اعتقال الحياة في قصص كاتب مغربي

بقلم: محمد عطية محمود
كائن سردي ملغز

القصة القصيرة كائن سردي ملغز، موغل في خصوصيته، عصي على التحديد والتقولب. ربما كان هذا التعريف ـ في ظني ـ هو ما يشد القاريء المفعم / المولع بهذا الفن المراوغ الذي يأتي كل يوم بجديد؛ ليشكل من مفردات الحياة/ الواقع أشكالا تعبيرية وربما رمزية دالة تستقي من كل ما حولها، ومن الذات شرعية وجود جديدة وجديرة على أرض السرد برمالها المتحركة التي تلتهم المزيد والمزيد من طرائق الإبداع التي لا تنتفي ولا ينضب معينها، والتي بلا شك تبغي واقعا بديلا وموازيا يترجم فيه المبدع تجليات علاقاته المتغيرة والشائكة وتمرده على واقعه بما فيه.
وفي مغامرته القصصية "اعتقال الغابة في زجاجة"، الصادرة في طبعتها الثانية 2010 عن دار "التنوخي للطباعة والنشر" بالمملكة المغربية، تبدو تجربة القاص المغربي أنيس الرافعي في مرحلة جديدة من مراحل خوضه غمار القص التجريبي المغاير، وهو الطريق الذي اختطه قلمه منذ بداياته السردية، التي حملت في متونها، عناوينها التي تخوض التجريب من منظوراته المتعددة، وبأشكاله الجديدة التي يريد معانقة الواقع بها، فتنوعت بين التمارين، والتعاقبات، والملاحظات، والمتتاليات القصصية، كعتبات أولى أو مداخل لتأصيل هذه المحاولات، وصولا إلى إقامة طقوس هذه المرحلة من الكتابة التي تواصل محاولة ترجمة معطيات الواقعين الداخلي النفسي للذات الساردة / القاصة، والخارجي من حولها بطقوسه الضاغطة، ذلك الجو النفسي الفلسفي الذي يحاول اختزال الحياة في قصة، بالقدر الذي من الممكن أن تختزل فيه الغابة في زجاجة! اتكاءً على موازاة الحياة بالغابة، والقصة بالزجاجة، تلك الإحالة التي ربما استشفتها رؤيتنا الأولية لدى قراءة النصوص أو الأحابيل النصية التي أوقعنا فيها الرافعي بولوجه هذا العالم المتشظي والمتناثر، في شبه غيبوبة حلمية بدأت بذورها مع نصه الافتتاحي المعنون بـ "الزجاجة"؛ بما توحي إليه هذه الإحالة الأولى من معنى للحياة أو حيزها الضيق جدا الذي انحصرت فيه الحالة/ القصة بتلك الأشياء والعبارات المتشظية من حوله، والتي من الممكن أن تكون لحمة قصة، وهي كذلك بالفعل، لكنها تستعصي على الترابط والانسجام، وتنسال بما يشبه الغيبوبة الفكرية المصاحبة للمبدع لتصنع فعل الكتابة وفعل الإبداع فيها.
فمن قلب هذه العملية الاختمارية للسرد يأتي هذا التشظي وهذا التتابع، الذي يشكل مفردات تلك الغابة، التي تعتمل في نفس السارد، لتصبح القصة هنا تسجيلا مرئيا، لما يدور بداخلها، ليربط بين ما هو داخلي محتبس، وما هو ظاهر على حيز الورق والكتابة، بهذه الجملة الاعتراضية، التي تصير مفصلية، بحكم الدور الذي تلعبه في تغيير مسار الكتابة في النص من الداخل إلى الخارج، في شبه إحياء:
"شخص يمسك بذراعي كل مرة أحاول فيها أن أكتب..." (ص21).
فيصير الفعل الضمني للقمع الذي تحمله هذه الجملة الدالة، هو فعل القصة وفعل الوجود السردي الحقيقي في متن النص ومتن الواقع، والذي قد يصوغ إلى حد كبير العلاقة الخطيرة بين الزجاجة والغابة، كمعادلين موضوعيين للحياة والكتابة معا، مما يطرح إشكالية هامة من إشكاليات الكتابة التي تواجهها، وتحاول التغلب عليها، فعنصر القهر الموجود بتوازيه مع القمع، أو تواريه خلفه، يعد من محفزات الكتابة التجريبية التي تتسق إلى حد بعيد مع ما يطرحه الفضاء الخارجي بالتماس مع الذات من أزمات تنشأ من مواقف وتداعيات ورؤى قد تتباين بين الأيديولوجي والسوسيولوجي والمادي بكافة صوره؛ فرهان الكتابة ـ هنا ـ على الخلاص من فعل القمع الذي يفرضه الواقع المحيط بطقوسه المقلوبة وغير المعتادة.
