اعتذار اردوغان للشعب الكردي..الأسباب والاهداف

بقلم: عبدالغني علي يحيى

استقبلت الاوساط السياسية على اختلافها بدهشة وذهول اعتذار رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان للكرد في تركيا عن الجرائم التي ارتكبتها الحكومة التركية بحق الكرد عامي 1937و1938 في ولاية درسيم الكردية، كونه اي الاعتذار يتنافى مع ما عرف عن الحكام الاتراك علمانيين واسلاميين، من عنصرية وعنجهية وغطرسة فوق العادة في تعاملهم مع القضية الكردية، ليس في تركيا فقط انما خارجها ايضا، ويزيد من الدهشة والذهول.

ان التطور هذا حصل فجاة؛ اذ ان الكرد انفسهم لم يطالبوه وكذلك الحكام الذين سبقوه، بالاعتذار، بل لم يكن يدور في خلدهم ذلك لانشغالهم بأمور اهم، بعد ان وقف والعالم معهم على امتناع الاتراك عن الاعتذار للارمن الذين قتل منهم اكثر من مليون انسان على يد العثمانيين في الحرب العالمية الاولى، في حين ـ وحسب الاحصاءات التي نشرت عن مذبحة درسيم ـ ان ما يقارب 14 ألف كردي راحوا ضحيتها.

والامر الذي يدعو الى العجب اكثر، امتناع تركيا عن الاعتذار لمقتل اكثر من مليون ارمني في وقت نجدها فيه تعتذر عن مقتل 14ألف كردي في العامين المذكورين!

هنا يلح سؤال على الإجابة: لماذا لايعتذر اردوغان عن جريمة مروعة نفذتها الامبراطورية العثمانية في حين تعتذر عن جريمة اقل حجماً اقدم عليها الحكام العلمانيون الاتراك؟

وسط الذهول الذي اثاره الاعتذار كان من الطبيعي ان يختلف المحللون والسياسيون في تفسيره، وبالاخص السياسيون الكرد بين مثمن له والقول انه شجاع، فملق للشكوك عليه الى حد افراغه من اية اشراقة، وفي حال عدم تتويج الاعتذار بتحقيق مطاليب قومية لكرد تركيا فان الشكوك تلك تتقوى اكثر.

ومن بين الرأيين المتقاطعين، فان اعتذار اردوغان، يشكل نصراً للقضية الكردية في تركيا واقرارا رسميا لتركيا، بالمظالم التي سلطت على الكرد هناك، رغم انه جاء متاخراً، مقارنة بتصنيف القضاء العراق الشجاع بحق قصف حلبجة بالقنابل الكيمياوية ومقتل الالاف من الكرد الفيليين على الجرائم التي تصنف على الابادة الجماعية "الجينوسايد".

والذي يثير اكثر من تساؤل في النفوس، ان لم نقل ينال من مصداقية اردوغان، ان الاعتذار جاء متزامناً مع شن الحكومة التركية لاشرس حملة اضطهاد وقهر وابادة ضد الكرد الان ومنذ شهور، والمتمثل باستخدامها للسلاح الكيمياوي والنابالم المحرمان دوليا، ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في ولاية "جلي" قبل اسابيع ومواصلتها لحرق المزارع وتدمير القرى الكردية وقتل المدنيين في الاجزاء الشمالية من جنوب كردستان (كردستان العراق) اضافة الى حملات مداهمات واعتقالات ضد النشطاء الكرد في تركيا.

قيل اذا عرف السبب بطل العجب.

لا شك ان هناك اكثرمن سبب دفع باردوغان للاعلان عن اعتذاره المدوي في البدء والخافت الى درجة التلاشي فيما بعد.

مثل بلوغ تذمر الاتراك اوجه من ارجاء الاتحاد الاوروبي المتواصل لقبول تركيا في عضويته، سيما بعد مضي نحو عام على الدور التركي المتناغم مع الدور الاوروبي، والمتقدم على الثاني احياناً في مجال نصرة "الربيع العربي" وتجلى التذمر في امتعاض الرئيس التركي عبدالله كويل تجاه هذا التاجيل الذي اعتبره "اهانة" لبلاده.

ولما كان الاعتراف بالهوية الكردية في تركيا من جانب الاتراك احد ابرز شروط الاتحاد الاوروبي لضم الاخيرة اليه، فلقد ظن الاتراك ان اختزال الاعتراف بتلك الهوية في الاعتذار المنوه عنه يكفي لاقناع الاتحاد الاوروبي لاحتضانهم في حين وكما نعلم، ان الاعتذارللارمن ليس من بين تلك الشروط، دع جانباً القول ان الاعتذار للكرد لا تترتب عليه اية استحقاقات لهم كالتي تترتب على الاعتذار للارمن او على الاعتذار الذي تطالب به تركيا اسرائيل على خلفية مهاجمة الاخيرة لسفينة "مرمرة" التركية في وقت سابق من العام الماضي.

وان الذي يقلل من قيمة اعتذاره انه ياتي من قبل شخص "اردوغان" وليس من مؤسسة قضائية تركية.

وعندي ان الهدف الاول والاهم للاعتذار الاردوغاني يكمن بدرجة رئيسة في قبول تركيا في الاتحاد الاوروبي.

