اصنام العقيدة.. مستمرون!

في احدى غابات اميركا اللاتينية، عثر باحثون على رجل عجوز، في قرية تدين باحدى الديانات الوثنية، وقد انقرضت هذه الديانة بعد ان تمردت عليها الناس، اثر اكتشافهم الحياة الجديدة والتمدن الذي قلب المفاهيم عندهم رأساً على عقب. هكذا راحوا يتخلون عن تلك الديانة بعاداتها وتقاليدها القادمة من ظلام العصور القديمة واحداً تلو الاخر، ولم يبق سوى هذا العجوز الذي حيّر الباحثين بطروحاته بعد ان جاءوا يدرسون حالته الفريدة، اذ اكد لهم بان ديانته او ديانة قبيلته باقية وهي التي ستسود العالم ودعاهم للانتماء اليها! وقد فشلت كل المحاولات في اقناعه بانها انتهت!

حكاية هذا الرجل على طرافتها، تنطوي على دلالات مهمة. فهو لم يكتشف الحياة من حوله لا في بصره ولا في بصيرته لانه مغلق على عادات وتقاليد وقيم ديانته التي عاش معها اجمل ايام عمره وقد انغمس فيها بلا رجعة، وهو وفقاً لذلك انسان صادق مع نفسه وان لم يكن ينطوي على شيء ذي قيمة، وان محاولات تحويله عن دينه مسألة نراها قاسية، كونها محاولات لمسخ ضميره وجعله يعيش في صحراء روحية لا يرى لذة للعيش معها. اما ان يعتقد بان العالم كله سيتحول الى ديانته التي لم يعد يؤمن بها احد غيره فهذه مسألة ينبغي التوقف عندها، لان مثل هذا الاعتقاد عندما يكون بهذا الرسوخ يصبح عبئاً على صاحبه، اذ من الممكن لهذا العجوز اذا ما توفرت لديه الامكانيات ان يفرض ديانته على الاخرين، انطلاقا من تعاليمها التي تقول بحتمية انتشارها في العالم، ولماذا لا يكون هو الفارس الذي يحقق لدينه هذا الحلم؟

قد تبدو حكاية هذا العجوز الطريفة فردية وعابرة، لكني اجزم ان العالم اليوم ما زال يضج بامثال هذا (المؤمن بالعقيدة!) ولو باشكال مختلفة. الفارق الوحيد هو ان هذا العجوز لم تمكنه ظروفه بسبب عزلته في الغابات ان يرى الحياة. اما بعض "العقائديين" ممن يريدون فرض عقائدهم الدينية والسياسية على الناس او يعتقدون بانها تقطن مستقبل البشرية، فهم اشد تعصباً وربما نفاقاً، كونهم رأوا الحياة وعرفوا الناس من خلال اندماجهم في المجتمع الانساني بفعالياته المتعددة ومنها السياسية، ويدركون استحالة تحقيق احلامهم الطوباوية، الا انهم يدركون ايضاً ان الادعاء بالانتماء لعقائد تبدو عالمية يوفر لهم فرصة لتحقيق مكاسب ذاتية لا علاقة لها بالعقائد نفسها.

وعليه، فالعجوز الوثني اكثر صدقاً منهم لانه ببراءته وعفويته عبر عن جهله. اما هؤلاء فبنفاقهم الممزوج بالتعصب انتجوا مذابح ومآسي ومازالوا مستمرين في ذلك ولو بمظاهر مدنية وحضارية وتحت عناوين الدفاع عن الانسان!

استطيع القول ان هؤلاء هم اصنام العقائد، كون الحياة من حولهم تتغير وهم ثابتون ويتسترون على صنميتهم هذه بمقولة "التمسك بالمبادئ" متناسين ان المبادئ تبقى ثابتة بالتجديد المستمر وتصحيح الاخطاء وقراءة الواقع العالمي وتحولاته التي تفرزها معطيات الفكر والعلم والحراك الاجتماعي اليومي. ولا نعتقد ان هناك فارقاً كبيراً بين متعصب من حركة طالبان ومتعصب يساري أو متعصب ليبرالي، واقول ليبرالي، لان الليبرالية نفسها مشغل كبير.

ينبغي ان يقرأ الليبرالي الحقيقي محركاته قبل ان يندفع مع مشروعه الذي قد يصلح هنا ولا يصلح هناك، انطلاقاً من جوهر الليبرالية نفسها اما ان تفرض وبالقوة ويكون الدفاع عن فرضها، ثقافة، فالنتيجة لا تختلف عن فهم العجوز الوثني لرسالة دينه، وايضاً لا تختلف عن فهم اليساري المتعصب لفحوى رسالة اليسار وكذلك الديني لرسالة الدين، وتلك هي مأساة عصرنا المتناشز… اليوم!