اغتيال رباني... عندما تُفَخخ العمامة!

بقلم: رشيد الخيّون

مرَّ اغتيال رئيس أفغانستان السابق برهان الدِّين رباني في 20 سبتمبر 2011 بلا ضجيج إعلامي. قلنا السابق لا الأسبق لأن الملا عمر زعيم "طالبان" أعلن نفسه أمير مؤمنين لا رئيس دولة. أرهق الجهاد رباني مع جماعته الإسلاميين أكثر من جهاده ضد السوفييت، حتى قضى بمتفجرات فخخ بها أحد زواره عمامته. فبقدر ما اتفقوا على الجهاد تنازعوا على الغنيمة. أما دماء الشباب التي سالت في جبهات الجهاد فلا قيمة لها، وقبيل الانتصار قضى أكبر عراب للجهاد الأفغاني قتيلاً بين رفاقه، ليخرج من تحت عباءته الجهاديون: الأفغان العرب، فـ"القاعدة". للخلاف على الغنيمة تاريخ، وكانت بدايته في تاريخ الإسلام ما حصل في موقعة "أُحد" (3 هـ)، والقصة معروفة والمعروف لا يُعرف.

هناك حروب عديدة حصلت ضد المحتلين، لكن ليس بينها ما استخدم الدين سلاحاً فيها مثلما حدث ويحدث بمنطقتنا. فالفيتناميون عرضوا أنفسهم للفناء وانتصروا على الأميركيين (1975)، لكن من دون توظيف البوذية. وخاض الأميركيون من قبل نضالاً شرساً ضد البريطانيين فانتصروا (1776)، بلا رفع كتاب مقدس، فهم خليط من شعوب وحدها المصير المشترك، أو حتى في المعارك في ما بينهم، التي انتهت بكتابة دستور صار عروتهم الوثقى، في ظله تتعايش مئات الأديان والمذاهب بسلام.

كان يمكن للأفغان أن يناضلوا ضد الاحتلال السوفييتي، لكن بلا تسويق ديني، ذلك الذي جعل العمائم جاهزة للخطابات وإعطاء الفتاوى، فصاحبنا العراقي أحد زعامات "الإخوان المسلمين" محمد حامد الصَّواف (ت 1992) خلع عمامته واعتمر القبعة الأفغانية، ليجعل منها رمزاً دينياً، والفلسطيني عزام (قُتل 1989) حشد الشباب في دائرة البيت الحرام إلى أفغانستان، وعبدالمجيد الزنداني كان يجند الشباب اليمني عبر مؤسساته الخيرية، وغير هؤلاء كثير.

في هذه الحرب بالذات، مع ألاعيبها الدولية البعيدة في مرامها عن أفغانستان، زينت الشهادة، وتعاظم أمر فتاوى القتل، حتى أن عزام نفسه نسي فلسطين والقدس، مع أن الاتحاد السوفييتي الدولة الوحيدة في مجلس الأمن قلبت الطَّاولة على إسرائيل، عندما قادت الأمم المتحدة إلى اعتبار الصهيونية حركة عنصرية (1974).

في تلك الحرب وضع الإسلام كدين مقابل الشيوعية كفكرة دنيوية، وهي الأخرى فشلت عندما صارت أيديولوجية دولة، فكم هي علمية قوانين الدِّيالكتيك الهيغلية بالأصل، نسبة إلى هيغل (ت 1831): "وحدة وصراع الأضداد" و"تحول الكم إلى كيف" و"نفي النفي"، لكنها ما أن تحولت إلى حكومة وآيديولوجية مفروضة نزعت علميتها وصارت خادمة للسياسة، وشعارات حزبية فارغة.

لماذا الأميركان لم يختلفوا بعد تحرير نفوسهم من حكم الأجنبي؟! ولماذا الفيتناميون ظلوا موحدين بعد الانتصار؟ ولماذا الهنود بعد نضالهم السلمي العظيم ضد بريطانيا بنوا الديمقراطية، ومع تردي أحوال البلاد المعاشية، لكن العالم يحسب حساب الهند، ولا صراع بين المركز والأقاليم، ولا أراضٍ متنازع عليها؟ فالهند على الرغم من كثرة أديانها ومذاهبها وقومياتها باتت الديمقراطية وسيلتها وغايتها.