وانها، اي تركيا، بتقدمها للصفوف في دعم الثورات العربية بشكل تبز فيه دول الاتحادالاوروبي: فرنسا وبريطانيا و المانيا بالاخص و حتى الدول العربية، اثبتت انها تفضل العضوية في ذلك الاتحاد لما فيها من منافع كبيرة وعلى المدى البعيد لها على الارباح التي جنتها وتجنيها من العقود الاقتصادية والتجارية التي وقعتها في وقت سابق مع سورية.

ولقد اختارت حكومة اردوغان ظرفاً صعباً على الاوروبيين لامرار مطلبها، ظرف مرور اوروبا بازمة اقتصادية ومالية خانقة والتي تكاد تطال اكثرية البلدان الاوروبية التي ترى في الربيع العربي بمثابة تصريف للكثيري من ازماتها.

وان لا مناص لها من استغلال تركيا واستخدامها كمخلب قط او كماشة اوغطاء اسلامي لتحقيق ذلك التصريف.

من جانبها، تبدو تركيا في استغلالها لهذا الظرف الصعب للاوروبيين، لاجل تحقيق حلمها في الانضمام اليهم، اشبه ما تكون بالمتصيد في الماء العكر، واغلب الظن ان تركيا اذا اخفقت مساعيها وسط الزمن الاوروبي الصعب واجواء الانتفاضات والثورات العربية، للوصول الى اهدافها.

فانها ستصاب بخيبة امل كبيرة ونكسة دونها اية نكسة اخرى، تدفعها آنذاك للتوجه بسرعة صاروخية نحو العالم الاسلامي وحتى نحو الاسلام السياسي المتطرف، واذا لم تتمكن تركيا من تحقيق ذلك الحلم، فبزوال ذلك الظرف وتوقف الثورات العربية، فان حاجة الاوروبيين تنتفي اليها.

ومن الاسباب للاعتذار التركي، سعي حزب العدالة والتنمية الحاكم الى تدارك الخسائر التي مني بها في المناطق الكردية وذلك في الانتخابات البرلمانية مؤخراً جراء انتصارات باهرة، لحزب السلام والديمقراطية الكردي على حزب اردوغان في تلك المناطق وبالاخص في "وان" والتي زادت من مقاعده، مقاعد الحزب الكردي، في البرلمان التركي.

ومن الاسباب ايضا ان الاحزاب القومية التركية مازالت المنافس الاكبر لحزب اردوغان، لذا فان التغلب عليها، عبرتوظيف فضح الماضي الدموي لها للحيلولة دون استردادها للسطة امر ضروري لاردوغان.

ويظل اعتذار اردوغان ناقصا نتيجة اصراره على عدم تقديم اعتذار مما ثل للارمن.

ومن جهة اخرى عليه اذا اراد سد النقص في اعتذاره، الاعتراف بالهوية القومية الكردية والكف عن التعاطي مع الشأن الكردي من موقع القوة، فالتوقف نهائياً عن مهاجمة شعب كردستان العراق.

وهو اذ يعتذر لمقتل ما يقارب 14 الف كردي في درسيم قبل 74 عاماً، فلا يغيب عن باله ان ضعف هذا العدد قتلوا على يد حكومته والحكومات القومية التي سبقت حكومته منذ عام 1984 عام اندلاع الثورة الكردية في تركيا.

ويؤسفنا القول انه اذا كانت ممارسات اتاتورك الوحشية والحكومات القومية التركية ضد الكرد كانت تجري داخل الحدود السياسية للدولة التركية، فان ممارسات حكومة اردوغان التي لا تقل وحشية عن ممارسات اتاتورك والحكام القوميين من بعده، ان لم نقل تفوقها، تتعدى بشكل شبه يومي إلى حدود دولة اخرى هي العراق.

ومن خلال احدث تصريح تركي لحكومة حزب العدالة والتنمية معاد للكرد، من انهم لن يسمحوا باية صيغة من صيغة الحكم يتمتع بها كرد سوريا.

وقبله بسنوات تصريح اخرللاتراك نص على اعتزامهم القضاء على اية دولة للكرد حتى اذا قامت في الارجنتين.

لقد قضى اتاتورك وحزبه حزب الشعب الجمهوري في العامين المشار اليهما على ثورة درسيم داخل الحدود السياسية للجمهورية التركية في حين يعلن القادة الاتراك من اسلاميين وعلمانيين وفي العقد الاول من القرن الحادي والعشرين دون خجل او وازع من ضمير من انهم سيقضون على اي كيان كردي في حال اذا قام ليس في تركيا فقط انما خارج تركيا ايضا.

ألستم معي إذن اذا قلت ان الأولى باردوغان ان يتقدم باعتذار الى الشعب الكردي في تركيا والعراق وسوريا على الجرائم التي يرتكبها بشكل شبه يومي بحق كرد تركيا والعراق على وجه الخصوص؟

ان ما يطلبه الكرد من الاتراك اكبر بكثير من اعتذار يتقدم به اردوغان اليهم.

عبدالغني علي يحيى

رئيس تحرير صحيفة "راية الموصل" - العراق

al_botani2008@yahoo.com