نفس السمة هي التي تطرح العلاقة بين الأنا والأنا الأخرى في عملية الانشطار التي يثيرها نص "الشاطيء" من خلال عملية صوتية هي عملية الصراخ الذي يتراكم ويتداعى حتى يتملك الذات المعتصرة بأزمتها، باستخدام تيمة التصاعد الصوتي التي يستثمرها القاص؛ حيث يبدأ الصراخ وليدا واهنا، شأنه شأن كل شيء بالكون، منطلقا من الأنا / نواة الكون:
"أنا، أنا تقريبا الآن بملء حنجرتي في كافة أرجاء البيت أبث الصراخ، وهذا الصراخ. هذا الصراخ ذاته، على الرغم من أنه ينبعث في الواقع من حجرة بعيدة كانت له القدرة على الوصول إلى حلم أي أحد ما، أما أنت في حجرتك التي لا علاقة لها طبعا بالحجرة الأولى، فقد كنت منهمكا في إزاحة ما تساقط عليك من هذا الصراخ." (ص26).
هنا ينتقل الحيز المكاني لحصر هذا العالم من الزجاجة إلى حجرة وحجرة أخرى موازية، أو ذات / أنا، وذات / أنا موازية، تتداعى عليها الأزمة النفسية كطوفان يغمر كل شيء ويغرقه تماما، وهي الصيغة الكابوسية التي ارتضاها القاص لنصه حينما أطر المساحة كلها في إطار الكابوس أو الرؤية المتماهية مع الواقع من منظور نفسي، ذلك الواقع الذي أصبح كابوسا ماديا يطغى على الكابوس الحسي والرمزي بحسب رؤية النص، الذي يتحول فيه ضمير الكتابة إلى ضمير المواجهة والخطاب المباشر إلى الذات، التي توحدت فيها الأنا والأنا الأخرى:
"فحسب استأنفت حلمك وأنت مردوم وسط كومة هائلة من الصراخ." (ص28).
ذلك الصراخ الذي يندلع في النفس كآلية لاستشعار الوجود من حول الذات الساردة التي تقتفي أثر مفرداتها الدالة على التشظي والاندثار، مع هذه المحاولة الحثيثة لتجميع هذه الذرات وتكوينها تكوينا جديدا ربما لا يحتاج إلى هذه المؤانسة التي يطالعنا بها نص "الصدع"، من خلال عملية بصرية هذه المرة:
"الزوبعة ليست شيئا يهب بغتة من بعيد، ليست شيئا لا يمت لك بصلة إنها أنت فأنت هي. أنها شيء ما في جوفك، وجوف ما فيه شيء منك، وكل ما عليك فعله هو أن تنقاد إليها ولا تفتح عينك مطلقا حين سيتقدم منك، الآن، في وسط الشارع، أحدهم.. أحدهما ويربت برفق على كتفك فتتلاشى الزوبعة." (ص35).
ففعل الائتناس بالآخرين هنا، يأتي فاعلا في متن النص وخروج الذات من حيزها المغلق إلى الحيز الخارجي العام كجزء من خلاص، من خلال تحويل الخطاب الذاتي إلى خطاب عام يستهدف الكل، ويخرج من الحيز النفسي الضيق للنص إلى الحيز الأكبر للوجود، بمحاولة معانقة الأجواء الخارجية للغابة/ المعادل الموضوعي للحياة. لكن النفس التي بدأت تتنفس هنا في هذا الحيز الواسع، قد ترتد إلى الذاتية المفردة التي تغوص بعمق فلسفي خاص داخلها مرة أخرى في نص القربان:
"النفس مسكن، مسكن أنت سيده. أنت سيده المطلق. وهذا المسكن الذي أنت سيده. أنت سيده المطلق لك. لك فقط دون سواك مطلق الصلاحية أن تجعله شقة اقتصادية صغيرة لا تحتمل طاقتها الاستيعابية سواك." (ص39).
فهنا، وبصيغة المخاطب ترتد الذات إلى داخلها بمحاولة الجمع بين الحسي المعنوي المتمثل في النفس، والمادي الطبيعي المرتبط بالواقع، في كيان الشقة المادية التي تتناسب نفسيا وربما انغلاقيا على النفس/ الذات، وهنا أيضا تجذر للعلاقة التوحدية والتي تحرك هذه الرغبة وهذا الانشغال بالنفس والتكريس لها، فهي المساحة الضيقة التي تمثل معاناة السارد في مواجهة ذاته حين يعز عليه هذا الحيز المحدود له، ويصبح الانعزال أملا حتى في ظل هذه البرودة المتمادية الواصلة حد التجمد والثبوت على ما جبلت عليه من حصار ودمار؛ فها هو اللون الأبيض يحيط بكل شيء. أبيض لكنه دال على الإيغال في الاغتراب والحيادية والانفراد والبرودة التي تقتل كل شيء، وتسد مسارب الأمل:
"لن تنجو هذه المرة، فقط هذا الجليد، فقط هذا البياض، فقط هذا البياض الذي تريد أن تذهب فيه ويذهب فيك أبعد. فقط هذا البياض الذي لم تعد راغبا في مقاومته." (ص42).
