اغتيال عرفات وبهلوانيات الجزيرة!

مِن الامور التي كان جميع المتابعين والمهتمين بالشأن الفلسطيني يعرفونها، هي ان الزعيم ياسر عرفات تم قتله، وان وفاته لم تكن طبيعية، وان اسرائيل هي التي كانت وراء ذلك. الا ان احدا لم يكن يملك الدليل القاطع، لان الأدلة في مثل هكذا امور صعبة التحصل.

لكن القراءة العلمية للحدث، اي حدث، هي بمثابة دليل، والا لماذا تعتمد الدول على مؤسسات الابحاث ومراكز الدراسات التي تتقصى الحقائق من خلال القراءة والتحليل، ويعتمدها الساسة مرجعا في اتخاذ قراراتهم؟!

مؤخرا، اقدمت قناة الجزيرة على فتح هذا الملف، وبثت فيلما عن القضية، بعد ان توصل الاطباء في مختبرات سويسرا الى معرفة سبب الوفاة، نتيجة لتحليل عينة من جثمان الزعيم الراحل، حيث اشار تقريرهم الى ان عرفات مات بتأثير مادة سامة، وهو ما كان المحللون يقولونه، من دون ان يحددوا نوع المادة، لانهم يتحدثون عن المعطى النهائي وليس التفصيلات، انطلاقا من قراءة سياسية، تستحضر لعبة الصراع بشموليتها وليس بتفاصيلها.

السؤال الذي يطرحه فيلم الجزيرة الذي افردت له مساحة بث غير اعتيادية، من خلال اعادته لمرات عدة، هو، ما الهدف السياسي الذي تريده الجزيرة، او من يقف وراءها من ذلك؟ وهل يمكن ان نصدق بأن تبيان الحقيقة هو وحده الذي يقف وراء الامر، ام ان هناك اهدافا اخرى، تقف خلفها جهات معروفة وغير معروفة، هي التي عملت على اثارة الموضوع؟

قبل الاجابة على هذا السؤال، لابد من القول، انه حتى لو عرفت حقيقة كون عرفات مات مسموما، فما الدليل على ان اسرائيل هي التي قامت بذلك، وكيف نقنع الدول الكبرى الموالية لاسرائيل بما نقول، وهي التي بيدها القرار الدولي، وبيدها مفاتيح اللعبة كلها؟

من دون ادنى شك، ان أي اتهام فلسطيني لاسرائيل، لا يمكن أخذه مأخذ الجد من قبل اميركا والدول الغربية، وانها ستعيد الاتهام الى البيت الفلسطيني، وتلقي بكرة النار داخله، لتزرع الشكوك بين القيادة الفلسطينية وبين شعبها، اي ان تحقيق الجزيرة وفيلمها، يجب ان يكتمل، وربما تستعد لذلك، لتقول، ان محمود عباس ومن معه كانوا وراء عملية الاغتيال، منوهين هنا الى ان قناة الجزيرة، بثت في اطار تغطيتها الموضوع، حلقة من برنامج "الاتجاه المعاكس" ليلة 12-11-2013 كان الهدف منها وضع القيادة الفلسطينية، او الرئيس محمود عباس تحديدا، موضع اتهام ضمني بالوقوف وراء الاغتيال! الهدف؟ ادخال فلسطين في جدل بيزنطي، لن ينتهي الا بعد ان يدفع الشعب الفلسطيني والقضية كلها استحقاقات قاسية، لا احد يتكهن بنتائجها، لا سيما ان المفاوضات مع الجانب الاسرائيلي، وصلت الى طريق شبه مسدود، يستدعي وقفة فلسطينية موحدة، وان اسرائيل، لم تتوقف عن بناء المستوطنات، بالرغم من تصريحات المسؤولين الاميركان والغربيين المتكررة، من ان ذلك سيؤثر في مسار المفاوضات! وهي تصريحات كثيرا ما ضربتها اسرائيل عرض الحائط، لعلمها ان كل هؤلاء المسؤولين لم ولن يتمكنوا من منعها مما تريد تنفيذه، لانها نافذة في دولهم وتتحكم باللعبة السياسية هناك، من خلال لوبياتها، التي لم ينجح العرب في صناعة مثيلها، ولو في دولة اوروبية صغيرة، فما بالك في اميركا التي باتت مستعمرة صهيونية على رأي المفكر الفرنسي الكبير، روجيه غارودي؟!

لم تخبرنا الجزيرة، بشأن ما ينبغي على السلطة الفلسطينية ان تفعله ازاء ما حصل، وهل تعتقد ان السلطة تمتلك النفوذ الدولي والامكانيات للذهاب بالمسؤولين الاسرائيليين الى المحكمة الدولية في لاهاي لمحاكمتهم كمجرمين، مثلا؟ او ان تعلن الحرب على اسرائيل، وبأي سلاح تواجه آلة الدمار الاسرائيلية الهائلة، خصوصا بعد ان اصبح الفلسطينيون مكشوفين تماما، كون الجيوش العربية العاجزة اصلا عن مواجهة اسرائيل سابقا، باتت مشغولة اليوم بالحرب على الارهاب، الذي تقف خلفه قناة الجزيرة بالدعم المعنوي، والترويج له على انه جهاد من اجل تحرير فلسطين!

ماذا يحدث؟.. والى أين تسير بنا اللعبة الكبيرة التي تهنا وسطها؟