اطلالة الرواية التاريخية

بقلم: السيد نجم
امين معلوف وروايته عن الحروب الصليبية

لقد نالت الرواية التاريخية الاهتمام منذ سنوات بعيدة في محاولة للتنظير والتعريف والفحص..إلا أنها قليلة نسبيا، حتى أنه يمكن الإشارة إلى بعضها حصرا حتى العقد قبل الأخير من القرن الميلادي الماضي، وهى: "حول الرواية التاريخية" لعلي أدهم، "الفن القصصي في الأدب العربي الحديث" لمحمد حامد شوكت، "الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث" لقاسم عبده قاسم، و"الرؤية والأداة" لنجيب محفوظ وعبد المحسن طه بدر، وأخيرا "الرواية التاريخية في أدبنا الحديث" للدكتور حلمي القاعود.
تبلورت الآراء حول نشأة ورواج الرواية التاريخية، أن تلك الرواية ما كانت لتكتب إلا لتجاوز الهم الشخصي والتعبير عن الهم العام للأمة. وهى محاولة الكتاب للتعبير عن التحدي لبعض المشكلات الآنية التي تعيشها الأمة بالتسلح بذات قوية أصيلة في تاريخنا، ولمواجهة التحديدات التي قد تبدو متشابهة أو قريبة من موضوع الرواية..فقد كانت الأمة محتلة وتعانى بالعديد من المشكلات مع "الآخر".
ربما يمكن التعبير عن ذلك، بأن كتابة الرواية التاريخية ورواجها في العقود السابقة، كان محاولة للدفاع عن النفس حيث تعرض الروائي إلى موضوعات في التاريخ تماثل الفترة التي يعيشها، ويسجل كيف نجح العرب في الماضي لمواجهة هذه الأزمة أو تلك.
قد يبدو الأمر طريفا أن نسرد كل الروايات التاريخية التي كتبت بالعربية حتى العقد الأخير من القرن الماضي.. إلا أنه يمكننا ذلك لعدة أسباب. أن عددها محدود نسبيا، الملاحظة الأخرى أنه منذ عام 1990 قلت الكتابة الروائية للرواية التاريخية إلى حد الندرة، وربما بدت "معيبة" أن يكتب أحدهم في هذا الشكل الإبداعي الجميل عند البعض.
إلا أنه لا يجب الانتقال من تلك الوقفة دون أن نذكر ما لكل من الكاتب جرجي زيدان ونجيب الكيلاني من فضل على تشييد البناء الفسيح للرواية التاريخية. لكل منهما مشروعه الخاصة في هذا الجانب، وقد أثرا المكتبة التاريخية الروائية من هذا الجانب.
فقد بدا للبعض أن جرجي زيدان تناول الأحداث التاريخية الإسلامية مسلسلة زمنيا، ثم صاغها في حبكة قصصية. كما أن نجيب الكيلانى تجاوز قرينه بقدر أوفر من تقنيات فن الرواية، والبعد المكاني حتى أنه أشار إلى البطولات التاريخية للعرب في خارج المساحة المكانية المعروفة، بسرد الفتوحات الإسلامية في آسيا، كما في رواية "عذراء جاكرتا" و"ليالي تركستان" وغيرهما.
ربما من جملة القول الإشارة إلى ما كان للرواية التاريخية من أهمية عند المعاصرين، أن بدأ نجيب محفوظ مشروعه الروائي بكتابة عدد منها: "أمام العرش"، "كفاح طيبة"، "رادوبيس"، و"عبث الأقدار".
وبعد محفوظ ولأسباب عديدة كانت الرواية التاريخية الناضحة. فقد بدأت أشبه بالعمل أو النص التعليمي/الأخلاقي في البدايات، وهو ما كانت عليه الرواية عموما في فجر نشأتها، إلا أنها مع الرواية التاريخية كانت السمة واضحة أكثر، وربما مباشرة.
ومع عادل كامل، وعلي أحمد باكثير، ومحمد سعيد العريان، ومحمد عوض محمد، ومحمد فريد أبو حديد، ونجيب محفوظ.. نضجت الرواية التاريخية، كما كل مناحي الكتابة في الرواية العربية.
