اعادة التحالف الشيعي الكوردي ضرورة من ضرورات المرحلة المقبلة

انتهت مباراة كرة السياسة بين الاحزاب الشيعية والسنية في العراق بتعادل مهين بينهما، ليخرج الطرفان مثقلين باهداف سجلت عليهما من قبل فريق ثالث وبتواطؤ من حكام المباراة انفسهم في اغرب لعبة سياسية يشهدها التاريخ، احبطت الشعب العراقي وكشفت زيف الشعارات الوطنية البراقة التي كانت تلك الاحزاب تتبناها وتزاود بها على بعضها البعض. فبعد سنوات من ازمات سياسية وفقدان للامن تلقفت منظمة داعش زمام المبادرة مستغلة تناقضات المشهد العراقي لتسيطر على ثلث مساحة البلد وتهدم معها كل معاني السيادة والاستقلال لدولة مضى على انضمامها للامم المتحدة اكثر من اثنين وثمانين عاما.

ولكن وكما يقول المتنبي في قافيته (والاسى قبل فرقة الروح عجز/ والاسى لا يكون بعد الفراق) فان الوقوف على الاطلال اليوم، ودراسة الاسباب التي دعت الى هذا الانهيار، لن تجدي نفعا في واقع عراقي ينبئ بتصدع كامل مثلما لن تجدي الحلول الترقيعية في حل تعقيداته. فالبلد اليوم يمر بمرحلة الدخول الى ما يمكن تسميته بعصر بايدن الذي يعد له منذ سنين ويمثل فيه داعش اليد الضاربة الذي تعتمد عليه الدول الكبرى لتنفيذه.

لقد قوبل مشروع بايدن في بداية طرحه بالرفض القاطع من قبل المكون السني والقوى الممثلة له، واثبتت مجريات الاحداث بعد ذلك ان هذا الرفض لم يكن نابعا من تفرد هذا المكون بالشعور العالي بالمسئولية تجاه وحدة الوطن كما حاولوا تصويره بقدر ما كانت محاولة لكسب الوقت اعتقادا منه بامكانية ارجاع عقارب الساعة الى الوراء وفرض سيطرته السياسية على كل العراق ثانية باعتماده على العمق العربي والتركي الداعمين له. اما وقد خرجت زمام الامور من ايدي الجميع اليوم (سنة وشيعة) واصبح مصير الدولة مرهون بيد عصابات ارهابية واطراف دولية واقليمية، فقد اختلفت المواقف وبدا ساسة هذا المكون وشيوخ عشائره بالهروب الى الامام مطالبين على استحياء تطبيق هذا المشروع من خلال رفضهم دخول الجيش العراقي الى مدنهم ومطالباتهم بتشكيل قوة مسلحة سنية تحمي مدنهم في خطوات تمهد لولادة الاقليم السني.

ان التوجه الدولي الحالي الداعم لتشكيل هذا الاقليم واضح من خلال اصرار اميركا على تسليح العشائر السنية وتصريحها بان تسليح هذه العشائر امر لا بد منه حتى لو حصل خارج ارادة حكومة المركز. وفي تصوري فان المسرحية الداعشية (المهزلة) لن تنتهي الا بعد ان تتأكد الادارة الاميركية والمكون السني بان مشروع بايدن بدا بالتنفيذ الفعلي. ولذلك فان طرد داعش من العراق يمكن تحقيقه دون اراقة المزيد من دماء افراد الجيش العراقي والبيشمركة والحشد الشعبي بل في تحولات سياسية تفعلها حكومة العبادي بالتنسيق مع حكومة اقليم كردستان وعلى النحو التالي:

1- القبول رسميا بتسليح العشائر السنية والبدء بتسليحهم فعليا ليصبحوا قادرين على محاربة داعش وطردها من مناطقهم مع ملاحظة توازن القوى بين الاقاليم المقترحة.

2- سحب قوات الجيش العراقي والحشد الشعبي من المناطق ذات الاغلبية السنية وحصرها في مناطق خارجها، مما يعزز قدرة الجيش العراقي على حماية المناطق الاخرى في العراق.

3- تحرير البيشمركة لباقي المناطق الكردستانية المحسوبة على المناطق المتنازع عليها والتي ما تزال تحت سيطرة داعش، والاتفاق مع حكومة المركز على الية تسريع انضمام هذه المناطق لاقليم كردستان رسميا.

4- اعادة التحالف الكردي الشيعي القديم لكن ليس على حساب المكون الثالث السني وانما لحماية هذا المكون من التدخلات الخارجية من اية جهة كانت وذلك للاسباب التالية:

- افتقار المكون السني (لغاية الان) الى قيادة حقيقية تستطيع حشد الشارع السني من ورائه، لتكوين ملامح سياسية واضحة المعالم لهذا المكون يبعده عن الحركات المتطرفة ويمكن التعامل معه على اساس اتفاقات سياسية طويلة الامد.

- تعدد القيادات السنية ادى الى تعدد الدول المتدخلة في الشأن العربي السني بما لديها من اجندات ومصالح مختلفة اثرت سلبا على المكون السني نفسه وبالتالي اثر على الوضع العراقي بشكل عام.

- ان احتلال داعش لمناطق سنية واسعة ولأشهر يجعل من احتمال نجاحه في تشكيل خلايا نائمة تعمل حتى بعد طرده احتمالا قائما، مما يستوجب العمل الجاد بين المكونات الثلاث لاجتثاث هذه الخلايا بعد طرد التنظيم للحفاظ على الامن والاستقرار داخل العراق.

- الاتفاق مع قيادات هذا الاقليم الناشئ على رسم حدوده الثابتة بصورة يحافظ فيها على حقوق المكونين الشيعي والكردي ويحترم خصوصية المكون السني وحقوقه.

- من المعروف ان فترة التحولات السياسية تعتبر من اكثر الفترات احتمالا للتدخلات الخارجية، ولافتقار المكون السني لقيادات سياسية محنكة كما اسلفنا. فعلى المكونين الكردي والشيعي الانتباه لهذه الفترة لاجهاض أي نوع من التدخلات الاقليمية في الشان العراقي.

- من الاوجب على المكونين الكردي والشيعي وبدلا من اضاعة الوقت في التحرك لطرد داعش ان يتركوا هذه المهمة لمسلحي العشائر السنية، ويتفرغوا هم لاجراء مباحثات مستفيضة (منذ الان) مع القيادات السنية المؤثرة حول الية وضع دستور جديد للبلاد يحافظ على حقوق جميع المكونات ويحترم فيه حق تقرير المصير لمكوناته.

لو كانت المكونات العراقية قد اقرت بمبدأ اقامة الاقاليم منذ 2003 ولم تزايد عليه بشعارات زائفة، لوفرنا دماء كثيرة سالت منذ ذلك الوقت ولغاية يومنا هذا، ولتنعم العراق بالاستقرار والامن. ولذلك فمن الواجب على قيادات المكونات الثلاثة انقاذ ما يمكن انقاذه من دماء ابناء هذا البلد ومصير اجياله بدلا من البقاء في احلام كل مكون في كيفية السيطرة على المكون الاخر والقضاء عليه. فكل الشعارات البراقة وكل الحماس الفارغ والحديث عن لحمة وطنية غير موجودة لا تساوي اراقة قطرة دم واحدة لانسان.