اغتيالُ وسام الحسن: القاتلُ حين يريدُك أن تعرفُ أنه القاتل!

بقلم: محمد قواص

في شهر تموز (يوليو) من عام 2004، أي قبلَ أشهر من إغتيال الرئيس رفيق الحريري، جمعني، في بيروت، عشاءٌ مع أحد الشخصيات السورية الأكاديمية - الإعلامية القريبة من النظام السوري. تبرعَ أحدُ الحاضرين بسؤالِ الضيف المقرّب من قصر المهاجرين (على حدّ زعمه وتكراره المملين) عن ماهية موقف دمشق من الرئيس الحريري، فأجاب بلغة الواثقين: "سيدفعُ الثمنَ غالياً".

لم يكن الرجل قريباً إلى هذه الدرجة من الغرف السرية السوداء، حيث تُحاك المؤامرات، بل كان على علمٍ (أو تمَ إعلامُه) بأجواء الإحتقان والغضب في كواليس الحكم السوري، والتي توحي بأن ثمناً ما سوف يدفعه من تجرأ على إغضابِ الحاكم في دمشق.

في تموز (أيلول) الماضي أطلّ اللواء جميل السيّد، أحد كبار ضباط الأمن السابقين في لبنان، المدير العام السابق للأمن العام، وأحد أكثر الشخصيات اللبنانية قربا إلى النظام السوري، (كان متواجدا في سيارة الوزير السابق ميشال سماحة أثناء نقله للمتفجرات من دمشق، في قضية سماحة - مملوك التي كشفها فرع المعلومات الذي كان يرأسه اللواء وسام الحسن)، أطل السيّد ليعلن أن "نهاية وسام الحسن وأشرف ريفي ستكون في هذا الملف من الوجهة القضائية والامنية".

توقعات السيّد رفدتها تهديدات متكررة وجهها النائب ميشال عون (القريب من دمشق) إلى شخص وسام الحسن وفرع المعلومات ومدير قوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، فيما تولت شخصيات أخرى لبنانية حليفة للنظام السوري توجيه إتهامات قديمة – جديدة حول إرتباطات مزعومة لجهاز الحسن الأمني وأساليبه، بينما نشرت جريدة الديار، القريبة من دمشق، مقالاً صبيحة الإنفجار، تتهم فيه الحسن بأنه " يوزع السلاح بالآلاف علناً على الأصوليين" للهجوم على سوريا.

يجمعُ بين عمليتي إغتيال الرئيس الحريري واللواء الحسن، أن هناك من خطط، وهناك من راقب وتتبع، وهناك من وفّر الوسائل اللوجيستية والمعلومات، وهناك من تقدم في لبنان بتوفير الغطاء السياسي التحريضي (سواء تبرعاً أو تكليفاً) من أجل أن يأتي الإغتيال، ضمن سياق سياسي داخلي.

سقط وسام الحسن. توالت تصريحات التنديد والإستنكار من كافة الفرقاء السياسيين في لبنان. لكن جمهوراً أصابه غضب كون الجريمة إستهدافاً لخيارات سياسية يقف خلفها، وجمهوراً أصابته غبطة، كون الحسن ينتمي في الأداء والسلوك والإنتماء إلى قوى ما يسمى في لبنان بـ "الفريق الآخر"، وتكفي مراقبة مواقع التواصل الإجتماعي لملاحظة مواقف الجمهورين، بين غاضب وشامت. الإغتيال مرة أخرى يصيب واحداً من وجوه 14 آذار، بما يضع فريق 8 آذار بشكل غير مباشر (وللبعض بشكل مباشر) في موقع المتهم أو المتواطئ.

كثيرون إعتبروا أن مسلسل الإغتيالات قد توقف منذ أن تدخّلَ المجتمع الدولي من خلال المحكمة الدولية بشأن إغتيال الرئيس الحريري. لكن الحقيقة في مكان آخر. القاتل توقف عن القتل لأنه إرتأى أن مصالحه تستدعي ذلك. والقاتل إستأنف القتل لأن مصالحه عادت وإستدعت ذلك.

بمعنى آخر، فإن القاتل وحده، حتى الآن، هو من يحدد متى وكيف وأين يتمُ القتل. بمعنى آخر، فشلت آلياتُ المحكمة الدولية والضغطُ الدولي في ثني المجرم ووقف الإجرام. بمعنى آخر، أضحى مطلوباً تغييرُ الوسائل وتبديلُ السُبل، إذا ما أراد اللبنانيون والعالم وقف هذه المهزلة الدراماتيكية.

لبنان الرسمي، بشخصِ رئيس الجمهورية ميشال سليمان، ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ربطوا الجريمة بملف سماحة – المملوك. لبنان الرسمي إذن يلمح إلى تورط دمشق. المعارضة اللبنانية، التي ينتمي وسام الحسن إلى صفوفها (كونه كان مقرباً من الرئيسين رفيق وسعد الحريري)، لم تتردد بإتهام النظام السوري (بمساعدة محلية، كما قال رئيس الحكومة اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة) بأنها تقف وراء الإغتيال.

