اعوام المواجهة الطويلة منحت العراقيين مناعة

بغداد
حرب ام لا حرب. امامنا عرس ينبغي الاحتفال به!

كانت قطعان الأغنام التي تصطف على جوانب الطرق في بغداد ومدن العراق أخرى, وهي معروضة للبيع لنحرها في عيد الأضحى المبارك, تشير إلى أكثر من أمر، أولها تحسن الوضع الاقتصادي للناس, قياسا بالأعوام السابقة، وثانيها اهتمام العراقيين بالتعبير عن فرحتهم بهذا العيد, رغم الأتراح العديدة وتصاعد التهديدات الأميركية ضد العراق, إلى حد الذي قد تنفجر معه الحرب في أي لحظة.
هذه المشاهد وغيرها من المشاهد الأخرى, حيث غصت حدائق ومتنزهات الأطفال في بغداد بعشرات آلاف العائلات, التي جاءت للاحتفال بالعيد, مع حركة لم تتوقف في شوارع العاصمة حتى ساعات متأخرة من الليل، كانت توحي بأن اهتمام العراقيين بتهديدات المسؤولين الأميركان يبدو ضعيفا، وأن أعوام المواجهة الطويلة مع الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ جورج بوش الأب إلى جورج بوش الابن, مرورا ببيل كلينتون, منحت العراقيين شيئا من المناعة, تجاه سماع هذه التهديدات, وعدم التأثر بها, على الرغم من أن عدم الاهتمام العراقي لا يمكن فصله عن تصاعد الرفض الدولي لشن هجوم أميركي على العراق، وخاصة مواقف الدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي مثل روسيا والصين وفرنسا، إلى حد الشعور بأن ثمة اختلاف في موضوع ضرب العراق حتى بين أميركا وبريطانيا الحليف الموالي لها في كل الساحات والحروب مهما كبرت أو صغرت.
هذا العيد بالنسبة للعراقيين كان عبارة عن إعلان شعبي غير مباشر تجاه السياسة الأميركية المتشددة ضد بلادهم, خلال هذه الأيام, التي وصل فيها الأمر حد التصريح باحتمال أن تشن أميركا الحرب لوحدها ضد العراق, مما يعكس ولأول مرة تصدع التحالف, الذي صنعته واشنطن إبان حملتها على أفغانستان, وما زالت تعلق الآمال عليه, لتحقيق سياساتها, تحت يافطة مكافحة الإرهاب, وتوسيع الحملات العسكرية ضد دول أخرى لإنهائه.
وقد كانت مناسبة عيد الأضحى المبارك في العراق هذا العام, فرصة لقيام حركة تسوق كبيرة قبله بأيام, لم تشهدها الأسواق العراقية في مثل هذه المناسبات منذ أعوام، مما يؤكد أن العراقيين ينظرون إلى التهديدات الأميركية على أنها جزء من حملة ليس ضد العراق فحسب, وإنما ضد الأمة الإسلامية والعالم كله، ويعتقدون أن العالم بأسره يدافع عنهم اليوم, وأنهم ليسوا منفردين في ساحة المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية، وأن أي هجوم على العراق مهما كان مستواه سيلاقي رفضا عالميا كبيرا.
ويذهب بعض المحللين العراقيين إلى أن المواجهة مع العراق ربما تكون بداية لمسلسل انحسار الدور الأميركي في العالم، خاصة وأن الإدارة الأميركية لم تتوقف عن دعمها للدولة العبرية, مع كل ما تقوم به الأخيرة من جرائم ضد الشعب الفلسطيني، وهو الأمر الذي يصب في خانة تأليب الرأي العام العربي والإسلامي ضد أميركا وإسرائيل، مما يزيد اطمئنان العراقيين إلى الموقف المساند لهم في مواجهة أي هجوم أميركي، وهو ما يجعل الحياة العراقية تسير بشكل هادئ غير مكترث بالتهديدات الأميركية, التي بدأت تتصاعد, بما يعبر عن أزمة ثقة دولية في سياسات الإدارة الأميركية في المنطقة والعالم، وهو ما يكشف من جهة أخرى عن قرب الوصول إلى نهاية النفق بالنسبة للحصار الظالم، إذ إن وجود موقف دولي مساند للعراق يمكن أن يؤثر مستقبلا على قضية الحصار المستمر منذ أكثر من 11 عاما, ويدعو إلى إنهائه, في وقت يؤكد فيه مسؤولون من دول عديدة أن استمرار الحصار قد فقد مبرراته, ولم يعد يمثل سوى حرب إبادة لقتل المزيد من العراقيين.
هذا التصور الذي يحكم السلوك العراقي الشعبي, قد كشف عن نفسه في صورة الاطمئنان للمستقبل, على الرغم من حدة التهديدات الأميركية، ولكنه أضاف في الوقت نفسه حالة جديدة للصمود العراقي في مواجهة أي هجوم أميركي, وهو ما يمكن أن ينعكس سلبا على أي مغامرة ضد العراق, خاصة إذا ما قامت بها أميركا لوحدها. (ق.ب.)