اغلاق النسخة العربية من مجلة «ميكي»

القاهرة - من محمد جمال عرفة
لا بديل عربي

بعد حضور استمر عشرات السنين في الأسواق المصرية والعربية، احتجبت عن الصدور مجلة من أنجح مجلات الأطفال في العالم العربي، هي مجلة "ميكي" الكاريكاتورية، التي كانت تصدرها دار الهلال في القاهرة باللغة العربية، وتصور شخصيات عالم ديزني الشهيرة "ميكي وبطوط ودهب وزيزي".
وجاء إغلاق المجلة الشهيرة، التي يعرفها أطفال مصر والعالم العربي، بسبب رفع المجلة الأم في فرنسا، والتي تعطي المجلة العربية المترجمة حق الترجمة والنشر، أسعار استيراد هذه الرسوم، والمطالبة برفع هذه النسبة، مقابل حق الانتفاع، مما أربك ميزانية النسخة العربية الضعيفة.
وقد حاول المسؤولون عن المجلة الاستمرار في نشر قصص وصور ورسوم قديمة في المجلة، مع إضافة رسم واحد أو اثنين جديد، للتغلب على المشكلة، بيد أن استمرار ارتفاع الرسوم مقابل حق الانتفاع بالصور الكاريكاتيرية، دفع لإغلاق المجلة في النهاية، نظرا لارتفاع تكلفة إصدارها بسبب شراء الرسوم والترجمة.
ورغم حالة الحزن، التي عمت العديد من الأطفال في مصر والعالم العربي، بسبب وقف إصدار هذه المجلة، التي اشتهرت بقوة في السبعينيات والثمانينيات، فقد سعت مؤسسات صحفية مصرية أخرى لإصدار مجلات أخرى، تستعين بشخصيات كارتونية غير أجنبية، مثل مجلة "بلبل" التي تصدر عن مؤسسة الأهرام. قصص الأطفال تقدم القيم الغربية
ويقول خبراء في رسوم الكاريكاتير وفي أدب الأطفال إن إغلاق "ميكي" ووقف قصصها الشهيرة ذات الطابع الغربي، ربما يشجع على إبداع قصص عربية المحتوى، ويدفع إلى ظهور شخصيات من التراث العربي، خصوصا أن هذا السلوك بدأ على مستوى مسلسلات الأطفال في التلفزيون المصري، حيث جرى اختراع شخصيات كارتونية عربية بديلة، مثل شخصية الطفل بكار، تقدم التراث والتقاليد العربية والمصرية والإسلامية، بعيدا عن شخصيات "ديزني"، التي كانت تصور في براعة القيم والمثل وأسلوب الحياة الغربي، بل والأمريكي على وجه الخصوص، وأحيانا تصطدم بشدة مع القيم الشرقية والعربية.
ويقول رسام الكاريكاتير الدكتور شريف عرفة إنه لاحظ أن شخصية بطوط في مجلة "ميكي" المغلقة، وأولاد أخيه الثلاثة توتو وسوسو ولولو في الترجمة العربية، وزيزي، كانوا يمثلون التفكك الأسري الشائع في المجتمع الأمريكي، فالأطفال الثلاثة مقيمون عند عمهم (بطوط) إلى الأبد، بلا أدنى إشارة إلى والديهم، وكأنه شيء عادي أن لا يكون هناك أب!.
ويضيف أن المجلة "كانت تقدم علاقة مريبة بين بطوط وزيزي (بطوطة)، حيرت المترجم العربي، وجعلته يضرب أخماسا في أسداس.. فكيف بالله عليك يترجم معنى البوي فريند (صديق الفتاة في المفهوم الغربي) لطفل عربي يتربى في بيئة شرقية، لا تعترف بشيء كهذا؟"، بحسب قول الرسام عرفة.
ومع أن المجلة العربية كانت تترجم الكلمة إلى (خطيبته)، فقد ظلت البلبلة واضحة، حين يتصارع عليها بطلا القصص (بطوط ومحظوظ).. فهي ليست خطيبة احد منهم، بل صديقة كليهما!.