يبدو الاتكاء ببعض الجمل الدالة ـ كسمة من سمات الكتابة على مدار النصوص ـ كـ "فقط هذا البياض" إيغالا في هذه العزلة وهذا الموات الذي لا مهرب منه، وأحيانا في مازوخية السارد والتوجه إليه بالخطاب السردي، والتلذذ باحتباس لحظة تعذيب الذات والإهانة النفسية المريرة!
***
كما تتلاقى الصور / التماثلات البصرية، التي تراقب فيها العين هذا العالم من خلال مفرداته وشخوصه التي قد تصنع وقد تبدع، وقد تكون علامات بصرية على طريق هذه الحياة المشغولة بهواجسها، فالـ "خزَّاف" مهجوس بأصابعه الصانعة للخزف، وهو كتركيب إنساني مغاير يتعامل مع الأشياء بطرف، بينما سماته/ ملامحه الخارجية ربما كانت على الطرف النقيض، لذا فهو يمثل في فضاء هذه الصورة، التي قد تكون دميمة أو مذمومة، هذه الصورة الإبداعية "وبما أن الصورة العظمى ليس لها شكل كما تقول حكمة الطاو، فقد كان محتاجا حتى يصبح لهذا الوجه حضور مؤكد إلى أصابع أكثر من أصابعه. إلى أصابع أبعد وأغور وأشد وأنكى." (ص46).
ليجتمع بهاء الحالة الإبداعية مع دمامة الصورة من خلال تلك العملية الموسومة بسمات الحياة التي لا تكتمل عناصرها، ولتبرز هنا المفارقة الحياتية اللاذعة. وهي المفارقة أيضا التي يأتي بها الكاتب في شخصية المايسترو الذي يتحول لديه الثور، بما يحمله من معنى ورمز، في سيمفونية من المفترض أنها تعانق الحس الإنساني الشفيف، إلا أنها تتجه نحو المآسي الإنسانية التي ربما يلاقي فيها الإنسان حتفه، فهو هنا يقرن ما بين الثور والمايسترو في خطين متوازيين:
"الثور يأبى أن يلتئم أو أن يندمل.
المايسترو يولي روحه والعصا شطر الصالة الغاصة عن آخرها بالجمهور، ثم مثل شهوة لا تطيق ثيابها مثل غيمة لا تطيق سماءها، يطلق سراحه ليشق دربه إلى أولى القتلى." (ص48).
هنا تنتقل الغابة إلى جزء منها يؤطره فعل الإبداع للمرئي الفلسفي والمتناقض الذي يعطي انطباعا بانقلاب الرؤى وعبثيتها التي تدفع بالنص ولغته إلى ارتياد هذه المناطق المعتمة من المجهول، والتي قد تحيلنا مع غيرها من نصوص المجموعة المتمايزة إلى الأجواء التي عانقها إبداع رائد من رواد التجريب القصصي في مصر والعالم العربي، هو محمد حافظ رجب، الذي عانق أهوال التجريب من خلال مجموعاته الفارقة "الكرة ورأس الرجل"، و"كائنات براد الشاي المغلي"، وغيرها، مما أسس لهذه المغامرات التجريبية، التي ذكرتها دائرة المعارف البريطانية، بأنها تمثل أول تجديد في القصة القصيرة العربية الحديثة والمعاصرة.
ومن هنا فإن تجربة أنيس الرافعي في هذه النصوص القصصية، لتؤكد على عزمه في المضي نحو تأصيل محاولاته الحثيثة في حقل التجريب الشائك ـ الذي لم يتعامل مع سواه؛ فهو لم يكتب النص الروائي بعد ـ الذي يتعامل مع عوامل مغايرة من اللغة والتقنية والشكل المعماري للنص القصصي، وهي بلا شك لبنة جديدة سوف تسهم بلا شك في هذا المضمار الذي لا يركض فيه إلا من أوقع في غرام هذا الكائن السردي الملغز والمراوغ، فن القصة القصيرة. محمد عطية محمود
قاص وناقد مصري Mohamadattia_2003@yahoo.com