذا احدى عجائب الدنيا... كانت ابداعا يفوق الخيال وظلت تحتفظ بكتابات وخطوط على مدى خمسة الاف سنة" مشيرة الى أن تلك المنطقة كانت مقر جامعة بوذية كما حفرت مكتبة الجامعة في باطن الجبل تحت التماثيل.
وأضافت أن زائر المنطقة كان يشعر أنه يعيش أجواء تعود به الى خمسة الاف عام حيث جهزت أكواخ تشبه تلك الاكواخ التاريخية ولم يحدث أن اعترض الافغان على التماثيل أو السائحين.
وتساءلت "من المستفيد من هدم مثل هذه الاثار..."
وفي استعراضها لبداية التدخل الأجنبي في البلاد تقول الكاتبة إن السوفيت بعد اجتياحهم العسكري لأفغانستان يوم 29 ديسمبر/كانون الأول 1979 أحضروا بابراك كارمال الذي كان سفيرا في تشيكوسلوفاكيا انئذ وأجلسوه في منصب الرئاسة ثم أعلنوا في اليوم التالي أنهم جاءوا تلبية لطلب من الحكومة الأفغانية "وسينسحبون حينما لا تحتاج أفغانستان إليهم."
ووصفت أداء المقاتلين الأفغان في الحرب ضد السوفيت بأنه نموذج فريد يستحق التقدير والإعجاب فالبطل الحقيقي "هو الشعب الأفغاني" على حد قول أحمد شاه مسعود الذي أصبح وزيرا للدفاع عام 1992 في حكومة برهان الدين رباني رئيس الدولة قبل أن تنشب في العام التالي مواجهات مسلحة مهدت لظهور جماعة طالبان التي حصلت حكومتها "على تأييد باكستان والمملكة العربية السعودية."
وسيطرت طالبان على العاصمة في أكتوبر/تشرين الأول 1996.
وكان مسعود من أبرز معارضي طالبان واختير عام 1998 قائدا لمنظمة سياسية عسكرية جديدة هي "الجبهة الإسلامية المتحدة لتحرير أفغانستان".
وقالت المؤلفة إن الصحافة الأجنبية شبهت مسعود بالزعيمين الفرنسي نابليون بونابرت واليوغوسلافي جوزيب بروز تيتو وشبهه الكتاب الأفغان بخالد بن الوليد كما منحته بلاده لقب قهرمان ملي أفغانستان أي البطل القومي لأفغانستان.
وأشارت إلى أن مكتبته كانت تضم كتبا للدكتور محمد حسين هيكل ودواوين الشعر الفارسية لجلال الدين الرومي وسعدي وحافظ الشيرازي.
وقالت عفاف زيدان إن الولايات المتحدة بعد جلاء السوفيت عن أفغانستان كانت تتحفز لدخول البلاد "بأي ذريعة من الذرائع... ووقعت أفغانستان تحت وطأة استعمار ثقيل مرة أخرى" نهاية 2001 عقب هجمات 11 سبتمبر/ايلول التي استهدفت برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بعد يومين من قتل مسعود "في ظروف يحوطها الشك والغموض... كان هدفا لمؤامرة كبيرة لها أطراف متعددة متشابكة."
ودللت على استنتاجها بأن مسعود قتل في بداية مقابلة صحفية مصورة مع اثنين من الصحفيين المغاربة يحملان الجنسية البلجيكية وقتل الصحفي وتناثرت أشلاؤه في حين نجا المصور الذي جرح جرحا طفيفا "وأطلق عليه الرصاص فمات في الحال."
وأشارت إلى أن المصور الذي "كانت إصابته طفيفة جدا كان من الممكن أن يقود إلى أمور تحاول فك هذا اللغز الكبير."
ومن مسعود "الرمز" إلى بلاده تقول الكاتبة إن من بين أهداف "ضرب أفغانستان خلق وجود عسكري أمريكي للمرة الأولى في آسيا الوسطى بهدف السيطرة على بترول بحر قزوين وتصفية الخلافات التي مازالت عالقة بين بعض دول آسيا الوسطى منذ نهاية عصر الحرب الباردة" مشيرة إلى أن موقع البلاد باعتبارها بوابة الشرق جعلها مطمعا للغزاة.
وأشارت إلى أن كثرة الحروب على أرض أفغانستان أورث أهلها الصبر والكر والفر وفنون المفاجأة في الضرب والتخفي على طريقة حرب العصابات غير مبالين بعنصر الزمن معتمدين على استنزاف أعدائهم وإرهاقهم وهذا ما جعل مسعود يقول "فاجأنا الروس بخروجهم السريع من بلادنا بعد عشر سنوات."