ويضيف الدكتور عرفة أنه من المفترض أن يقرأ الطفل العربي عن أسرة شرقية سوية، تتكون من أب وأم وأبناء، لا عن أولاد أخ يقيمون عند عمهم، الذي يصادق فتاة، تتركه لتخرج مع غيره حين تتشاجر معه.
ويقترح إعادة إصدار المجلة ولكن بقصص ورسوم عربية، لا تتنافى مع قيمنا، مشيرا إلى أن "أهم مشكلاتنا نحن معشر العرب هي إننا فرديون، ولا نفهم قيمة العمل الجماعي، لذلك نلجأ إلى المؤسسات الغربية كحل أسهل ليدبروا لنا أمورنا. دراسة تحذر من القصص المترجمة من ناحية أخرى كشفت دراسة للدكتورة سمية مظلوم بكلية آداب المنوفية (مصر) عن وجود العديد من السلبيات في كتب ومجلات الأطفال، بسبب عدم وجود جهة رقابية، تفحص أو تراجع أي مجلة أو كتاب جديد، قبل أن يصدر للأطفال؛ سواء من ناحية اللغة، أو المضمون، أو الرسم، والإخراج، ونوعية الورق المستخدم، والنتيجة أنه يمكن لأي ناشر، هدفه الأول الربح، أن ينشر كتبًا تضر بثقافة وذوق وأخلاقيات الطفل العربي.
وقالت إنه خلال النصف الثاني من القرن العشرين ظهرت بمصر 11 دورية للأطفال، أغلبها من توكيلات تجارية؛ أربعة منها مترجمة مثل "تان تان" و"ميكي" و"ميكي جيب" و"سوبر ميكي" وأكثر ما ينشر مترجم وليس مؤلفًا، وأسماؤها وموضوعاتها أجنبية، وهناك سيل من الكتب البوليسية وكتب الجريمة والألغاز، بينما ابتعدت هذه الكتب عن ترجمة الروائع الأدبية، والقصص التراثية، مثل تبسيط كليلة ودمنة، واقتصرت على أعمال تثير الخيال المريض والغرائز.. ويتلقى الطفل العربي هذه الأعمال مثلما يتلقاها الطفل الأجنبي، بدون أي تغيير، وكأنه لا فرق بين الاثنين.
وقالت إن ما يدفع بعض الناشرين إلى ترجمة أدب الأطفال الغربي هو أن " كُتّابنا ما زالوا يكتبون عن الشخصيات التاريخية والإسلامية، أو الأساطير الفرعونية، وأساطير الحضارات القديمة، أو القصص الشعبي، وقصص الحيوان، بأسلوب غير مشوق، ولا يجذب الطفل في عصر سريع الإيقاع، ودون فنون إخراجية حديثة، أضحت أساسية لاستثارة عين ووعي الطفل، أما القصص، التي تتناول الحياة المعاصرة وآفاقها وتحدياتها، التي يعيشها الأطفال برؤية عربية، فتكاد تكون غير موجودة على الساحة، والإبداع نادر فيها".
وتذكر دراسة الدكتورة سمية نماذج من الكتب المترجمة، التي "تقدم أنماطًا من السلوك تصطدم مع تقاليدنا، ففي عدد من "ميكي جيب" نجد تاك وتيك صديقين (وهما من الحيوانات مثل باقي شخصيات مجلة ميكي)، حيث تاك يحب لولا، ويفاجأ بأن صديقه (تيك) يتنزه معها، فيدبر تاك لتيك مقلبًا، ويخرج هو مع لولا بدلاً منه، وعندما يتفقان على أن يتركاها تختار بينهما يأتي (بسبس) المتسابق الثالث وتذهب معه".
وترى الدكتورة سمية مظلوم أن "القصة هنا غير تربوية، لأنها تقدم سلوكًا مناقضًا لتقاليدنا، ونجد ذلك أيضًا في شخصيات ميكي، فالصديقة أو (الجيرل فراند) شيء مسلم به، حيث يحب ميكي صديقته ميمي، ومحفوظ وبطوط يتنافسان على حب زيزي.