والسؤال الأهم: لماذا كان هناك جهاد تحت راية الدين، بينما هناك عناوين أُخر تفعل مفعولها؟! ولماذا جرى تدويل قضية أفغانستان بهذا الحجم؟! وكيف غفل رجال الدين عن أنهم كانوا مجرد أدوات في تلك الحرب، وكانوا يحشرون في عقول الشباب مفاهيم الشهادة، حتى غدت الحياة بعد تحرير أفغانستان موتاً في موت؟ تلك أسئلة تطرح في تجربة من تجارب حروب التحرير مثل التجربة الأفغانية، فالأمور بنتائجها.

أقول: لماذا يُلجأ إلى توظيف الدين في الصغيرة والكبيرة، ووضعه في مناطق حرجة، كما هو الحال في أن يكون طريقاً إلى الموت والعنف، ووسيلة إلى السلطة بالعنف أو ركوب مركب الديمقراطية لنسفها من داخلها؟! ومازال الذين عششت في أدمغتهم فكرة الجهاد المستمر يماهون بين الدين والموت، وما عرف بتزيين الشهادة.

نعم هناك جيش أجنبي بأفغانستان، وأي البلاد خلت في تاريخها من جيوش أجنبية؟! لكن أن تتحول تلك الحرب إلى حرب مقدسة هذا هو الخطر. لأن الأمر لا ينتهي بانتهاء الحرب، وقد ولدت ثقافة الجهاد كواجب ديني، شرع له الوعاظ ممن كانوا يجلسون في الصفوف الخلفية، يملؤون خزائنهم بمال الجهاد، وهذه هي النتيجة، العالم حائر كيف يحد من ثقافة الموت، وترى الانتحاريين بتكاثر، فقيسوا كم حملوا الدنيا مهالك باسم الدين.

كان اغتيال برهان الدين بعمامة مفخخة، والرجل يمتدح لاعتداله وتخليه عما كسبه من الإسلام السياسي بمصر، ليس حدثاً عابراً، ولا يخص اغتيال الرئيس رباني نفسه بفتوى جهادية مضادة، بينما كان هو قائداً للمجاهدين ويصدر فتاوى، إنما هو انكشاف ما تحت العمائم عندما تأخذ تجول وتصول في الحزبية. ما كانت العمامة في يوم من الأيام شرطاً للباس الدِّيني، وليس في الإسلام، ثياب دينية، فكم هو الدِّين سهل وكم هم جعلوه صعباً، عندما حولوه إلى ملابس ومؤسسات وأحزاب.

يمكن أخذ التجربة العراقية مع أهل العمائم كنموذج على توظيف الدين، ففتاوى القتل صدرت من أصحاب عمائم، أو ثياب دينية، لا يرتديها غير الفاعلين في هذا الحقل، والانتخابات سيرت بهدي العمائم، وعقارات أخذت تحت ذريعة المصلحة الدينية مِن قبل أهل عمائم. يتضح أن هيمنة العمائم لا تدوم إلا في مجتمع يحتقر الدولة ولا يلجأ إلى مؤسساتها، إنها تحاول البقاء على خضوع المواطن الروحي لها. تحاول إفهامه أنها تدخله الجنة وتخرجه منها متى شاءت، كلها نماذج لعمامة قاتل رباني. ليس كل العمائم هكذا إنما هناك عمائم لي الحق تسميتها بالدَّلافين لإنقاذ النَّاس مِن الغرق في بحر الشعوذة لكن معتمريها هم القلة القليلة، ومهددون بالطرد مِن دوحة الإيمان.

ختاماً: حذارِ من العمامة التي قتلت برهان الدِّين، وهو ينافح في سبيل إخراج أفغانستان من محنة التُّراث الجهادي. حذارِ من عمامة قال فيها الجواهري (ت 1997)، وهو يرثي جميل صدقي الزهاوي (ت 1936)، وكلاهما كانا مِن معتمريها: "يقرر أن الدين حب ورحمةٌ .. وعدلٌ وأن الله لا شك واحد.. وأن الذي قد سخر الدين طامعاً.. يتاجر باسم الله، لله جاحدُ" (الرشودي، الزهاوي دراسات ونصوص). كان الجواهري شيعياً والزهاوي سنياً، ولكم قياس تضامن النفوس، عندما لا يكون الدِّين سبباً للشِّقاق!

(نشر في الاتحاد الظبيانية)

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com