ربما سعت الرواية التاريخية وشاعت في الإبداعية العربية خلال فترات معينة من القرن الماضي، كمحاولة للبحث عن الذات القومية القوية المنتصرة، أو للبحث عن دواء شاف للمحن التي تعرضت لها الأمة في حينه، أو ربما من أجل الحلم بالنصر والانتصار خلال فترات الانكسار، أو للتأمل والبحث عن أسباب نكائب تاريخية. فليس كل التاريخ انتصارات ونجاحات.. كما في رواية "أميرة قرطبة" التي أبرزت أسباب ما كان بالأندلس، وربما أسباب نكبة ما حدث فيها.
أظن أنه لا يمكن تناول موضوع الرواية التاريخية دون التوقف أمام منجز هام فيها، وان كتبت بلغة غير العربية، ألا وهو مشروع الكاتب أمين معلوف وهو صاحب المقولة:
"إذا كانت المعرفة التاريخية نشأت في رحم الأسطورة التي هي منبع روافد الإبداع الأدبي بما فيها "الرواية". لذا فان العلاقة بين التاريخ والرواية علاقة تبادلية، وكانت الرواية التاريخية. وهى التي تعبرعن الصراع من خلال وجدان الناس أو الجماعة بلا التزام ببيان الوشائج السببية بشكل مباشر على العكس من الكتابة التاريخية."
رواية "الحروب الصليبية..كما رآها العرب" للكاتب أمين معلوف واحدة من تلك الأعمال. نشرت عام 1983 باللغة الفرنسية، ثم ترجمت إلى العربية بقلم د.عفيف دمشقية. وهى واحدة من إنتاج الروائي الذي رهن قلمه لكتابة الرواية التاريخية، منها رواية "ليون الأفريقي" و"سمرقند". وواضح تركيز الكاتب على فترة العصور الوسطى.
لعل الهام هنا هو تركيز الروائي على إبراز العلاقة بين الشرق والغرب في كل أعماله، وما أحوجنا الآن كي ننتبه إلى أنفسنا والى الآخر. وقد وعى الكاتب بتلك القضية حتى أنه بالمقدمة يقول: "أنا لا أقدم كتابا آخر في التاريخ قدر ما هو رواية حقيقية عن الحروب الصليبية، وعن هذين القرنين المضطربين اللذين صنعا الغرب والعالم العربي، ولا يزالان يحددان، حتى اليوم، علاقاتهما..". كأننا نقرأ في تلك السطور القليلة أحداث نعيشها الآن!
أما روايته حول الحرب الصليبية، فتشغل نفس زمن فترة تلك الحروب (قرنان)، أي منذ 1099م حتى نهاية وجود الصليبيين بالمنطقة في عام 1291م. ومع ذلك فالقول بالتزام العلمي بالحقيقة التاريخية لا يلغى الالتزام بأطر العامة لفن الرواية كما في توفير عنصر التشويق والإثارة، وحتى أن كان بشكل مختلف.
يعرض الروائي وجهة نظره، ثم يسجل مقولات المؤرخين، وقد يعلق من بعد، وهكذا يقطع ويمزج، ويضيف بشكل متتابع وهو قابض على جوهر فنية الرواية وفكرتها، مع ذلك كثيرا من كان يبدأ (الفصل أو الفكرة الجديدة) برصد التاريخ. كما فعل في "ديسمبر 1089" حيث يقول: "اجتاح الصليبيون بلدة أبى العلاء..........، أما المؤرخ العربي أسامة بن منقذ – الذي ولد في مدينة قريبة قبل ثلاث سنوات من هذه الأحداث – فقد عاش تلك الفترة كاملة وأرخ لها، وحدث في أثنائها لون من ألوان التعاون بين إمارة عربية في دمشق، وأخرى صليبية في القدس.... وهو يتحدث حديثا طويلا عن جهلهم بالطب وهمجيتهم، ويشمئز من كثير من مسلكهم ويكتب:...............، ثم يوجز خبرته بهم :"إذا خبر الإنسان أمور الإفرنج رأى بهائم فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير، كما في البهائم فضيلة القوة والحمل"!
وهكذا حتى نهاية الرواية، ما بين التنصيص والتعليق وما يمكن أن نطلق عليه "المونتاج".. بحيث اكتسب العمل نكهة خاصة.
أما وقد نضجت الرواية التاريخية، كما كل مناحي الشكل الروائي، فلا غرو أن نجدها بين الكتابات الآن. لكن الواقع الإبداعي العربي لا يشير إلى هذا، فما ندر أن تصدر رواية تاريخية هنا أو هناك.
وهذه قضية أخرى لها وقفتها الخاصة! السيد نجم Ab_negm@yahoo.com

Mb_negm@hotmail.com