سوريا، وفق ذلك، تنتقل إلى الهجوم، وتنقل المعركة إلى الداخل اللبناني، ولا شيء ينفي أن لا يكون تفجير الأشرفية مقدمة لسلسة أخرى من عمليات الإغتيال على منوال ما حصل قبل، وعقب، إغتيال الحريري عام 2005.

لكن هل سوريا وراء ذلك؟ وهل سوريا وحدها وراء ذلك؟

في عملية إغتيال رفيق الحريري عام 2005 توجهت الإتهامات حينها إلى سوريا. قيل أن الإتهامات سياسية وأن على التحقيق الدولي أن يدلي بدلوه في هذا الأمر. لمّح ذلك التحقيق في مرحلة أولى إلى تورط دمشق، ثم أكد في مرحلة لاحقة أن شخصيات تنتمي إلى حزب الله كانت وراء ذلك (دون أن يُسقط ضمناً تورطا محتملاً ما لدمشق في الأمر). المعارضة اللبنانية إتهمت النظام السوري بإغتيال وسام الحسن، وتجنبت توجيه أي إتهام لحزب الله، أو لأي فريق لبناني (بإسم العلم على الأقل). لكن هل تعبِّر التصريحات عن قناعات؟

تاريخياً، إعتبر فريق 8 آذار فرع المعلومات الذي أداره بجدارة اللواء وسام الحسن، جهازاً أمنياً معادياً. إتُّهم الجهاز بأنه غير شرعي (بعد إغتيال الحسن تم تحويل الفرع إلى شعبة)، وشُنّت الحملات عليه وعلى رئيسه (وسام الحسن هو الثالث الذي اغتيل من نفس الجهاز بعد إغتيال الرائد وسام عيد عام 2008 وقبله محاولة إغتيال المقدم سمير شحادة عام 2006). وكان فريق 8 آذار يتعامل بحرجٍ سلبي مع الإنجازات الأمنية الهائلة التي حققها الفرع على صعيد الأمن في لبنان.

أسقطَ وسام الحسن وفريقه شبكاتِ التجسس الإسرائيلية الواحدة تلو الأخرى. كشف عن جواسيس ينتمون إلى كل الطوائف والتيارات. كشف عن اختراقات إسرائيلية داخل البيئة الحاضنة لحزب الله، وحتى داخل حزب الله (رفض الحزب الإعتراف بها). كشف عن إختراق مذهل داخل صفوف تيار النائب ميشال عون من خلال القبض على العميد فايز كرم الذي إتُهم وحوكم وأُخلي سبيله بعد إنقضاء محكوميته.

وإذا ما عجز فريق 8 آذار عن استيعاب إيجابي لإنجازات وسام الحسن في إسقاط العملاء لإسرائيل، فإنه لم يحتمل إسقاط ميشال سماحة، ذلك أن في إسقاط الرجل إسقاطاً لمنهج وسياسة وأداء يدافع عنه حلفاء دمشق في لبنان. تراجع حزب الله بسرعة عن التشكيك في رواية المحققين، في حين أمعنت بقية قيادات هذا الفريق في تفنيد الحجج وتبرير السلوك وخلق الاعذار واتهام فرع المعلومات باستدراج سماحة وتقديمه كضحية يُراد له أن يكون متهماً.

آليات التعامل القديمة مع الإغتيالات تُفضي إلى نتيجة واحدة: هناك من سيقتُل بحرية وهناك من سيُقتل بغدر. الفريق السياسي المستهدف سيتولى تسيير الجنازات وعدّها ومراكمتها. آليات التعامل القديمة، مثل إسقاط حكومات وإقامة أخرى، لن تمنع القاتل من أن يقتل، ولا القتيل من أن يُقتل. مشكلة الإغتيالات في لبنان شديدة الإرتباط بمواجهة إقليمية دولية تستخدم اللبنانيين قتلى (وربما قتلة) لتصفية حسابات أو تبادل الرسائل. والقاتل في هذا الإطار، أراد إرسال رسالة لمن يهمه الأمر يقول فيها "أنا القاتل، هذا ما عندي، فماذا عندكم؟"

مشكلة الإغتيالات في لبنان، هي حالة هجوم، لا يُردُّ عليها بالدفاع دائماً، بل أحياناً بالهجوم المضاد. وفي هذا الإطار لا يبدو أن العالم والإقليم مستعجل لأي هجوم مضاد. المعارضة لا تستطيع إسقاط حكومة لا يبدو أن العالم تخلى عنها (رغم تبدل الموقف الأميركي وتوضيحه في الساعات الأخيرة). والعالم يقيس خطواته طالما أن المرشحيّن لدخول الأبيض لا يعبّران عن إنعطافة دراماتيكية في موقف واشنطن.

وسام الحسن الذي أسقط جهازُه عملاءَ إسرائيل وسوريا في لبنان، بمقتلِه هناك من إبتسم في تل أبيب كما في دمشق.

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي